إعتراف خطير لشاعر تونسي [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعتراف خطير لشاعر تونسي


سامي الذيبي
02-07-2010, 15:44
إعتراف خطير لشاعر تونسي
بقلم:سامي الذيبي
إنّ التشجيعات والإحتفاءات اليوميّة بالشعر التونسي والإبداع الفكري المتواجد بكثرة في كل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية سواء أكانت حكومية أو مستقلّة،وما تشهده السّاحة الثقافية خاصّتها وعامّتها من اهتمام كبير بكل المبدعين والمفكرين يظهر جليا في التكريم المتتالي لهم باعتبارهم اللسان الحقيقي المعبّر عن هموم الإنسان وقضاياه ....ويظهر ذلك أكثر في ما يناله المبدع العربي وخاصّة التونسي من تقدير وحبِّ واهتمام كبير من طرف الحكومة والشارع عامة...هو حبّ بلا مقابل ،فقط لأن أغلب حكوماتنا العربيّة وشعبنا العربي يعرفان القيمة الحقيقيّة للإبداع والفكر والفلسفة..
ولأنهم يؤمنون بأنّ الإبداع صانع الإنسان وصانع التاريخ ومحرّك الشعوب ومحرّك العقل بحثا عن الإنسان المنشود...
لأنّ تأثير الشارع العربي ووعيه بهذه القيمة الهامّة للإبداع والفكر جعل الحكومات العربية توفّر للمبدعين والمفكرين كل ظروف الحياة الكريمة،فالمبدع في وطننا العربي له من الامتيازات ما قد لا يتوفّر لسفير أو وزير في بلاد الغرب- وبلا مغالاة – من واجبي كمبدع تعدادُ هذه المكارم والامتيازات،ففي وطننا العربي يحصل المبدع على بطاقة سفر مجانية تخوّل له السفر المجاني في أهم وسائل النقل من حيث الراحة و الرّفاه ،هذا كما يجب التنبيه إلى أن بطاقة السفر هذه تتجاوز الحدود ،إذ لها صلاحيات السفر بنفس المقاييس المذكورة سابقا في كل الأقطار العربيّة دون نسيان ما يلقاه مبدعونا من حفاوة الترحيب وتسهيلات خياليّة لا يمكن تصديقها،هذا كما أولت هذه الحكومات – مشكورة سلفا-جراية شهريّة تصل أصحابها إلى منازلهم وذلك حتى لا تضيع لحظات إبداعهم في البنوك والازدحام،هذا إضافة إلى أنها كانت سبّاقة في العناية بهم فوفّرت لهم مساكن لائقة بهم وبأفكارهم وعوالمهم الإبداعيّة وفي أماكن هادئة بعيدة عن الضجيج فتجد من يختار شواطئ البحر ومن يختار الأماكن الجبلية الجميلة وكلٌّ حسب اختياره ولعل هذه المبادرة التي لا يستطيع التفطن إليها غير المبدع في حدّ ذاته جعل حكوماتنا –يحفظها الله- بنفاذ حكمة وتبصر واع الانتباه إلى هذه الكائنات الإبداعية الحسّاسة،وكذلك من حقّ المبدع اقتناء أيّ كتاب أو مرجع من أيّ مكان دونما دفع لثمنه فقط تقوم الحكومات بسداده. وثمّة تنبيهات أخرى نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر أنّ شرطي المرور مثلا لا يستطيع إيقاف مبدع بغية طلب هويته بمجرّد كشف المبدع عن "بطاقة مبدع"- وهي بطاقة عربيّة تمت المصادقة عليها في مؤتمر "حياة أرقى للمبدع العربي" الذي انتظم منذ عقود- فالتعليمات الحكومية الصّارمة تؤكّد على عدم التعرّض لهم أينما كانوا و عليهم فقط إلقاء التحيّة وتوفير الأمن لهم إذا ما تجوّلوا مثلا في إحدى الشّوارع أو الأزقة محفوفين بفكرة إبداعية ما. وذلك خوفا على تعكّر صفوهم وبالتالي ضياع لحظة إبداعهم وكذلك خوفا عليهم من ازدحام المعجبين المطالبين بالتقاط صور تذكاريّة وأخذ توقيعاتهم والحديث معهم...
