شعراء "كبار" بلا شعر [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعراء "كبار" بلا شعر


سامي الذيبي
02-07-2010, 15:48
الشعر العربي:آلاف الأطنان من الشعراء العرب مقابل حفنة من الشّعر والشعرية
بقلم:سامي الذيبي
لن نشير هنا إلى ظاهرةٍ قال عنها محمود درويش كلمّا صافحني شاب في بلد عربي إلاّ وقدّم نفسه لي كشاعرٍ حتّى أنّني أصبحتُ كلما بادرني شاب بالتحيّة والمصافحة سبقتهُ قائلا أنت أيضا شاعر بلا شكّْ.!!!
ولعل هذا كافٍ لحضور مقولة أصبحت مثالا يتكرر تقوله في ساحاتنا الإبداعيّةِ ألا وهي مقولة" حُكْ راسك تخرّج اكتابْ"،ونحن إذ لا نشك في مقدرة المبدع العربي على الإبداع فهو مبدع بالضّرورة في كل شيء سواء أكان الإبداع في الرقص بأنواعه أو المسرح أو الشعر والفلسفة والقائمة مازالت طويلة أترك لكم البحث فيها...والحمد لله تزخر "تونسنا " العزيزة بالإبداع وهذا لفخر لنا وللأجيال القادمة التي بدت عليها علامات النبوغ الإبداعيفي الرقص والعري ظاهرة للعيان!
ونحن إذ نبارك و نلاحظ ولادة نقابة كتّاب بتونس يجعلنا نتساءل عن السبب وهل هذا يعني قصورا من طرف إتحاد الكتاب التونسيين؟أم أنّ الزوارق لا تصطاد جنبًا إلى جنب؟ولكن نحن مع كل نفس نضالي ونقابي تقدّمي ...
فمن خلال طرح هذا السؤال ومحاولة الإجابة سنقوم برصد حركة الشعر التونسي ،إذ لاحظنا تهافت الإصدارات الشعرية كالطيور المهاجرة التي تظل في النهاية تائهة لا مرسى لها..إصدارات عديدة ومتنوعة تغرف من كل أشكال الكتابة الشعرية ولكننا نظل متسمّرينَ،مشدوهينَ على العتبات حائرين متسائلين:هل أنّ كل ما يُكتب ويصدُر في كتب أنيقة وذات جودة عالية - مصدرها تطوّر واضح لتقنيات الطباعة في تونس وعجز فادح في النشر والتّوزيع-يعتبرُ شعرًا؟؟
بالرّغم من أن ما يشهده الشّعر التونسي اليوم من انفلات وانقلاب هامين بالكاد لا نجد غير بيت أو سطر أو مقطع يمكن اعتباره شعرًا.وإن توُجَد نصوص شعرية متميّزة فإنّه يخونها الدّارسون والنقّاد الذين ما يزالون يرتمون في أحضان المشرق العربي و انتاجاته الشعريّة وكأنّ تونس لم تنجب غير الشابي؟
وفي المقابل لبروز أصوات شعريّة جديدة محترمة بقيت أصوات أخرى تعيش قيلولتها في الخيبة والمغالطة التّاريخيّة لمفهوم الإبداع الحقيقي...وأمام هذه الكثْرة الكثيرة في تونس هل يجوز لنا نصف ما يكتب اليوم بالشعريّة أو عدمهِ؟ نعم يمكن ذلك مادام هاجسنا تحقيق الإبداع الأسمى والْـننفُضْ عنّا الخجل المرّ كما يسميه مظفر النواب،و الْنصرُخ في وجه الواهمين بأنّهم "شعراء" أن يحترموا الشعر ويحترموا أنفسهم؟
وإنّ ما وصلت إليه الحداثة الشعريّة وما بعدها لا يمكن أن تكون حجّةً لطرق وأشكال إبداعية إلا لأصحاب المسافات القصيرة الذين يروْنَ في أنفسهم بلوغ ذروة الثقافة والإبداعَ!
