مشاهدة النسخة كاملة : حياة الصحابة رضي الله عنهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعزائي الاعضاء الكرام سنتناول في كل اسبوع أن شاء الله حياة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لتعرف على كيفية اسلامهم وقصة حياتهم وسنبدأ اليوم بحياة الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه.
أبو هريرة رضي الله عنه
" اللهم حبب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة " حديث شريف .
كان اسمه في الجاهلية عبد شمس ، ولما أسلم سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن ، ولقد كان عطوفا على الحيوان ، وكانت له هرة ، يرعاها ويطعمها وينظفها وتلازمه فدعي أبا هريرة - رضي الله عنه -
نشأته و اسلامه:
يتحدث عن نفسه - رضي الله عنه - فيقول :( نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، كنت أخدمهم اذا نزلوا ، وأحدو لهم اذا ركبوا ، وهأنذا وقد زوجنيها الله ، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما ، وجعل أبا هريرة إماماً ) قدم الى النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع للهجرة وهو بخيبر وأسلم، ومنذ رأى الرسول الكريم لم يفارقه لحظة وأصبح من العابدين الأوابين، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله، فيقوم هو ثلثه، وتقوم زوجته ثلثه، وتقوم ابنته ثلثه، وهكذا لا تمر من الليل ساعة إلا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة.
اسلام أم أبي هريرة :
لم يكن لأبي هريرة بعد اسلامه الا مشكلة واحدة وهي أمه التي لم تسلم ، وكانت دوما تؤذيه بذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالسوء ، فذهب يوما الى الرسول باكياً :( يا رسول الله، كنت أدعو أم أبي هريرة الى الاسلام فتأبى علي، واني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة الى الاسلام) فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( اللهم اهدِ أم أبي هريرة )
فخرج يعدو يبشرها بدعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلما أتاها سمع من وراء الباب خصخصة الماء ، ونادته :( يا أبا هريرة مكانك ) ثم لبست درعها، وعجلت من خمارها وخرجت تقول: ( أشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله ) فجاء أبوهريرة الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - باكياً من الفرح وقال: ( أبشر يا رسول الله، فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أم أبي هريرة إلى الاسلام) ثم قال : ( يا رسول الله ، ادع الله أن يحببني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات ) فقال : ( اللهم حبب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة).
امارته للبحرين :
وعاش - رضي الله عنه - عابداً ومجاهداً، لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة ، وفي خلافة عمر - رضي الله عنه - ولاّه إمارة البحرين، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا ولّى أحداً الخلافة راقب ماله، فاذا زاد ثراءه ساءله عنه وحاسبه، وهذا ما حدث مع أبي هريرة، فقد ادخر مالاً حلالاً له، وعلم عمر بذلك فأرسل في طلبه، يقول أبو هريرة : قال لي عمر :( يا عدو الله، وعدو كتابه، أسرقت مال الله ) قلت :
( ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه لكني عدو من عاداهما، ولا أنا من يسرق مال الله) قال: ( فمن أين اجتمعت لك عشرة ألاف ؟) قلت: ( خيل لي تناسلت، وعطايا تلاحقت ) قال عمر : ( فادفعها الى بيت مال المسلمين ) ودفع أبو هريرة المال الى عمر ثم رفع يديه الى السماء وقال : ( اللهم اغفر لأمير المؤمنين ) وبعد حين دعا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من جديد، فأباها واعتذر عنها، وعندما سأله عمر عن السبب قال : ( حتى لا يشتم عرضي، ويؤخذ مالي، ويضرب ظهري )ثم قال : ( وأخاف أن أقضي بغير علم، وأقول بغير حلم )
سرعة الحفظ و قوة الذاكرة :
ان أبطال الحروب من الصحابة كثيرون، والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون، ولكن كان هناك قلة من الكتاب، ولم يكونوا متفرغين لتدوين كل ما يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وعندما أسلم أبو هريرة لم يملك أرض يزرعها أو تجارة يتبعها ، وانما يملك موهبة تكمن في ذاكرته ، فهو سريع الحفظ قوي الذاكرة ، فعزم على تعويض مافاته بان يأخذ على عاتقه حفظ هذا التراث وينقله الى الأجيال القادمة فهو يقول : (إنكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتقولون أن المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث، إلا أن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وأن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم، واني كنت امرءً مسكيناً، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر اذا غابوا، وأحفظ اذا نسوا، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حدثنا يوماً فقال:
(من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئًا كان قد سمعه مني ) فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته إلي فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه ، وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، هي :
(إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البّينات والهدى من بعد ما بّيناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)
مقدرته على الحفظ :
أراد مروان بن الحكم يوما أن يختبر مقدرة أبي هريرة على الحفظ ، فدعاه إليه ليحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجلس كاتباً له وراء حجاب ليكتب كل ما يسمع من أبي هريرة، وبعد مرور عام، دعاه ثانية، وأخذ يستقرئه نفس الأحاديث التي كتبت، فما نسي أبو هريرة منها شيئاً وكان - رضي الله عنه - يقول: ( ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً عنه منّي الا ما كان من عبدالله بن عمرو بن العاص ، فانه كان يكتب ولا أكتب ) وقال عنه الامام الشافعي : ( أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره ) وقال البخاري : ( روى عن أبي هريرة نحو ثمانمائة أو أكثر من الصحابة والتابعين وأهل العلم )
وفاته :
وعندما كان يعوده المسلمين داعيين له بالشفاء، كان أبو هريرة شديد الشوق الى لقاء الله ويقول : ( اللهم اني أحب لقاءك، فأحب لقائي ) وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة ، وتبوأ جثمانه الكريم مكانًا مباركا بين ساكني البقيع الأبرار، وعاد مشيعوه من جنازته وألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم.
منقول
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
هو حذيفة بن اليمان بن حسيل بن جابر بن عمرو العبسى، وكانت لحذيفة منزلة ومكانة رفيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فى المنافقين لم يعلمهم أحد الا حذيفة أعلمه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمربن الخطاب رضى الله عنه اذا مات ميت لا يصلى عليه حتى يسأل عن حذيفة فاذا حضرحذيفة الصلاة صلى عليه عمر وإلا لم يصل خشية أن يكون من المنافقين فقد أمرالله نبيه صلى الله عليه وسلم فى سورة التوبة ألا يصلى على المنافقين قال تعالى : (ولا تصلِّ على أحدِ منهم أبداَ ولا تُقم على قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقين) صدق الله العظيم .
وكان ايمان حذيفة و ولاؤه لا يعترفان بالعجز ولا بالضعف ولا بالمستحيل ففي غزوة الخندق وبعد أن دبَّ الفشل فى صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود، أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقف على آخر تطورات الموقف هناك فى معسكر أعدائه وكان الليل مظلماً ورهيباً .. وكانت العواصف تزأر وتصطخب وكان الجوع المضنى قد بلغ مبلغاً وعراً بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد وقع اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم على البطل حذيفة بن اليمان ليقوم بهذه المهمة البالغة العسر .
وقد قطع حذيفة المسافة بين المعسكرين واخترق الحصار وتسلل الى معسكر قريش وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر فخيم عليه الظلام وأتخذ حذيفة رضى الله عنه مكانه وسط المحاربين وخشى أبو سفيان قائد قريش أن يفاجئهم الظلام بمتسللين من المسلمين فقام يحذرجيشه وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع : " يا معشرقريش لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده وليعرف اسمه فسارع حذيفة الى يد الرجل الذى بجواره وقال له : من أنت ؟؟ فقال فلان بن فلان !! وهكذا أمن وجوده بين الجيش فى سلام...! وأستأنف أبو سفيان نداءه الى الجيش قائلاً:
( يا معشرقريش أنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلكت الكراع –أى الخليل– والخف أى - الابل – وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون .. ما تطمئن لنا قدر .. ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء ... فارتحلوا فأنى مرتحل) ثم نهض فوق جمله وبدأ المسير فتبعه المحاربون وعاد حذيفة الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر وزف اليه البشرى وبعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزن خذيفة أيّما حزن، ولكنه لم يترك موقعه كمجاهد فى سبيل الله ففي معركة نهاوند العظمى – حيث احتشد الفرس فى مائة وخمسين ألف مقاتل وقد وقع اختيار أميرالمؤمنين عمربن الخطاب على:
( النعمان بن مقرن ) لقيادة الجيش المسلمة ثم كتب الى حذيفة أن يسيراليه على رأس جيش من الكوفة وأرسل عمرالى المقاتلين كتابه يقول: "اذا اجتمع المسلمون فليكن كل أمير على جيشه وليكن أمير الجيوش جميعاً النعمان بن مقرن
فاذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة فاذا استشهد فجريربن عبد الله".
والتقى الجيشان ونشب قتال يفوق كل نظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفًا وسقط قائد المسلمين (النعمان بن مقرن) وقبل أن تهوى الراية المسلمة الى الأرض كان القائد الجديد (حذيفة بن اليمان) قد تسلمها وأوصى بايذاع نبأ موت النعمان حتى تنجلى المعركة ودعا (نعيم بن مقرن) فجعله مكان أخيه (النعمان) تكريماً له. وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس .
وكانت وفاة حذيفة بالمدائن وصعدت روحه الطاهرة الى بارئها سنة ست وثلاثين من الهجرة ، رضى الله عنه وأرضاه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سلمان الفارسي
سلمان الفارسي وكنيته (أبو عبد الله) رجلا من أصبهان من قرية (جيّ)، غادر ثراء والده بحثا عن خلاص عقله وروحه، كان مجوسيا ثم نصرانيا ثم أسلم للـه رب العالمين، وقد آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين أبو الدرداء.
قبل الإسلام :
لقد اجتهد سلمان -رضي الله عنه- في المجوسية، حتى كان قاطن النار التي يوقدها ولا يتركها تخبو، وكان لأبيه ضيعة، أرسله إليها يوما، فمر بكنيسة للنصارى، فسمعهم يصلون وأعجبه ما رأى في دينهم وسألهم عن أصل دينهم فأجابوه في الشام، وحين عاد أخبر والده وحاوره فقال: (يا أبتِ مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس).
قال والده: (أي بُني ليس في ذلك الدين خير، دينُك ودين آبائك خير منه)... قال: (كلا والله إنه خير من ديننا)... فخافه والده وجعل في رجليه حديدا وحبسه، فأرسل سلمان الى النصارى بأنه دخل في دينهم ويريد مصاحبة أي ركب لهم الى الشام، وحطم قيوده ورحل الى الشام.
وهناك ذهب الى الأسقف صاحب الكنيسة، وعاش يخدم ويتعلم دينهم، ولكن كان هذا الأسقف من أسوء الناس فقد كان يكتنز مال الصدقات لنفسه ثم مات، وجاء آخر أحبه سلمان كثيرا لزهده في الدنيا ودأبه على العبادة، فلما حضره الموت أوصى سلمان قائلا: (أي بني، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل).
فلما توفي رحل سلمان الى الموصل وعاش مع الرجل الى أن حضرته الوفاة فدله على عابد في نصيبين فأتاه، وأقام عنده حتى إذا حضرته الوفاة أمره أن يلحق برجل في عمورية.
فرحل إليه، واصطنع لمعاشه بقرات وغنيمات، ثم أتته الوفاة فقال لسليمان: (يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه، آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفا، يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرّتين فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل، وإن له آيات لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وإن بين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته).
لقاء الرسول :
مر بسليمان ذات يوم ركب من جزيرة العرب، فاتفق معهم على أن يحملوه الى أرضهم مقابل أن يعطيهم بقراته وغنمه، فذهب معهم ولكن ظلموه فباعوه ليهودي في وادي القرى، وأقام عنده حتى اشتراه رجل من يهود بني قريظة، أخذه الى المدينة التي ما أن رآها حتى أيقن أنها البلد التي وصفت له، وأقام معه حتى بعث الله رسوله وقدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فما أن سمع بخبره حتى سارع اليه.