إن القيمة الهّامة للمبدع أوالمثقف العربي تجعله في مكانة يحسده عليها المبدعون في الغرب، فهناك ينعدم الوعي بقيمة المبدع والمفكر فالإبداع لا قيمة له ولأصحابه فالشاعر في فرنسا مثلا مهمّش بلا مأوى يعيش حياته بين الكتب والفلسفة من أجل الرقيّ بشعبه ووطنه دائم التفكير، قلقا إزاء كل القضايا باحثا عن حلول تنتشل الإنسان نفسيّا وفكريّا من الأزمات الحياتيّة المتتالية... يعيش المفكر في الغرب حالة بؤس تتمثل في فقدان الشروط البسيطة للحياة الكريمة فليس غريبا أن تجد كاتبا أو فيلسوفا لا يملك ثمن سيجارة واحدة وذلك لعدم توفير حكوماتهم العمل الذي قد يضمن تواصلهم الإبداعي ،فالمبدع يعيش حالة انقسام بين البحث عن قوته ومستقبل أبنائه وبين التفكير في الخلق والإبداع ولعلّ ما شهدته هذه الأماكن منذ أيام في مطالبة بعض الكتاب بحقهم في العمل والإحتجاج من أهم ما يبرهن عما نقول،ولأنّ المبدع هناكَ يفكر في وطن يكره فيه نطقه بالحقيقة وكشفها وإماطة اللثام عن لصوص تتاجر بالإنسان والقضايا العادلة لأنه يدافع عن الفقراء والسجناء واليتامى والبحارة بلا زوارق... يدافع عن الجميع ولا يعترف الجميع بوجوده أصلا، ولعل هذه المأساة هي التي جعلت الأدب والإبداع الغربي في حالة لا تجعله قادرا على التفوّق عما يكتب المبدعون العرب.
أصبح المبدع في الغرب يشار إليه بالإصبع كأنه مهرّج أو معتوهٌ يفكّر في أشياء لا قيمة لها أمام عوالم المادّة والموضة والسّهرات بأنواعها ..وقد لاحظنا هذا بالأدلة القاطعة فالأفلام والمسلسلات هناك تسارع إلى جعل المبدع والمفكّر كائنا مجنونا لا يعيش إلاّ على صفحات التاريخ الماضي... وإذا صحّ تعبير مسرح خيال الظلّ أصبح المبدع "كاراكوزا" تتداوله الاتّهامات والقهقهات..
هو وعي مبطّن بأهمية الإبداع ووعي بأنه محرك الشعوب وأنه الانتفاضة التي تسكن الأعماق والعقول لتنفجر من خلاله ثورات تطالب بحياة أرقى...
لأنهم في الغرب عكس وطننا العربي يخافون من شبح يسمّى الفلسفة أو الإبداع لأنه شبح صارخٌ، كاسرٌ، مهشّمٌ لأكاذيبهم وناسفٌ لماكياج سياساتهم ..لأن الحقيقة المبكية المضحكة لا يخجل الإبداع من كشفها للناس في حين تخجل هذه الحكومات من اكتشاف شعوبهم لها. فإنك لا تجد في الوطن العربي شاعرا أو فيلسوفا أو مفكرا ممنوع ترويجه أو نشره ومن المستحيل إيجاد مبدع عربي يقبع في السّجون على خلفيّة إبداعاته وأفكاره وآرائه وإن كانت مخالفة ومعارضة لقناعات حكومة ما.
فهذا نتاج واضح لوعي حكوماتنا العربيّة التي تؤمن بثقافة الاختلاف البنّّاء فهي تعرف أن مبدعيها ومفكريها أصحاب الفكر المخالف هم في النّهاية يصارعون من أجل إحقاق الحق والعدل والكرامة لكل الشعوب ولا يستطيع أي كان الشك في مدى وطنيتهم والدفاع عنها لذلك ينال هذا الشّرف "بطاقة مبدع" كل مبدع سواء أكان مُواليا أو معارضا.
وهذه المواقف الواعية من طرف الحكومات العربية بالظرورة تفتقر لها دول الغرب التي ننصحها بنسخ المنهاج العربي من أجل ردّ القيمة لمبدعيها ومفكريها فلا حضارة دون إبداع ولا عدالة دون أفكار ناقدة غايتها ليس النقد لغاية النقد وإنما غايتها أسمى وأرقى ممّا تتخيّل هذه الدول...