إنّ الشعر التونسي اليوم ينفض الغبار عن مقولات الحجب والقصور بتعلّة أنّ الشابي الشاعر الوحيد الأوحد في تونس فنحن لا ننكر شعريّة الرجل ونضاله القوميّ،ولكنّنا ضدّ ما يقوم به البعض من تكريس ومتاجرة بالشابي وذلك لحجب وإجهاض الأصوات الحقيقيّة القادرة على التعبير وبالتالي التغيير..وأمّا دعاة الإبداع من المستشعرين فعليهم جمع نفاياتهم وحملها بعيدا وإلقاءها في مزبلة التّاريخ،ونحن لا نشك في مدى وعيهم وغيرتهم على قيمة الشعر العربي وأنّه نحن من علينا المبادرة برد الاعتبار للمبدع العربي ولإبداعه الشعري ولعل أحد الكتّاب المعاصرين بأمريكا اللاّتينيّة :إذا كان الشعر عصفورا
فالصورة جناحه الأيمن/ والإيقاع جناحه الأيسر/ لكن الشعر ليس العصفور/ إنّه الطّيران
فالشّعر بذلكَ تحليق وطيران دائمٌ عمله هو ليس التعالي قصد التعالي والكبْر ولكن قصد كشف عوالمَ وخفايا لا يمكن التفطّن إليها ويصعب الإحساسُ بها..وعليه واجب على كل واحد منّا أن يحترمَ الشعر لأنّ في احترامه للشعر احترامٌ لذاته وكيانهِ،فهذه المشاهد المتزايدة للنموّ العشوائي ولطُفيْليّات الشعر العربي دليل الاستهانة بالكتابة كلها ساهمت مساهمة فاعلة في تهميشٍ للمبدعين وتكريسٌ للرّداءةِ وعامل من عوامل الإطاحة من قيمة الشعر العربي..ولأنّ في معانقة التّجريب متعة التجريب الوجودي فإننا نرجو وبكل لطف من كل الخيبات الشعرية المنتشرة في تونس أن تنسحب ولا جدوى من إيجاد مشروعية للبقاء الشعري بالارتماء في المدارس الشعريّة والنّقديّة متعلّلين بالحداثة وما يليها..!
سيلاحظ بعض الأصدقاء والأعداء شيئا من الحدّة والقسوة في حروفي المجتمعة في هذا المقال وسيتفّهّمون الوضع بكل روح إبداعية وسيعرفون أنه من باب الغيرة على الشعر التونسي والعربي عمومًا ولأننا نلتقي في انتصارنا للشعر الحقيقي أينما كان وبأي شكل تتمّ صياغتهُ،ولأنّ احترامنا لذواتنا بالضّرورة احترام لما نكتب وفي احترامنا للإبداع التزام بالضّوابط الاجتماعية والأخلاقيّة التي يجب علينا تجسيدها في تصرّفاتنا مع أنفسنا ومع مجتمعاتنا،لأن المجتمع الذي لا يحترم المبدع في شخصه لا يحترم إبداعه الخاص..وأرى أنّه من غير اللائق الحديث عن جنون الشعراء وكونهم كائنات منفلتة وتفعل ما تشاء من تصرفات قد تنافي أخلاقيّات الجماعة كما أشار لها عالم الاجتماع "أوقيست كونت" فالفرد وجوده مرتبط بوجود الجماعة..
وعلى العموم يبقى الشعر محاولةً دائمة لملامسة الحقيقة في كل الذّوات البشريّة،ولكلٍّ عالمهُ الخاصّ ومشربتُه الفكريّة والثقافيّة التي من خلالها يعبّر عنهم ويسجل بذلك حضور نصّه الشعري وأمّا خيبات الشعر التونسي والعربي والعالمي فإني أشير إلى أن يضعوا في الحسبان حركة التّاريخ الكفيلة بعمليّة التعرية وبالتالي كشف الحقائق وإعطاء النصّوص الشّعريّة الحقيّقيّة حقها في القراءة والظهور..