فدخل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحوله نفر من أصحابه، فقال لهم: (إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به)... فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: (كلوا باسم الله) وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا... فقال سليمان لنفسه: (هذه والله واحدة، إنه لا يأكل الصدقة).
ثم عاد في الغداة الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحمل طعاما وقال: (أني رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية). فقال الرسول لأصحابه: (كلوا باسم الله) وأكل معهم فقال سليمان لنفسه: (هذه والله الثانية، إنه يأكل الهدية).
ثم عاد سليمان بعد مرور زمن فوجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في البقيع قد تبع جنازة، وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة، مرتديا الأخرى، فسلم عليه ثم حاول النظر أعلى ظهره فعرف الرسول ذلك، فألقى بردته عن كاهله فإذا العلامة بين كتفيه، خاتم النبوة كما وصفت لسليمان... فأكب سليمان على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقبله ويبكي، فدعاه الرسول وجلس بين يديه، فأخبره خبره، ثم أسلم.
عتـقه :
وحال الرق بين سليمان -رضي الله عنه- وبين شهود بدر وأحد، وذات يوم أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكاتب سيده حتى يعتقه، فكاتبه على ثلاثمائة نخلة يجيبها له بالفقير وبأربعين أوقية، وأمر الرسول الكريم الصحابة كي يعينوه ،فأعانه الرجال بقدر ما عندهم من ودية حتى اجتمعت الثلاثمائة ودية، فأمره الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أذهب يا سلمان ففقّرها، فإذا فرغت فأتني أنا أضعها بيدي)... ففقرها بمعونة الصحابة حتى فرغ فأتى الرسول الكريم، وخرج معه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخذ يناوله الودي ويضعه الرسول بيده، فما ماتت منها ودية واحدة فأدى النخيل.
وأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من بعض المغازي ذهب بحجم بيضة الدجاج وقال له: (خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان)... فقال: (وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟)... قال: (خُذها فإن الله عزّ وجل سيؤدي بها عنك)... فأخذها فوزنها لهم فأوفاهم، وحرر الله رقبته، وعاد رجلا مسلما حرا،
غزوة الخندق :
في غزوة الخندق جاءت جيوش الكفر الى المدينة مقاتلة تحت قيادة أبي سفيان، ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب، وجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليشاورهم في الأمر، فتقدم سلمان وألقى من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة على المدينة، فوجدها محصنة بالجبال والصخور محيطة بها، بيد أن هناك فجوة واسعة يستطيع الأعداء اقتحامها بسهولة...
وكان سلمان -رضي الله عنه- قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدعها، فتقدم من الرسول -صلى الله عليه وسلم- واقترح أن يتم حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة، وبالفعل بدأ المسلمين في بناء هذا الخندق الذي صعق قريش حين رأته، وعجزت عن اقتحام المدينة، وأرسل الله عليهم ريح صرصر عاتية لم يستطيعوا معها الا الرحيل والعودة الى ديارهم خائبين...
وخلال حفر الخندق اعترضت معاول المسلمين صخرة عاتية لم يستطيعوا فلقها، فذهب سلمان إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستأذنا بتغيير مسار الحفر ليتجنبوا هذه الصخرة، فأتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع سلمان وأخذ المعول بيديه الكريمتين، وسمى الله وهوى على الصخرة فإذا بها تنفلق ويخرج منها وهجا عاليا مضيئا وهتف الرسول مكبرا: (الله أكبر... أعطيت مفاتيح فارس، ولقد أضاء الله لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإن أمتي ظاهرة عليها).
ثم رفع المعول ثانية وهوى على الصخرة، فتكررت الظاهرة وبرقت الصخرة، وهتف الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الله أكبر... أعطيت مفاتيح الروم، ولقد أضاء لي منها قصور الحمراء، وإن أمتي ظاهرة عليها)... ثم ضرب ضربته الثالثة فاستسلمت الصخرة وأضاء برقها الشديد، وهلل الرسول والمسلمون معه وأنبأهم أنه يبصر قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما، وصاح المسلمون: (هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله).
وقد أشار سليمان الفارسي بضرب الخندق علي المدينة وكانت خطة حربية متبعة عند الفرس وقبل رسول الله رأيه فأمر بحفر الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، وذكر أن المهاجرين يوم الخندق قالوا سلمان منا وقالت الأنصار سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت.
فضله :
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة تشتاقُ إليهم الحُور العين: عليّ وعمّار وسلمان).
حسبه :
سُئِل سلمان -رضي الله عنه- عن حسبه فقال (كرمي ديني، وحَسَبي التراب، ومن التراب خُلقتُ، وإلى التراب أصير، ثم أبعث وأصير إلى موازيني، فإن ثقلت موازيني فما أكرم حسبي وما أكرمني على ربّي يُدخلني الجنة، وإن خفّت موازيني فما ألأَمَ حَسبي وما أهوَننِي على ربّي، ويعذبني إلا أن يعود بالمغفرة والرحمة على ذنوبي).
سلمان والصحابة
لقد كان إيمان سلمان الفارسي قويا، فقد كان تقي زاهد فطن وورع، أقام أياما مع أبو الدرداء في دار واحدة، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقوم الليل ويصوم النهار، وكان سلمان يرى مبالغته في هذا فحاول أن يثنيه عن صومه هذا فقال له أبو الدرداء: (أتمنعني أن أصوم لربي، وأصلي له؟)... فأجاب سلمان: (إن لعينيك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، صم وافطر، وصلّ ونام)... فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لقد أشبع سلمان علما).
وفي غزوة الخندق وقف الأنصار يقولون: (سلمان منا)... ووقف المهاجرون يقولون: (بل سلمان منا)... وناداهم الرسول قائلا: (سلمان منا آل البيت).
في خلافة عمر بن الخطاب جاء سلمان الى المدينة زائرا، فجمع عمر الصحابة وقال لهم: (هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان)... وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة...
وكان علي بن أبي طالب يلقبه بلقمان الحكيم، وسئل عنه بعد موته فقال: (ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم ؟... أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف).
عطاؤه :
لقد كان -رضي الله عنه- في كبره شيخا مهيبا، يضفر الخوص ويجدله، ويصنع منه أوعية ومكاتل، ولقد كان عطاؤه وفيرا... بين أربعة آلاف و ستة آلاف في العام، بيد أنه كان يوزعه كله ويرفض أن ينال منه درهما، ويقول: (أشتري خوصا بدرهم، فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهما فيه، وأنفق درهما على عيالي، وأتصدق بالثالث، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت).
الإمارة :
لقد كان سلمان الفارسي يرفض الإمارة ويقول: (إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين فافعل).
في الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن وهو سائر بالطريق، لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل من التين والتمر، وكان الحمل يتعب الشامي، فلم يكد يرى أمامه رجلا يبدو عليه من عامة الناس وفقرائهم حتى قال له: (احمل عني هذا)... فحمله سلمان ومضيا، وعندما بلغا جماعة من الناس فسلم عليهم فأجابوا: (وعلى الأمير السلام).
فسأل الشامي نفسه: (أي أمير يعنون ؟!)... ودهش عندما رأى بعضهم يتسارعون ليحملوا عن سلمان الحمل ويقولون: (عنك أيها الأمير)... فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي فسقط يعتذر ويأسف واقترب ليأخذ الحمل، ولكن رفض سلمان وقال: (لا حتى أبلغك منزلك).
سئل سلمان يوما: (ماذا يبغضك في الإمارة ؟)... فأجاب: (حلاوة رضاعها، ومرارة فطامها).
زهده وورعه:
همّ سلمان ببناء بيتا فسأل البناء: (كيف ستبنيه ؟)... وكان البناء ذكيا يعرف زهد سلمان وورعه فأجاب قائلا: (لا تخف، إنها بناية تستظل بها من الحر، وتسكن فيها من البرد، إذا وقفت فيها أصابت رأسك، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك)... فقال سلمان: (نعم، هكذا فاصنع).
زواجه :
في ليلة زفافه مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته فلما بلغ البيت قال: (ارجعوا آجركم الله)... ولم يُدخلهم عليها كما فعل السفهاء، ثم جاء فجلس عند امرأته، فمسح بناصيتها ودعا بالبركة فقال لها: (هل أنت مطيعتني في شيءٍ أمرك به)... قالت: (جلستَ مجلسَ مَنْ يُطاع)... قال: (فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله)... فقام وقامت إلى المسجد فصلّيا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته.
فلمّا أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: (كيف وجدتَ أهلك ؟)... فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم ثم قال: (إنّما جعل الله الستورَ والجُدُرَ والأبواب ليُوارى ما فيها، حسب امرئٍ منكم أن يسأل عمّا ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافران في الطريق)...
عهده لسعد :
جاء سعد بن أبي وقاص يعود سلمان في مرضه، فبكى سلمان، فقال سعد: (ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟... لقد توفي رسول الله وهو عنك راض)... فأجاب سلمان: (والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إلينا عهدا، فقال: (ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب)... وهأنذا حولي هذه الأساود-الأشياء الكثيرة- !)... فنظر سعد فلم ير إلا جفنة ومطهرة... قال سعد: (يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك)... فقال: (يا سعد: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت).
وفاته :
كان سلمان يملك شيئا يحرص عليه كثيرا، ائتمن زوجته عليه، وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ناداها: (هلمي خبيك الذي استخبأتك)... فجاءت بها فإذا هي صرة مسك أصابها يوم فتح جلولاء، احتفظ بها لتكون عطره يوم مماته، ثم دعا بقدح ماء نثر به المسك وقال لزوجته: (انضحيه حولي، فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله، لا يأكلون الطعام وإنما يحبون الطيب).
فلما فعلت قال لها: (اجفئي علي الباب وانزلي)... ففعلت ما أمر، وبعد حين عادت فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده، وكان ذلك وهو أمير المدائن في عهد عثمان بن عفان في عام (35 هـ)، وقد اختلف أهل العلم بعدد السنين التي عاشها، ولكن اتفقوا على أنه قد تجاوز المائتين والخمسين.
بتصرف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصحابي الجليل اليوم هو (زيد بن حارثة )
زيد بن حارثة هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى، وكان طفلا حين سبي ووقع بيد حكيم بن حزام بن خويلد حين اشتراه من سوق عكاظ مع الرقيق، فأهداه الى عمته خديجة، فرآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه وتبناه، وصار يعرف في مكة كلها (زيد بن محمد). وذلك كله قبل الوحي.
قصة التبنى
منذ أن سلب زيدا -رضي الله عنه- ووالده يبحث عنه، حتى التقى يوما نفر من حي (حارثة) بزيد في مكة، فحملهم زيد سلامه وحنانه لأمه و أبيه، وقال لقومه: (أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد)... فلم يكد يعلم والده بمكانه حتى أسرع اليه، يبحث عن (الأمين محمد) ولما لقيه قال له: (يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه).
فأجابهم -صلى الله عليه وسلم-: (ادعوا زيدا، وخيروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء، وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء).
أقبل زيد رضي الله عنه- وخيره الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال زيد: (ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب و العم)... ونديت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدموع شاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة ونادى: (اشهدوا أن زيدا ابني ... يرثني وأرثه)... وكاد يطير قلب (حارثة) من الفرح، فابنه حرا، وابنا للصادق الأمين، سليل بني هاشم.
اسلام زيد
ما حمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين، بل قيل أولهم... أحبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حبا عظيما، حتى أسماه الصحابة (زيد الحب)، وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: (ما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه)... لقد كان زيد رجلا قصيرا، أسمرا، أفطس الأنف، ولكن قلبه جميع، وروحه حر... فتألق في رحاب هذا الدين العظيم.
زواج زيد
زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيدا من ابنة عمته (زينب)، وقبلت زينب الزواج تحت وطأة حيائها من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، فانفصل زيد عن زينب، وتزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختار لزيد زوجة جديدة هي (أم كلثوم بنت عقبة)، وانتشرت في المدينة تساؤلات كثيرة: كيف يتزوج محمد مطلقة ابنه زيد؟... فأجابهم القرآن ملغيا عادة التبني ومفرقا بين الأدعياء والأبناء.
قال تعالى: {ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين}... وهكذا عاد زيد الى اسمه الأول (زيد بن حارثة).
فضله
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت ؟)... قالت: (لزيد بن حارثة)... كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لا تلومونا على حبِّ زيدٍ)... وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين زيد بن حارثة وبين حمزة بن عبد المطلب.
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعثاً فأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال -صلى الله عليه وسلم-:(إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).
ويكفي زيد فخرًا أن شرفه الله تعالى بذكر اسمه في القرآن الكريم، وقد زوجه الرسول ( من أم كلثوم بنت عقبة، وكان زيد فدائيًّا شجاعًا، ومن أحسن الرماة، واشترك في غزوة بدر، وبايع النبي ( على الموت في أحد، وحضر الخندق، وصلح الحديبية، وفتح خيبر، وغزوة حنين، وجعله النبي ( أميرًا على سبع سرايا، منها:
الجموع والطرف والعيص وحِسْمى، وغيرها، وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنه-:
ما بعثه رسول الله في جيش قط، إلا أمره عليهم.
استشهاد زيد
في جمادي الأول من العام الثامن الهجري خرج جيش الإسلام إلى أرض البلقاء بالشام، ونزل جيش الإسلام بجوار بلدة تسمى (مؤتة) حيث سميت الغزوة باسمها ... ولأدراك الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهمية هذه الغزوة اختار لها ثلاثة من رهبان الليل وفرسان النهار، فقال عندما ودع الجيش: (عليكم زيد بن حارثة، فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)... أي أصبح زيد الأمير الأول لجيش المسلمين، حمل راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واقتحم رماح الروم ونبالهم وسيوفهم، ففتح باب دار السلام وجنات الخلد بجوار ربه.
قال حسان بن ثابت:
عين جودي بدمعك المنزور ... واذكري في الرخاء أهل القبور
واذكري مؤتة وما كان فيها ... يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا ... نعم مأوى الضريك و المأسور
بتصرف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصحابي الجليل اليوم هو (سعد بن أبي وقاص)رضي الله عنة
أحد العشرة المبشرين بالجنة
أسلامـــــــــــــــــــــــه
كان سعد -رضي الله عنه- من النفر الذين دخلوا في الاسلام أول ما علموا به000فلم يسبقه الا أبوبكر و علي وزيد و خديجة000قال سعد :( بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوا الى الاسلام مستخفيا فعلمت أن الله أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات الى النور 000فمضيت اليه مسرعا حتى لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت000فما سبقني أحد الا أبي بكر وعلي وزيد -رضي الله عنهم- ، وكان ابن سبع عشرة سنة000كما يقول سعد -رضي الله عنه- :( لقد أسلمت يوم أسلمت وما فرض الله الصلوات )000
ثورة أمــــــــــــه
يقول سعد -رضي الله عنه- : (وما سمعت أمي بخبر اسلامي حتى ثارت ثائرتها وكنت فتى بارا بها محبا لها فأقبلت علي تقول :( يا سعد000ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك؟ والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر ) فقلت : لاتفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء الا أن أمه اجتنبت الطعام ومكثت أياما على ذلك فهزل جسمها وخارت قواها000فلما رأها سعد قال لها:( يا أماه اني على شديد حبي لك لأشد حبا لله ولرسوله ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت منك نفسا بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء )000فلما رأت الجد أذعنت للأمر وأكلت وشربت على كره منها000
ونزل قوله تعالى :"ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك الي المصير000وأن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ثم الي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون 000 000
أحــــدالعشـــــرة المبشريــــن بلجنة
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم يجلس بين نفر من أصحابه ، فرنا ببصره الى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا ، ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم :( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة )000وأخذ الصحاب يتلفتون ليروا هذا السعيد ، فإذا سعد بن أبي وقاص آت000وقد سأله عبدالله بن عمرو بن العاص أن يدله على ما يتقرب به الى الله من عبادة وعمل فقال له :( لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد ، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا )000
الدعــــــوة المجــــــابـــة
كان سعد بن أبي وقاص إذا رمى عدوا أصابه وإذا دعا الله دعاء أجابه ، وكان الصحابة يردون ذلك لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- له :( اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته )000ويروى أنه رأى رجلا يسب طلحة وعليا والزبير فنهاه فلم ينته فقال له :( إذن أدعو عليك )000فقال الرجل :( أراك تتهددني كأنك نبي !)000فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه قائلا :( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما سبقت لهم منك الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله آية وعبرة )000فلم يمض غير وقت قصير حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادّة لا يردها شيء ، حتى دخلت في زحام الناس ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها ، ومازالت تتخبطه حتى مات00
أول دم شريـــق في الاسلام
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمفي بداية الدعوة ، كان أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد -رضي الله عنه- يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه ( العظم الذي فيه الأسنان ) ، فكان أول دم هريق في الإسلام000ان بن عفان يوم الحديبية إلى أهل مكة ، لكونه أعزَّ بيتٍ بمكة ، واتفقت بيعة الرضوان في غيبته ، فضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشماله على يمينه وقال :( هذه يدُ عثمان )000فقال الناس :( هنيئاً لعثمان )000
أول سهـــم رمي في الاســلام
بعثه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سرية عبيدة بن الحارث -رضي الله عنه- الى ماء بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الاسلام00
غزوة أحـــــــــــــــــــــد
وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرمي جعل يحرضه ويقول له :( يا سعد 0000000ارم فداك أبي وأمي )000وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول :( ما جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأحد أبويه الا لي ) وذلك حين فداه بهما000
أمرة الجيش
عندما احتدم القتال مع الفرس ، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه ، ولكن رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبدالرحمن بن عوف :( الأسد في براثنه ، سعد بن مالك الزهري )000 وقد ولاه عمر -رضي الله عنه- امرة جيش المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين وزعيمهم رستم000وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها ، وكان إعجازا عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال :( إن الإسلام جديد ، ذللت والله لهم البحار ، كما ذللت لهم البر ، والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا ، كما دخلوه أفواجا )000 وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة الخرساء ، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع ، ونجاح باهر000 ودخل سعد بن أبي وقاص ايوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على نصرهم 000
إمــــارة العــــــراق
ولاه عمر -رضي الله عنهما- إمارة العراق ، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة ، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا :( إن سعدا لا يحسن يصلي )000ويضحك سعدا قائلا :( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين )000واستدعاه عمر الى المدينة فلبى مسرعا ، وحين أراد أن يعيده الى الكوفة ضحك سعدا قائلا :( أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة ؟!)000ويؤثر البقاء في المدينة000
سعــــد والفتنــــه
اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها ، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له :( يا عم ، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر )000فيجيبه سعد :( أريد من مائة ألف سيف ، سيفا واحدا ، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا ، وإذا ضربت به الكافر قطع )000فتركه ابن أخيه بسلام000وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا :( مالك لم تقاتل معنا ؟)000فأجابه :( إني مررت بريح مظلمة فقلت : أخ000أخ000وأنخت راحلتي حتى انجلت عني )000فقال معاوية :( ليس في كتاب الله أخ000أخ000ولكن
قال الله تعالى :( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله )000
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة مع الباغية )000فأجاب سعد قائلا :( ما كنت لأقاتل رجلا -يعني علي بن أبي طالب- قال له الرسول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )000 وفـــــــــــــــــــــــــاته
وعمر سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- كثيرا000وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير000 لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال : ( كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدر000واني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا ) 000 وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له :( ما يبكيك يا بني ؟000إن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة )000فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبيرا000وكانت وفاته سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية000وكان آخر المهاجرين وفاة ، ودفن في البقيع000
منقول
اميرة زماني
02-12-2007, 13:18
شكرا ابو يمان على هل معلومات وجعلة في ميزان حسناتك إن شاء الله
فقال له :( لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد ، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا )000
يا ريت لو بهل ايام بصير هل شي وما بكون كلو حقد على بعض
الله يجعل اخراتنا بالجنه يا رب
تحياتي اميرة زماني
بلال بن رباح الحبشي
هو : بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخازنه على بيت المال. واسم أمه: حمامة، مولاة لبني جمح القرشيين.
وكنيته: أبو عبد الله، وأبو عبد الكريم، وأبو عمرو.
وهو حبشي الأصل، مكي الولادة، وقيل من مولدي السراة.
كان أسود اللون نحيفاً، طويل القامة.
ولد قبل الهجرة بنحو خمسين سنة، وكان مولى لبعض بني جمح قوم أمية بن خلف، فأسلم وهو رقيق، وكان من السابقين الأوائل للإسلام، فأخذ مواليه _ وعلى رأسهم أمية بن خلف _ يعذبونه ويطوفون به أحياء مكة مربوطاً بالحبال، ويخرجون به إلى الصحراء في الحر الشديد ويضعون على بطنه الحجارة ويقولون له: إلهك اللات والعزى، وهو صامد صابر يقول: أَحَد …أَحَد. ثم اشتراه منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأعتقه.
هاجر بلال إلى المدينة المنورة مع من هاجر إليها من إخوانه المسلمين، وعندما شرع الأذان، اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أول مؤذن في الإسلام، وكان جميل الصوت قويه.
وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب الذي استشهد في معركة بدر، ومن ثم آخى بينه وبين أبي رويحة الخثعمي.
شهد معركة بدر وقاتل قتال الأبطال، وأبصر فيها أمية بن خلف الجمحي أسيراً مع عبد الرحمن بن عوف فهجم عليه قائلاً: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. وصاح بجموع المسلمين فهجموا على أمية وساعدوا بلالاً على قتله.
وشهد بعد بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد وسائر الغزوات ومنها فتح مكة، حيث أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالأذان على ظهر الكعبة، فكان يوماً مشهوداً فرح فيه المسلمون فرحاً عظيماً.
روى له البخاري ومسلم (44) حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عنه: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وغيرهم.
عاش بلال في المدينة المنورة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في أمن وسلام، وأصابته الحمى يوماً فكان دائم الحنين إلى مكة، يردد هذين البيتين:
يا ليت شعري هـل أبيتن ليلـة بـواد وحولي إذخـر وجليـل
وهل أردن يومـاً ميـاه مجنـة وهل يبدون لي شامـة وطفيـل
وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم خازناً على بيت مال المسلمين، وكان عندما ترد الأموال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بلالاً بتوزيعها على المسلمين ويقول له: ((أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)).
وكان مستقيماً في عبادته، حريصاً على إقامة شرائع الله، روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السُّبَّاق أربعة: أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم)).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال يوماً عند صلاة الصبح: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؟ فإني قد سمعت الليلة خشفة نعليك في الجنة، قال: ما عملت عملاً أرجى من أني لم أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي.
وعن زيد بن أقم رضي الله عنه رفعه: ((نعم المرء بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)).
وكان عمر بن الخطاب إذا ذكر أبا بكر الصديق يقول: أبو بكر سيدنا، أعتق بلالاً سيدنا.
وإن رجلاً يلقبه عمر بن الخطاب بسيدنا لهو رجل عظيم!.
وكان بلال لا يرى نفسه أكبر مما هي عليه، وكان كريماً متواضعاً، ذهب يوماً يخطب لنفسه وأخيه زوجتين، فقال لأبيهما: أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تزوجونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر.
اهدى النجاشى ملك الحبشه للرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثه رماح قصيره من نفائس ما يقتنيه الملوك فاحتفظ لنفسه بواحد منها واعطى على بن ابى طالب واعطى عمر بن الخطاب واحداً 000 ثم اختص برمحه بلال
فكان بلال يسعى به بين يديه ايام حياته كلها فكان يحمله فى العيدين وفى صلوات الاستسقاء ويركزه امامه اذا اقيمت الصلاه فى غير المسجد ولقد شهد بلال مع نبيه بدرا فرأى بعينه كيف انجز الله وعده ونصر جنده وشهد مصارع الطغاه الذين كانوا يعذبونه سوء العذاب وابصر ابا جهل واميه بن خلف صريعين تنوشهما سيوف المسلمين وتنهل من دمائهم رماح المنتصرين والمسلمين المؤمنين الطاهرين
ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكه فاتحاً على راس كتيبته الخضراء كان معه داعى السماء بلال بن رباح وحين دخل الكعبه المعظمه لم يكن فى صحبته الا ثلاثه رجال هم :- عثمان بن طلحه حامل مفاتيح الكعبه المشرفه واسامه بن زيد رضى الله عنه وبلال بن رباح رضى الله عنه
ولما حانت صلاة الظهر كانت الالوف المؤلفه تحيط بالرسول صلى الله عليه وسلم وكان الذين اسلموا من كفار قريش طوعاً او كرهاً يشهدون المشهد الكبير000
عند ذلك دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح وامره ان يصعد على ظهر الكعبه وان يعلن من فوقها كلمة التوحيد فصدع بلال بالامر وصعد وارسل صوته الجهير
وبقي بلال مؤذناً للرسول صلى الله عليه وسلم حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، فامتنع عن الأذان بعده حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استلم الخلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه استأذنه بلال للخروج مع البعوث الإسلامية المتجهة إلى بلاد الشام والمرابطة فيها، لأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله)).
ويروى أن أبا بكر رضي الله عنه طلب إليه أن يبقى معه بقية عمره، فاستجاب له، فلما توفي أبو بكر وولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذنه وخرج إلى الشام مجاهداً ومرابطاً، ولما زار عمر الشام طلب إليه المسلمون أن يسأل بلالاً أن يؤذن لهم، فأذن بلال لهم صلاة واحدة، فبكى المؤمنون لأذانه؛ لأنه ذكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر أشدهم بكاءً.
وأقام بلال بقية عمره في قرية داريا من ضواحي دمشق، وتوفي فيها سنة (20هـ) وله سبعون عاماً ـ على أغلب الروايات ـ ، ونقل جثمانه إلى مدينة دمشق، ودفن في الباب الصغير. وفي رواية إن قبره موجود في داريا في مقبرة خولان..رحمه الله ورضي عنه.
بتصرف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصحابي الجليل اليوم هو (سيف الله المسلول خالد بن الوليد) رضوان الله عليه
خالد بن الوليد
ولد خالد بن الوليد سنة 584 في مكة ، وكان والده الوليد بن المغيرة سيدا في بني مخزوم ومن سادات قريش واسع الثراء ورفيع النسب والمكانة, حتى أنه كان يرفض أن توقد نار غير ناره لاطعام الناس خاصة في مواسم الحج و عكاظ ولقب بريحانة قريش لأنه كان يكسو الكعبة عامآ وقريش أجمعها تكسوها عامآوأمه هي لبابة بنت الحارث الهلالية.
كان له ستة إخوة وأختان، نشأ معهم نشأة مترفة، وتعلم الفروسية منذ صغره مبدياً فيها براعة مميزة، جعلته يصبح أحد قادة فرسان قريش.
كان خالد بن الوليد كثير التردد في الأنتماء للاسلام، وقد أسلم متأخراً بعدما أسلم اخوه الوليد بن الوليد, وحارب المسلمين في غزوتي أحد وقتل من المسلمين عدداً كبيراً و في الأحزاب ولم يحارب في بدر لأنه كان في بلاد الشام وقت وقوع الغزوة الأولى بين المسلمين و مشركي قريش ، غير أنه مال إلى الإسلام وأسلم قبل فتح مكة، رغم أنه كان صاحب دور رئيسي في هزيمة المسلمين في غزوة أحد في نهاية الغزوة بعد ان قتل من بقي من الرماة المسلمين على جبل أحد و التف حول جيش المسلمين و طوقهم من الخلف و قام بهجوم ادى إلى ارتباك صفوف جيش المسلمين
قصة إسلامه
وتعود قصة اسلام خالد الى ما بعد معاهدة الحديبية حيث أسلم أخوه الوليد بن الوليد، ودخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: (أين خالد؟)... فقال الوليد: (يأتي به الله)
فقال النبي: -صلى الله عليه وسلم-: (ما مثله يجهل الاسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره)... فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده، فترك له رسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد... فأني لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقلك عقلك، ومثل الاسلام يجهله أحد؟!... وقد سألني عنك رسول الله، فقال أين خالد - وذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه - ثم قال له: فاستدرك يا أخي ما فاتك فيه، فقد فاتتك مواطن صالحة) .
وقد كان خالد -رضي اللـه عنه- يفكر في الاسلام، فلما قرأ رسالة أخيـه سر بها سرورا كبيرا، وأعجبه مقالة النبـي -صلى اللـه عليه وسلم-فيه، فتشجع و أسلـم...
الحلم
ورأى خالد في منامه كأنه في بلادٍ ضيّقة جديبة، فخرج إلى بلد أخضر واسع، فقال في نفسه: (إن هذه لرؤيا)... فلمّا قدم المدينة ذكرها لأبي بكر الصديق فقال له: (هو مخرجُكَ الذي هداك الله للإسلام، والضيقُ الذي كنتَ فيه من الشرك)
الرحلة
يقول خالد عن رحلته من مكة الى المدينة: (وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال: (مرحبا بالقوم)... قلنا: (وبك)... قال: (أين مسيركم؟)... فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان)
قدوم المدينة
فلما رآهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: (رمتكم مكة بأفلاذ كبدها)... يقول خالد: (ولما اطلعت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وحينها قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك الا الى الخير)... وبايعت الرسـول وقلت: (استغفر لي كل ما أوضعـت فيه من صد عن سبيل اللـه)... فقال: (إن الإسلام يجـب ما كان قبله)... فقلت: (يا رسول الله على ذلك)... فقال: (اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك)... وتقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله)
والدته
كان خالد بن الوليد ميمونَ النقيبـة، وأمّه عصماء، وهي لبابة بنت الحارث أخـت أم الفضـل بنت الحارث، أم بني العباس بن عبد المطلب، وخالته ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم
غزوة مؤتة
كانت غزوة مؤتة أول غزوة شارك فيها خالد، وقد قتل قادتها الثلاثة: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبدالله بن رواحة -رضي الله عنهم-، فسارع الى الراية (ثابت بن أقرم) فحملها عاليا وتوجه مسرعا الى خالد قائلا له: (خذ اللواء يا أبا سليمان) فلم يجد خالد أن من حقه أخذها فاعتذر قائلا: (لا، لا آخذ اللواء أنت أحق به، لك سن وقد شهدت بدرا)... فأجابه ثابت: (خذه فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك). ثم نادى بالمسلمين: (أترضون إمرة خالد؟)... قالوا: (نعم)... فأخذ الراية خالد وأنقذ جيش المسلمين، يقول خالد: (قد انقطع في يدي يومَ مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية)وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبر الصحابة بتلك الغزوة: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب ،... وعيناه -صلى الله عليه وسلم- تذرفان...، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)... فسمي خالد من ذلك اليوم سيف الله.
هدم العُزّى
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى العُزّى يهدِمُها، فخرج خالد في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهى إليها فهدمها، ثم رجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (هُدِمَتْ؟)... قال: (نعم يا رسول الله)... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هل رأيت شيئاً؟)... فقال: (لا)... فقال: (فإنك لم تهدِمْها، فأرجِعْ إليها فاهدمها)... فرجع خالد وهو متغيّظ، فلما انتهى إليها جرّد سيفه، فخرجت إليه إمرأة سوداء عُريانة، ناشرة الرأس، فجعل السادِنُ يصيح بها، قال خالد: (وأخذني اقشِعْرارٌ في ظهري)... فجعل يصيح: (...
أعُزَّيَّ شـدِّي شدّةً لا تكذّبـي ... أعُزّيَّ فالْقي للقناع وشَمِّـري
أعُزَّي إن لم تقتليو اليومَ خالداً ... فبوئي بذنبٍ عاجلٍ فتنصّري
أقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول: (...
يا عُزَّ كُفرانَكِ لا سُبحانَكِ ... إنّي وجدتُ اللهَ قد أهانَكِ
فضربها بالسيف فجزلها باثنتين، ثم رجع الى رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره فقال: (نعم ! تلك العُزّى قد أيِسَتْ أن تُعبدَ ببلادكم أبداً)...
ثم قال خالد: (أيْ رسول الله، الحمدُ لله الذي أكرمنا بك، وأنقذنا من الهَلَكة، ولقد كنت أرى أبي يأتي إلى العُزّى نحيرُهُ، مئة من الإبل والغنم، فيذبحها للعُزّى، ويقيم عندها ثلاثاً ثم ينصرف إلينا مسروراً، فنظرتُ إلى ما مات عليه أبي، وذلك الرأي الذي كان يُعاش في فضله، كيف خُدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟!)... فقال رسول الله: (إنّ هذا الأمرَ إلى الله، فمَنْ يسَّرَهُ للهّدى تيسر، ومَنْ يُسِّرَ للضلالة كان فيها)
حروب الردة
وشارك في فتح مكة وفي حروب الردة، فقد مضى فأوقع بأهل الردة من بني تميم وغيرهم بالبُطاح، وقتل مالك بن نويرة، ثم أوقع بأهل بُزاخَة - وهي المعركة التي كانت بين خالد وطليحة بن خويلد-، وحرقهم بالنار، وذلك أنه بلغه عنهم مقالة سيئة، شتموا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وثبتوا على ردّتهم، ثم مضى الى اليمامة ووضع حداً لمسيلمة الكذاب وأعوانه من بني حنيفة
بلاد الفرس
وفي فتح بلاد الفرس استهل خالد عمله بارسال كتب إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد الى مرازبة فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمدلله الذي فض خدمكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، إذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرّهُن واعتقدوا مني الذمة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة !!).
وعندما جاءته أخبار الفرس بأنهم يعدون جيوشهم لمواجهته لم ينتظر، وإنما سارع ليقابلهم في كل مكان محققا للإسلام النصر تلو الآخر0ولم ينس أن يوصي جنوده قبل الزحف: (لا تتعرضوا للفلاحين بسوء، دعوهم في شغلهم آمنين، إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذ قاتلوا المقاتلين)
معركة اليرموك وبطولاتها
إمرة الجيش
أولى أبوبكر الصديق إمرة جيش المسلمين لخالد بن الوليد ليواجهوا جيش الروم الذي بلغ مائتي ألف مقاتل وأربعين ألفا، فوقف خالد بجيش المسلمين خاطباً: (إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الإمارة، فيكون أحدنا اليوم أميراً والآخر غداً، والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم).
تأمين الجيش
وقبل أن يخوض خالد القتال، كان يشغل باله احتمال أن يهرب بعض أفراد جيشه بالذات من هم حديثي عهد بالإسلام، من أجل هذا ولأول مرة دعا نساء المسلمين وسلمهن السيوف، وأمرهن بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن: (من يولي هاربا، فاقتلنه).
خالد وماهان الروماني
وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد، وبرز إليه خالد، في الفراغ الفاصل بين الجيشين، وقال (ماهان) قائد الروم: (قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما، وترجعون إلى بلادكم، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها !).
وأدرك خالد ما في كلمات الرومي من سوء الأدب ورد قائلا: (إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك !)... وعاد بجواده الى صفوف الجيش ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال: (الله أكبر، هبي رياح الجنة)
من البطولات
ودار قتال قوي، وبدا للروم من المسلمين مالم يكونوا يحتسبون، ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم... فهاهو خالد غلى رأس مائة من جنده ينقضون على أربعين ألف من الروم، يصيح بهم: (والذي نفسي بيده ما بقي من الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم)... وبالفعل انتصر المائة على الأربعين ألف
خالد وجرجه الروماني
وقد انبهر القادة الروم من عبقرية خالد في القتال، مما حمل (جرجه) أحد قادتهم للحديث مع خالد، حيث قال له: (يا خالد اصدقني، ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاك إياه، فلا تسله على أحد إلا هزمته؟)... قال خالد: (لا)... قال الرجل: (فبم سميت سيف الله؟).
قال خالد: (إن الله بعث فينا رسوله، فمنا من صدقه ومنا من كذب، وكنت فيمن كذب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام، وهدانا برسوله فبايعناه، فدعا لي الرسول، وقال لي: (أنت سيف من سيوف الله) فهكذا سميت سيف الله)... قال القائد الروماني: (وإلام تدعون؟).
قال خالد: (إلى توحيد الله وإلى الإسلام)... قال: (هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل مالكم من المثوبة والأجر؟)... قال خالد: (نعم وأفضل)... قال الرجل: (كيف وقد سبقتموه؟)... قال خالد: (لقد عشنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر، أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه ثم آمنتم بالغيب، فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائركم ونواياكم).
وصاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ووقف بجواره: (علمني الإسلام يا خالد !)... وأسلم وصلى لله ركعتين لم يصل سواهما، وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها
وفاة أبوبكر
في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الإمبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد... وصل الخطاب الى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالدا بالأمر فلم يغضب خالد -رضي الله عنه-، بل تنازل في رضى وسرور، لأنه كان يقاتل لله وحده لا يبغي من وراء جهاده أي أمر من أمور الدنيا ...
قلنسوته
سقطت منه قلنسوته يوم اليرموك، فأضنى نفسه والناس في البحث عنها فلما عوتب في ذلك قال: (إن فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله وإني أتفائل بها وأستنصر)... ففي حجة الوداع ولمّا حلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأسه أعطى خالداً ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحداً إلا هزمه الله تعالى...
فضله
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ عبد الله خالد بن الوليد، سيْفٌ من سيوف الله).
قال خالد -رضي الله عنه-:(ما ليلة يهدي إليّ فيها عروسٌ أنا لها محب، أو أبشّرُ فيها بغلامٍ أحبَّ إلي من ليلة شديدة الجليد في سريّةٍ من المهاجرين أصبِّحُ بها العدو).
وأمَّ خالد الناس بالحيرة، فقرأ من سُوَرٍ شتى، ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال: (شغلني عن تعلّم القرآن الجهادُ).
نزل خالد بن الوليد الحيرة على أمير بني المرازبة فقالوا له: (احذَرِ السُّمَّ لا يسقيكهُ الأعاجم)... فقال: (إئتوني به)... فأتِيَ به فأخذه بيده ثم اقتحمه وقال: (بسم الله)... فلم يُضرَّه شيئاً.
وأخبِرَ خالد -رضي اللـه عنه- أنّ في عسكره من يشرب الخمر، فركب فرسـه، فإذا رجل على مَنْسَـجِ فرسِـهِ زِقّ فيه خمر، فقال له خالد: (ما هذا؟)... قال: (خل)... قال: (اللهم اجعله خلاّ)... فلمّا رجع الى أصحابه قال: (قد جئتكم بخمر لم يشرب العربُ مثلها)... ففتحوها فإذا هي خلّ قال: (هذه والله دعوة خالد بن الوليد)
وفاة خالد
استقر خالد في حمص -من بلاد الشام- فلما جاءه الموت، وشعر بدنو أجله، قال: (لقد شهدت مائة معركة أو زهاءها، وما في جسدي شبر الا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، ألا فلا نامت أعين الجبناء)... وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين من الهجرة النبوية... مات من قال عنه الصحابة: (الرجل الذي لا ينام، ولا يترك أحدا ينام)... وأوصى بتركته لعمر بن الخطاب والتي كانت مكونة من فرسه وسلاحه... وودعته أمه قائلة: (...
أنت خير من ألف ألف من القوم ... إذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع؟.. فأنت أشجع من ليث ... غضنفر يذود عن أشبال
أجواد؟.. فأنت أجود من سيل ... غامر يسيل بين الجبال
بتصرف
البراء بن مالك
مقدمة
البراء بن مالك بن النضر الأنصاري وهو أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه رضي الله عنهما وعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا...
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
ربّاه النبي صلى الله عليه وسلم على حب الشهادة في سبيل الله وعلى اليقين بنصر الله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مستجاب الدعوة...
عن أنس قال دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى فقلت له قد أبدلك الله ما هو خير منه فقال: أترهب أن أموت على فراشي لا والله ما كان الله ليحرمني ذلك وقد قتلت مائة منفردا - أي مبارزة من المشركين في ميادين القتال - سوى من شاركت فيه...
انظر إلى يقين البطل المغوار بربه وحسن ظنه بمولاه
أهم ملامح شخصيته:
الشجاعة والإقدام وحب الجهاد
عن أنس بن مالك قال لما بعث أبو موسى على البصرة كان ممن بعث البراء بن مالك وكان من ورائه فكان يقول له اختر عملا فقال البراء ومعطي أنت ما سألتك قال نعم قال أما إني لا أسألك إمارة مصر ولا جباية خراج ولكن أعطني قوسي وفرسي ورمحي وسيفي وذرني إلى الجهاد في سبيل الله فبعثه على جيش فكان أول من قتل...
وعن ابن سيرين: قال: لقي البراء بن مالك يوم مسيلمة رجلا يقال له حمار اليمامة قال: رجل طوال في يده سيف أبيض قال: وكان البراء رجلا قصيرا فضرب البراء رجليه بالسيف فكأنما أخطأه فوقع على قفاه قال: فأخذت سيفه وأغمدت سيفي فما ضربت إلا ضربة واحدة حتى انقطع فألقيته وأخذت سيفي...
وكتب عمر بن الخطاب أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم أي لفرط شجاعته...
وعن محمد بن سيرين: أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين - يوم حرب مسيلمة الكذاب - فجلس البراء بن مالك رضي الله عنه على ترس فقال ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط فاقتحم إليهم وشد عليهم وقاتل حتى افتتح باب الحديقة فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهراً يداوي جرحه....
وعن أنس بن مالك قال: لما كان يوم العقبة بفارس، و قد زوى الناس، قام البراء بن مالك فركب فرسه و هي تزجي، ثم قال لأصحابه: بئس ما عودتكم أقرانكم عليكم فحمل على العدو ففتح الله على المسلمين...
عن ابن سيرين قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزآرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفا فبلع ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أرانا إلا خامسيه...
بين الأخوة في الله والأخوة في النسب
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك و أخوه البراء بن مالك عند حصن من حصون العدو، والعدو يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم فعلق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالك فرفعوه حتى أقلوه من الأرض فأتي أخوه البراء بن مالك فقيل: أدرك أخاك وهو يقاتل في الناس فأقبل يسعى حتى نزل في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة وهي تدار فما برح يجرهم ويداه تدخنان، حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يديه فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم أنجى الله عز وجل أنس ابن مالك بذاك...
من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن أنس بن مالك يقول: كان البراء بن مالك رجل حسن الصوت فكان يرجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فبينما هو يرجز إذ قارب النساء فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: إياك و القوارير قال: فامسك...
من مواقفه مع الصحابة
عن أنس قال: لقي أبي بن كعب البراء بن مالك فقال: يا أخي ما تشتهي؟ قال: سويقا وتمرا فجاء فأكل حتى شبع فذكر البراء ابن مالك ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعلم يا براء أن المرء إذا فعل ذلك بأخيه لوجه الله لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا بعث الله إلى منزله عشرة من الملائكة يقدسون الله ويهللونه ويكبرونه ويستغفرون له حولا فإذا كان الحول كتب له مثل عبادة أولئك الملائكة وحق على الله أن يطعمهم من طيبات الجنة في جنة الخلد وملك لا يبيد
وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم ضعيف مستضعف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك " وإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له يا براء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أقسمت على الله لأبرك فأقسم على ربك " . قال: أقسمت عليك يا رب منحتنا أكتافهم ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له يا براء أقسم على ربك فقال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقني بنبي الله صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا رضي الله عنه
أثره في الآخرين دعوته وتعليمه
قال أنس بن مالك ركب البراء فرسا يوم اليمامة ثم قال أيها الناس إنها والله الجنة وما لي إلى المدينة سبيل فمصع فرسه مصعات ثم كبس وكبس الناس معه فهزم الله المشركين...
وفاته
كان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون له: يا براء أقسم على ربك فيقسم على الله فينهزم الكفار فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا يا براء أقسم على ربك فقال يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول شهيد فأبرّ الله قسمه فانهزم العدو، واستشهد البراء بن مالك وكان ذلك في موقعة "تستر" سنة إحدى و عشرين من الهجرة
بتصرف
أبو ذر الغفارى( رضي الله عنة )
من سره أن ينظر الى تواضع عيسى فلينظر
إلى أبى ذر (رسول الله صلى الله علية وسلم )
قال صلى الله عليه وسلم :
"خياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا"
وها نحن نفتح صفحة جديدة نقية بيضاء لهذا الصحابي الجليل الذى ملأ الدنيا بزهده وورعه...الذي لم تستطع الدنيا أن تنال من قلبه شيئا...إنه أبو ذر الغفاري.
أحد السابقين الأولين, من نجباء الصحابة.
قيل كان خامس خمسة فى الإسلام.
وكان رأسا فى الزهد, والصدق, والعلم والعمل, قوالا بالحق, لا تأخذه فى الله لومة لائم, على حدة فيه. قال عنه علي رضي الله عنه : لم يبق أحد لا يبالي فى الله لومة لائم, غير أبى ذر, ولا نفسي. ثم ضرب بيده على صدره.
قصة إسلامه وصفحات مضيئة من حياته
نشأ أبو ذر في مضارب قبيلة غفار التى كانت تقع بجوار الساحل في منتصف المسافة بين مكة و المدينة و قد كره منذ نشأته عبادة قومه لأصنام لا تضر و لا تنفع . و لم يكد يسمع بظهور نبي في مكة يدعو إلى عبادة اله واحد حتى رحل مسرعا" اليه .
و في مكة كان لقاؤه مع رسول الله حيث آمن بدعوته و أصبح من المسلمين الأولين. و طلب منه رسول الله رحمة به ألا يجهر بإسلامه حتى لا يتعرض لأذى قريش و أن يعجل بالرحيل إلى قومه و ألا يعود إلى مكة الا بعد أن يستقر الأمر فيها للإسلام .
لكن أبا ذر أبى أن يترك مكة الا بعد أن يعلن على الملأ إسلامه فاتجه إلى الكعبة و عندما بلغ المسجد صاح بأعلى صوته (( يا معشر قريش )) و بعد آن التف الناس حوله صاح فيهم : أشهد أن لا اله الا الله و أن محمدا رسول الله و قام اليه أهل قريش و أشبعوه ضربا" حتى خر مغشيا" عليه . و عاد أبو ذر إلى قومه في غفار و اخذ يروي لهم عن ذلك الدين الجديد الذى سيخرجهم من الظلمات الى النور و ما زال بهم حتى أعلن خفاف بن ايماء الغفاري سيد القبيلة إسلامه و سرعان ما تبعه معظم قومه .
و عندما علم ابو ذر بهجرة الرسول عليه الصلاة و السلام إلى المدينة انطلق مسرعا" إليها حيث انضم إلى الرسول و أصبح تابعا" من اتباعه يغترف من معين علمه و يتشبه به في زهده و يخرج للجهاد معه في غزواته و مشاهده .
و عندما سار الرسول على رأس جيش المسلمين لفتح مكة كان أبو ذر في خدمته طول الطريق لا يفترق عنه و لا يتركه و حينما دخل رسول الله الكعبة و أخذ يحطم الأصنام هتف أبو ذر خلف الرسول : قل جاء الحق و زهق الباطل آن الباطل كان زهوقا .
و بعد أن أظلت راية الإسلام شبه الجزيرة بأسرها و أخذ الرسول في توزيع أموال الزكاة و الفىء على المسلمين ظهرت أثار النعمة على الكثيرين منهم فشبعوا بعد مسغبة و اقتنوا الحلل و الثياب و لكن أبو ذر بقي على زهده ليس له من طعام الا من شعير و لا يرتدى الا اخشن الثياب .
و عندما خرج الرسول صلى الله عليه و سلم من المدينة قاصدا تبوك على رأس جيش العسرة في رجب من السنة التاسعة للهجرة لقتال الروم صمم أبو ذر على الخروج معه رغم ضعف بعيره و هزاله . و أخذ الجيش يقطع الصحراء القاحلة في موسم شديد الحر و كانت الرمال ملتهبة و أشعة الشمس محرقة فأحس الناس بضيق شديد حتى تخلف البعض منهم و عادوا إلى المدينة. و أبطأ بعير أبى ذر و لكن الجيش استمر في زحفه تاركا أبا ذر خلفه . و أخذ أبو ذر يستحث بعيره كى يسرع في سيره ليلحق بالمسلمين و عندما هلك بعيره من فرط الإجهاد و العطش حمل أبو ذر متاعه على ظهره و أبى أن يعود إلى المدينة حتى لا ينضم إلى المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج في سبيل الله . و مضى أبو ذر وحده يقطع الصحراء الشاسعة و قد استبد به الجوع و العطش مصمما على اللحاق بإخوانه الغزاة الزاحفين أو يموت في الطريق. و كان جيش المسلمين قد عطش أفراده عطشا" شديدا" حتى جعلوا ينحرون أبلهم فيعصرون أكراشها و يشربون ماءها و لولا سقوط المطر يومذاك لهلك كثير منهم عطشا . و نظر أحد المسلمين خلفه فلمح رجلا قادما من بعيد يجر ساقيه جرا فقال : يا رسول الله هناك رجل يمشى على الطريق وحده فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ....و عندما تبين القوم الرجل القادم صاحوا : يا رسول الله هو و الله أبو ذر فقال الرسول عليه الصلاة و السلام : ( يرحم الله أبا ذر يمشي وحده و يموت وحده و يبعث وحده ) .
ولما توفى النبي صلى الله عليه وسلم ولحق بالرفيق الأعلى لم يستطع أبو ذر أن يعيش فى المدينة بعد أن أظلمت بموت الحبيب صلى الله عليه وسلم وخلت من صوته العذب ومجالسه المباركة فرحل إلى البادية وعاش فيها مدة خلافة الصديق والفاروق رضى الله عنهما.
وفى خلافة عثمان رضى الله عنه نزل فى دمشق فلما رأى أن كثيرا من المسلمين أقبلوا على الدنيا وانغمسوا فى الترف قام فيهم ناصحا ومذكرا.
ولما استدعاه عثمان رضى الله عنه يوما طالبا منه ان يجاوره بالمدينة قال أبو ذر لا حاجة لي في ذلك ثم طلب منه أن يأذن له فى أن ينزل بالربذة فأذن له.
وعاش أبو ذر رضي الله عنه حياة الزهد والتقشف فى الربذة وظل على تلك الحالة التى تركه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن سفيان الثوري قال : قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال : يا أيها الناس , أنا جندب الغفاري هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق, فاكتنفه الناس, فقال أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد مايصلحه ويبلغه؟ قالوا : بلى. قال : فإن سفر القيامة أبعد ماتريدون, فخذوا ما يصلحكم. قالوا : وما يصلحنا؟ قال : حجوا حجة لعظائم الأمور, وصوموا يوما شديدا حره لطول النشور, وصلوا ركعتين فى سواد الليل لوحشة القبور....كلمة خير تقولها, أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم. تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرتها. اجعل الدنيا مجلسين مجلسا فى طلب الحلال, ومجلسا فى طلب الاخرة. الثالث يضر ولا ينفعك لا نرده.
أقواله
والذي نفسي بيده, لو وضعتم السيف فوق عنقي, ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله علية وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها.
دعاء لأبي ذر الغفاري
دعاء كان يدعوه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه مرتين في اليوم حتى أن من في السماء كانوا يعرفونه به وهذا الدعاء هو:
اللهم إنني أسألك إيماناً دائماً.
و أسألك قلباً خاشعاً.
و أسألك علماً نافعاً.
و أسألك يقيناً صادقاً.
و أسألك ديناً قيماً.
و أسألك العافية من كل بلية.
و أسألك تمام العافية.
و أسألك الشكر على العافية.
و أسألك الغنى عن الناس.
اقتدائه بالرسول
عاش أبو ذر -رضي الله عنه- مقتديا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو يقول: (أوصاني خليلي بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أصل الرحم، وأمرني أن أقول الحق ولو كان مرا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله)... وعاش على هذه الوصية، ويقول الإمام علي - رضي الله عنه -: (لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر)...
وفاته
في (الربذة) جاءت سكرات الموت لأبي ذر الغفاري، وبجواره زوجته تبكي، فيسألها: (فيم البكاء والموت حق؟)... فتجيبه بأنها تبكي: (لأنك تموت، وليس عندي ثوب يسعك كفنا !)... فيبتسم ويطمئنها ويقول لها: لا تبكي، فاني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: (ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين)... وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منهم غيري، وهأنذا بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت)... وفاضت روحه إلى الله، وصدق...
فهذه جماعة مؤمنة تأتي وعلى رأسها عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما أن يرى وجه أبي ذر حتى تفيض عيناه بالدمع ويقول: (صدق رسول الله، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك)... وبدأ يقص على صحبه قصة هذه العبارة التي قيلت في غزوة تبوك كما سبق ذكره...
بتصرف
الصحابي الجليل اليوم هو ( عبد الله بن رواحة) رضي الله عنة احد شعراء الرسول علية أفضل الصلاة والسلام
اسمه ولقبه وكنيته:
هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرىء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجى الشاعر المشهور. يكنى أبا محمد، ويقال كنيته أبو رواحة، ويقال أبو عمرو. وأمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الإطنابة خزرجية أيضاً.
بعض فضائله:
كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. وكان من كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بن سعد: كان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي جاء ببشارة وقعت بدر إلى المدينة، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثين راكباً إلى أسير بن رفرام اليهودي بخيبر فقتله، وبعث بعد فتح خيبر فخرص عليهم. ومن فضائله ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم -قال:( نعم الرجل عبد الله بن رواحة ). وفي الزهد لعبد الله بن المبارك بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة فسألها عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين وإذا دخل بيته صلى ركعتين لا يدع ذلك، قالوا: وكان عبد الله أول خارج إلى الغزو، وآخر قافل. وذكر ابن سعد بسنده عن هشام عن أبيه قال: لما نزلت :{وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}(224) سورة الشعراء. قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (227) سورة الشعراء. الآية. وعن مدرك بن عمارة قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه فلما رأوني قالوا: يا عبد الله بن رواحة، فجئت، فقال: اجلس هاهنا، فجلست بين يديه، فقال: كيف تقول الشعر؟ قلت: أنظر في ذلك ثم أقول، قال: (فعليك بالمشركين ). ولم أكن هيأت شيئاً، فنظرت ثم أنشدته، فذكر الأبيات فيها:
فثبت الله ما آتاك من حســن
تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال: فأقبل بوجهه متبسماً، وقال: ( وإياك فثبتك الله ) . وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه، وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيـله اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عـن خليـله
فقال عمر : يا بن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -تقول هذا الشعر؟ فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: ( خل عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل) . وهو أحد شعراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن سيرين كان شعراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة، وحسان ابن ثابت، وكعب بن مالك. وقال ابن سيرين: كان حسان وكعب يعارضان المشركين بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر، وينسبهم إليه، فلما أسلموا وفقهوا كان أشد عليهم. بل لقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم -يتمثل بشعره؛ فعن عائشة كان يتمثل النبي- صلى الله عليه وسلم -بشعر عبد الله بن رواحة، وربما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. وهو أحد أمراء الجهاد في مؤتة، فقد قيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جهز إلى مؤته الأمراء الثلاثة، فقال:(الأمير زيد فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فابن رواحة). فلما قتلا كره ابن رواحة الإقدام فقال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لا لتكـرهــه
فطالمأ قد كنت مطمئنة ما لي أراك تكرهين الجنة
فقاتل حتى قتل.
وقال أيضا :
يا نفس إن لا تقتلي تمــوتي هذا حمــام الموت قد لقيت
وما تمنـيت فقــد أعطـيت إن تفعلي فعلـهما هــديت
شاعر التعبئة
وكان المسلمون المهاجرون منهم والأنصار يحفظون شعر “عبد الله بن رواحة” عن ظهر قلب ويرددون أناشيده الجميلة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان “ابن رواحة” سعيدا بحب المسلمين، ويكثر من الشعر كلما شعر بهذا الحب حتى نزلت الآية الكريمة: “والشعراء يتبعهم الغاوون” فحزن حزنا شديدا وقرر أن يترك إنشاد الشعر ولكنه سرعان ما استرد غبطة نفسه وواصل مهمته في الدفاع عن الإسلام بشعره بعد نزول آية أخرى “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا”.
وعندما جاءت سنة ثمان للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا لمواجهة الروم وأمّر عليه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فإن استشهدوا فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم.
ولما أراد الخروج بكى عبد الله فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة ؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة إليها ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ “وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا” فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين ودفع عنكم فوقف “ابن رواحة” والجيش يتأهب لمغادرة المدينة ينشد:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حرَّان مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
يا ارشد الله من غار وقد رشدا
وهكذا كانت أمنية عبد الله بن رواحة ولا شيء سواها، ضربة سيف أو طعنة رمح، تنقله إلى عالم الشهداء الظافرين، ولم يكن ذلك عجيبا عليه فقد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل غزواته “بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر” راغبا في الموت في سبيل الإسلام ومن أشهر قصائده:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت
وإن تأخرت فقد شقيت
وتحرك الجيش إلى مؤتة وحين استشرف المسلمون عدوهم وجدوا قرابة مائتي ألف مقاتل من الروم، فوجموا.. وقال بعضهم: “فلنبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا، فنمضي له” فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي إلى الجهاد قائلا: “ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة” وبدأ يحث الناس بشعره على الجهاد قائلا:
إذا أدنيتني وحملت رحلي
مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم
ولا ارجع إلى أهلي ورائي
وجاء المؤمنون وغادروني
بأرض الشام مشهور الثواء
وكان لشعر ابن رواحة مفعول السحر حتى إنه زرع الحماس في نفوس المجاهدين وانطلقوا لملاقاة جيش الروم وهم يهتفون: الله اكبر.. الله اكبر.
والتقى الجيشان وسقط الأمير الأول “زيد بن حارثة” شهيدا مجيدا.. وتلاه الأمير الثاني “جعفر بن أبي طالب” حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة.. وتلاه ثالث الأمراء “عبد الله بن رواحة” فحمل الراية من يمين جعفر وكان القتال قد بلغ ذروته وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام الجيش العرمرم الذي حشده هرقل وحين كان “ابن رواحة” يقاتل كجندي كان يصول ويجول في غير تردد.. أما الآن فقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته ولكنه بلا تردد استجمع كل قواه وأخذ يصيح بالمسلمين:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
ما لي أراك تكرهين الجنة؟
يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديت
وكان يعني بذلك صاحبيه اللذين سبقاه إلى الشهادة: زيدا وجعفر رضي الله عنهما.
وما إن سمع المسلمون صياح عبد الله بن رواحة حتى هبوا لمؤازرته وهو يعصف بجيش الروم بكل قوة وشجاعة وهم يرددون أنشودته الخالدة.. حتى سقط ابن رواحة شهيدا كما تمنى.
مصعب بن عمير
أول سفراء الإسلام
غرّة فتيان قريش، وأوفاهم جمالا، وشبابا يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون كان أعطر أهل مكة ولد في النعمة، وغذيّ بها، وشبّ تحت خمائلها.
ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به مصعب بن عمير
ذلك الفتر الريّان، المدلل المنعّم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء
بالله ما أروعه من نبأ.. نبأ مصعب بن عمير، أو مصعب الخير كما كان لقبه بين المسلمين.
انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام وربّاهم محمدعليه الصلاة والسلام
ولكن أي واحد كان ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا
لقد سمع الفتى ذات يوم، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم
محمد الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا. وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد
وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها، ولا حديث يشغلها الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه، كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.
ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير" التي تفتح له القلوب والأبواب..
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...
هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن، ويصلي معهم لله العليّ القدير.
ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألقة على شفتيه، ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!
ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج، والفؤاد المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان
كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها، وكانت تهاب الى حد الرهبة.. ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه.
فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها، استحالت هولا يقارعه ويصارعه، لاستخف به مصعب الى حين.. أما خصومة أمه، فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!
ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرا.
وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قرير العين بايمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا..
ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، الواشية..
ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فسابق ريح الصحراء وزوابعها، شاخصا الى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...
ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها به حكمة وشرفا، وعدلا وتقى.
وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسهم، ما لبثت ان استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام، وهدوءا يفرض الاقناع..
ولكن، اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فان في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..
وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه اغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى الى الحبشة مهاجرا أوّابا
مخاطبة العقول
كان مصعب موفد العقلانية الإسلامية إلى أهل يثرب، وكان يمثل صورة حية للأساليب القويمة للدعوة الإسلامية
وتطبيقا عمليا لها، فقد لجأ إلى مخاطبة عقول الناس وضمائرهم بطيب الكلام وحلاوة اللسان، ونصر الله الإسلام
وأعزه في دار الهجرة على يد مصعب بن عمير، وبعد أن كان عدد المسلمين الذين حضروا بيعة العقبة الأولى
إثني عشر شخصا أصبح عددهم سبعين رجلا وامرأة في بيعة العقبة الثانية.
وكان سلاح مصعب في الدعوة إلى الإسلام هو آيات محكمات من القرآن الكريم، فليس هناك أقوى ولا أبلغ من
المعجزة الإلهية التي وقف أمامها العقل العربي مشدوها ومبهوتا، واتخذ مصعب سبل الإقناع بالعقل والمنطق
وسيلة لمخاطبة زعماء قبائل المدينة وسادتها، فإذا أسلم الزعماء والرؤساء تبعهم قومهم الذين يثقون تماما في رجاحة
عقولهم، وهذا ما فعله مع أسيد بن حضير زعيم قبيلة بني عبد الأشهل، فقد علم أسيد بأن مصعب ومعه أسعد بن زراة
من أبناء المدينة يدعوان الناس إلى دين جديد، وكان مصعب قد نزل في ضيافة أسعد، فتوجه أسيد إليهما،
ووقف أمام مصعب وأسعد وقال لهما: ما جاء بكما إلى حيّنا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة،
فرد عليه مصعب قائلا: أولا تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته.. وإن كرهته كنفنا عنك ما تكره . وأخبره مصعب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم،
وما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، ثم قرأ عليه بعض ما أنزله الله على رسوله من آيات القرآن الكريم، وما أن انتهى مصعب حتى
قال له أسيد ولمن حوله من مسلمي المدينة: ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟
فقال له مصعب: يطهر بدنه وثوبه، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
بشائر النصر
كان لإسلام أسيد صدى كبير بين الأوس والخزرج، فلما علم سعد بن معاذ سيد الأوس جميعا لم يثر أو يتعصب لدين آبائه وأجداده،
وإنما قادته حكمته وعقله الراجح إلى أن يتعرف على الدين الجديد، خاصة أنه يكنّ كل احترام وتقدير لسيد بني عبد الأشهل..
ذهب سعد بن معاذ إلى مصعب واستمع منه إلى ما يدعو إليه الدين الجديد، واستطاع داعية الإسلام في المدينة أن يقنع سيد الأوس،
فلم يغادر موقعه حتى شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وانتشر الخبر في المدينة فأسرع سعد بن عبادة سيد الخزرج
إلى مصعب في دار أسعد بن زراة، وسمع القرآن واقتنع فترك الوثنية وأشهر إسلامه، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون:
إذا كان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة قد أسلموا ففيم تخلفنا؟ هيا إلى مصعب فلنؤمن معه، فإنهم يتحدثون أن الحق
يخرج من بين ثناياه.
ويثور سؤال وجيه: هل يستطيع رجل واحد في عمر الشباب أن يقنع زعماء المدينة جميعا بدخول الإسلام، وأن يحول يثرب التي كانت
قلعة للشرك إلى قلعة إسلامية تؤوي بعد ذلك رسول الله وصحابته ويعز الله بها الإسلام ونبيه الكريم؟
والإجابة بنعم.. لأن مصعب بن عمير رجل مميز فبالإضافة إلى وجهه الصبوح وابتسامته التي لا تفارق شفتيه فإنه جعل آيات القرآن الكريم
المعجز سلاحه في الدعوة إلى الإسلام، كما أن أهل المدينة لم يكونوا متعصبين للوثنية، خاصة أن اليهود يجاورونهم ولهم دينهم الذي يدعو إلى
التوحيد وعبادة إله واحد.. ولهذا كان من يعتنق الإسلام فيهم لا يكتفي بنفسه وإنما يضم إليه كل أفراد عائلته وجيرانه ليكونوا جميعا عصبة
واحدة في التعامل مع اليهود.
حامل لواء الاسلام
وتتواصل جهود مصعب بن عمير في خدمة الإسلام، ففي غزوة أحد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعباً لحمل راية الجيش الإسلامي،
ولما خالف الرماة أوامر رسول الله وتركوا مواقعهم بالجبل وانكشف المسلمون وحلت بهم الهزيمة ثبت مصعب باللواء، وكان يحمله في يد
ويقاتل المشركين باليد الأخرى، وتكالب كفار قريش على حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري
عن أبيه قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى
فقطعها ومصعب يقول “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”، وأخذ مصعب اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها،
فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق
الرمح في جسده وسقط اللواء، واستشهد مصعب، وبعد وفاته تحولت مقولته “وما محمد إلا رسول” إلى قرآن يتلى، فقد نزل قوله تعالى:
“وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..”.
ويروي خباب بن الأرت جانبا مما حدث بعد وفاة مصعب فيقول: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله،
فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، ومنهم مصعب بن عمير الذي قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن
فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الأذخر..
ووقف رسول الله عند مصعب وقال “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه” ثم ألقى نظره على كفنه وهو ببردته التي كفن فيها وقال:
“لقد رأيتك بمكة وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمة منك، ثم هاأنتذا أشعث الرأس في بردة”.
بتصرف
كعب بن مالك التائب الصادق
إنه الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه ، صاحب
التوبة الصادقة ، وكان كعب رضي الله عنه قد أسلم حين سمع
بالإسلام ، فأتى مكة وبايع النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة
العقبة الثانية ، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين طلحة بن عبيد الله رضي
الله عنه .
كعب والشعر
كان كعب رضي الله عنه شاعرا مجيدا ، وخاصة في مجال
المغازي والحروب الإسلامية ، وكان واحدا من شعراء الرسول
صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين يردون عنه الأذى بقصائدهم ،
وهم : كعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ،
رضي الله عنهم فكان كعب يخوفهم بالحرب ، وكان حسان يهجوهم
بالأنساب ، وكان عبد الله يعيرهم بالكفر .
وقد جاء كعب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال : يا رسول الله ، ماذا ترى في الشعر؟
فقال رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم :
" المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه "
موقف مشهود
كان لكعب رضي الله عنه مواقف مشهودة في غزوة أحد ،
حين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وألبسه ملابسه التي
يلبسها في الحرب ، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم ملابس
كعب رضي الله عنه الحربية ، يقول كعب رضي الله عنه :
( لما انكشفنا يوم أحد كنت أول من عرف رسول الله وبشرت
به المؤمنين حيا سويا ، وأنا في الشعب )
وقد جرح سبعة عشر جرحا ، وكان المشركون يوجهون إليه
السهام ظنا منهم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
التخلف عن تبوك
يقول كعب رضي الله عنه :
( كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت
عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها
في تلك الغزاة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد
غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها
الرسول صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا
ومفاوز ، واستقبل عددا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا
أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد ، والمسلمون مع الرسول
صلى الله عليه وسلم كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ الديوان ، فقل
رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ، ما لم ينزل
فيه وحي من الله عز وجل .
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار
والظلال ، وأنا والله أُصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه
وسلم والمؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم
أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي :
أنا قادر على ذلك إن أردت .. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر
بالناس بالجد ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون
معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت :
أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه .. فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز
فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض
من جهازي شيئا ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط
الغزو ، فهممت أن ارتحل فألحقهم ، وليت أني فعلت ، ثم لم يقدر
ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا في النفاق ، أو رجلا
ممن عذره الله عز وجل ) .
النبي يسأل عنه
يقول كعب رضي الله عنه :
( ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ،
فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟ "
فقال رجل من بني سلمة : ( حبسه يا رسول الله براده والنظر
في عطفيه ) فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه :
( بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا )
فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم )
عودة النبي من تبوك
لما عاد المسلمون إلى المدينة دخل الرسول صلى الله عليه وسلم
إلى المسجد ، وصلى فيه ركعتين ، فدخل عليه المنافقون الذين
تخلفوا عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وبدءوا يكذبون
على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتعللون بأعذار واهية.
لم يكذب كعبا رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم ،
وأقر بذنبه وتقصيره في حق الله وتكاسله عن الجهاد ، وفعل
مثله هلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهما ، وكانا
بعدما سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام كعب رضي الله عنه ،
أمر المسلمين أن يقاطعوه وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
بدون عذر ، فلم يكلمهم أحد من المسلمين ، ولم يتعاملوا معهم.
فجلس الاثنان كل منهما في بيته يبكيان ، أما كعب رضي الله عنه
فلم يحبس نفسه مثلهما ، بل كان يخرج للصلاة ، وكان إذا سار في
السوق أو غيره لا يتحدث معه أحد ، وكان لكعب رضي الله عنه
ابن عم يحبه حبا شديدا هو الصحابي الجليل أبو قتادة رضي الله
عنه ، ولما اشتد الأمر بكعب رضي الله عنه ، ذهب إلى ابن عمه
أبي قتادة رضي الله عنهما في بستانه وألقى عليه السلام ،
ولكن أبا قتادة رضي الله عنه لم يرد عليه ، فقال له كعب رضي
الله عنه :
( يا أبا قتادة ، أنشدك بالله ، هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ )
فلم يرد عليه أبو قتادة رضي الله عنه ، فكرر كعب رضي الله
عنه السؤال ، فقال أبو قتادة رضي الله عنه :
( الله ورسوله أعلم ) ففاضت عينا كعب رضي الله عنه بالدموع
وتركه.
الأمر بالإعتزال
مضى على كعب رضي الله عنه وصاحبيه أربعون يوما ، وهم
على تلك الحالة من الندم والبكاء والمقاطعة الكاملة من كل
المسلمين ، وبعدها أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهجروا
زوجاتهم ، وظلوا على هذه الحالة عشرة أيام.
البشارة والفرج
بعد خمسين يوما جاء الفرج ، ونزلت التوبة من الله على هؤلاء
المؤمنين الصادقين الذين لم يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فبعد أن صلى كعب رضي الله عنه صلاة الفجر، جلس
بمفرده ، فسمع صوتا ينادى من بعيد :
( يا كعب ، أبشر يا كعب )
فلما سمعه كعب رضي الله عنه خر ساجدا لله سبحانه ، وعلم أن
الله قد تاب عليه ، وبلغ من شدة فرحته أنه خلع ثوبيه وألبسهما
للرجل الذي بشره و ما كان يملك يومئذ غيرهما واستعار ثوبين
فلبسهما ثم انطلق مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ،
فاستقبله الصحابة وهم سعداء ، وقام طلحة بن عبيد الله رضي الله
عنه من بين الحاضرين جميعا وأسرع ليهنئ كعبا رضي الله عنه ،
فلم ينسها له كعب رضي الله عنه أبدا ، وتبسم له الرسول صلى الله
عليه وسلم وقال له :
" أبشر بخير يوم مرعليك منذ ولدتك أمك "
وأنزل الله فيه وفي صاحبيه قرآنا ، قال تعالى في سورة التوبة
آية ( 118 ) :
(( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت
وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم
ليتوبوا إن الله هو التواب ))
الصدق منجاة
كان كعب رضي الله عنه يقول :
( والله ما مر علي يوم كان خيرا ولا أحب إلي من ذلك اليوم الذي
بشرت فيه بتوبة الله تعالى علي وعلى صاحبي ، ثم قال للرسول
صلى الله عليه وسلم :
( إن من توبتي أن أتصدق بمالي كله لله ولرسوله )
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
" أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرلك "
فقال كعب رضي الله عنه :
( يا رسول الله ، إن الله تعالى أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي
ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه
الله في صدق الحديث أحسن مما ابتلاني )
وكان كعب رضي الله عنه يقول بعد ذلك :
( ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا شيئا من الكذب ،
وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى بقية عمري )
وكان كعب رضي الله عنه يقول :
( والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم
في نفسي من صدقي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا
أكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فقد قال الله تعالى :
(( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنه
إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم
لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ))
وهكذا كان صدق كعب رضي الله عنه سببا في نجاته ، وقبول توبة
الله عليه ، بينما أهلك الله المنافقين الذين كذبوا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، واعتذروا بالباطل ، فجعلهم الله من أهل النار.
وظل كعب يجاهد في سبيل الله ، ولا يتخلف عن حرب أبدا ، فحارب
المرتدين في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وشارك في
الفتوحات الإسلامية على عهد الفاروق عمر رضي الله عنه ، وكذلك
في خلافة كل من عثمان وعلي رضي الله عنهما وأول خلافة معاوية
رضي الله عنه ، وظل على صدق إيمانه وقوة عقيدته.
وفاته
توفي رضي الله عنه بالشام في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة
(50هـ ) وقيل سنة (53 هـ ) ، وعمره آنذاك ( 77 ) سنة ويقال :
إن الله سبحانه قد ابتلاه بفقد بصره قبل وفاته ، فصبر لذلك حتى
ينعم بما عند الله من الجنة.
وقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه ثلاثين حديثا من أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه جماعة من الصحابة
والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
بتصرف
أبو عبيدة عامر بن الجراح
مولده ونشأته:
ولد أبو عبيدة بن الجراح بمكة في بيت شريف من بيوت قريش.
اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح وكنيته أبو عبيدة.
كان أبو عبيدة نحيل الجسم، طويل القامة، بهي الطلعة، وضيء الوجه، شديد التواضع، كثير الحياء، وكان من أشجع الناس عند الشدائد، يحبه كل من رآه ويرتاح إليه قلب كل من شاهده
سبقه للإسلام:
كان أبو عبيدة رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقد أسلم بعد إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بيوم واحد، أسلم هو وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون والأرقم بن أبي الأرقم على يدي الصديق رضي الله عنه، وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلنوا الشهادة بين يديه
القوي الأمين
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه القوي الأمين، فقد جاء وفد من النصارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا أبا القاسم ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا ليحكم بيننا في أشياء من أموالنا اختلفنا فيها، فإنكم عندنا معشر المسلمين مرضيون. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فرحت إلى صلاة الظهر مبكرًا، وإني ما أحببت الإمارة حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحب هذا النعت، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، جعل ينظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يقلب بصره فينا حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: (اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه) فقلت: ذهب بها أبو عبيدة.
لقبة
لقبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بـ(أمين الأمة) في حديثه:
روي عن أنس بن مالك في المسند الصحيح :
أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا : ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام . قال ، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال " هذا أمين هذه الأمة
غزوة بدر
شهد أبو عبيدة المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَتَل أباه الذي كان في جيش المشركين يوم بدر ونزل في حقه قرآن يتلى، الآية 22 من سورة المجادلة
[ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ] (22) الآية
جهادة
شارك أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في الفتوحات الإسلامية وكان له الدور الأكبر فيها، وانطلق رضي الله عنه يقود الجيوش في بلاد الشام منتصرًا حتى فتح الله على يديه بلاد الشام كلها.
ولما وقع الطاعون في تلك البلاد أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إليه يستدعيه فاعتذر أبو عبيده إليه في رسالة قال فيها: " يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عن الذي يصيبهم، ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفيهم أمره، فإذا أتاك كتابي هذا فحللني من عزمك وائذن لي بالبقاء " فلما قرأ عمر رضي الله عنه الكتاب بكى، فقال الحاضرون: أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، ولكن الموت منه قريب.
وفاته:
لما أوشك أبو عبيدة رضي الله عنه على الموت وحضرته الوفاة أوصى جنده بقوله:
" إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن المرء لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميتون وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده ... والسلام عليكم ورحمة الله " .
ثم نظر إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال: يا معاذ صل بالناس. ثم مات رضي الله عنه.
مناقبه:
خطب معاذ بن جبل رضي الله عنه في الناس بعد موت أبي عبيدة رضي الله عنه فقال: " أيها الناس إنكم قد فجعتم برجل ، والله ما أعلم أني رأيت رجلا أبر صدرًا ولا أبعد غائلة ولا أشد حبًا للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه يرحمكم الله
بتصرف
المقداد بن عمرو رضي الله عنه
اسمه ونسبه
هو المقداد بن عمرو، بن ثعلبة، بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني، ولكنه اشتهر باسم آخر، وهو "المقداد بن الأسود الكندي".
منذ اليوم الذي حالف فيه الأسود وتبناه الأسود صار إسمه المقداد بن الأسود ، نسبة لحليفة ، والكندي ، نسبةً لحلفاء أبيه . وقد غلب عليه هذا الإسم ، واشتهر به ، حتى إذا نزلت الآية الكريمة : ( أدعُوهُم لآبائِهم ) قيل له : المقداد بن عمرو . وكان يكنى أبا الأسود ، وقيل : أبو عمرو ، وأبو سعيد وأبو معبد . ومن أهم ألقابه : « حارس رسول الله
كان والده عمرو بن ثعلبة من شجعان بني قومه، يتمتع بجرأة عالية دفعته إلى قتل بعض أفراد بني قومه، فاضطر إلى الجلاء عنهم حفاظاً على نفسه من طلب الثأر، فلحق بحضرموت، وحالف قبيلة كندة التي كانت تحتل مكانة مرموقة بين القبائل، وهناك تزوج امرأة منهم، فولدت له المقداد
نشأته و رحيله إلى مكة
نشأ هذا الفتى في ظل مجتمع ألف مقارعة السيف، ومطاعنة الرماح، فاتصف بالشجاعة، حتى إذا بلغ سن الشباب، أخذت نوازع الشوق تشده إلى مضارب قومه في "بهراء"، ما دفعه إلى تخطي آداب "الحلف"، لأنه كان يعتبر أن الحلف لا يعني أكثر من قيد "مهذب" يضعه الحليف في عنقه وأعناق بنيه، ولذا لم يكن هو الآخر أسعد حظاً من أبيه، حيث اقترف ذنباً مع مضيفيه و"أخواله"، فاضطر إلى الجلاء عنهم أيضاً نتيجة خلاف وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي ـ أحد زعماء كندة ـ فهرب إلى مكة، ولما وصل إليها، كان عليه أن يحالف بعض ساداتها كي يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري أحد جبابرة قريش، فتبناه، وكتب إلى أبيه يطلب إليه القدوم إلى مكة
إلتحاقه بالرسول و إسلامه
ذكر ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة ، وعدّ المقداد واحداً منهم . الا انه لم يستطع إظهار إسلامه خوفاً من بطش حليفه الأسود الذي صار له كالأب و السيد- كان يكتم إسلامه. ولكن المقداد كان يتحيّن الفرص للتخلّص من ربقة "الحلف" الذي أصبح يشكل بالنسبة له ضرباً من العبودية، وفي السنة الأولى للهجرة، قيّضت له الفرصة لأن يلحق بركب النبي(ص)، وأن يكون واحداً من كبار صحابته المخلصين. فقد عقد رسول الله(ص) لعمه الحمزة لواءً أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعترضوا عير قريش، وكان هو وصاحب له، يقال له عمرو بن غزوان لا زالا في صفوف المشركين، فخرجا معهم يتوسلان لقاء المسلمين، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم وذهبا إلى المدينة للقاء الرسول(ص)، حيث كانت بداية الجهاد الطويل
أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود
يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:
" لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحبّ اليّ مما في الأرض جميعا".
في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا.. حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد واصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها..
في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الاسلام، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..
ووقف الرسول يعجن ايمان الذين معه، ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..
وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..
وخاف المقدادا أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.
ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن..
ثم تقدم المقداد وقال:
" يا رسول الله..
امض لما أراك الله، فنحن معك..
والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى
اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون..
بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون..!!
والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك".. انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!!
أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال:
" يا رسول الله..
لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. والذي عثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله"..
وامتلأ قلب الرسول بشرا..
وقال لأصحابه:" سيروا وأبشروا"..
والتقى الجمعان..
وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو، ومرثد بن أبي مرثد، والزبير بن العوّام، بينما كان بقية المجاهدين مشاة، أو راكبين ابلا
الأمارة
ولاه الرسول على احدى الولايات يوما، فلما رجع سأله النبي:
" كيف وجدت الامارة"..؟؟
فأجاب في صدق عظيم:
" لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعا دوني..
والذي بعثك بالحق، لا اتآمرّن على اثنين بعد اليوم، أبدا"..
واذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟
واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟
رجل لا يخدع عن نفسه، ولا عن ضعفه..
يلي الامارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنّبها مظانه، وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ويتتحاماها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!!
لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هوذا:
" ان السعيد لمن جنّب الفتن"..
واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته اذن في تجنبها..
ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال..
وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..
وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟
وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه، يقول:
" جلسنا الى المقداد يوما فمرّ به رجل..
فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم..
والله لوددناةلو أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد وقال:
ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم"..
حكمتة وفطنتة
كان حب المقداد للاسلام عظيما..
وكان الى جانب ذلك، واعيا حكيما..
والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليّا، لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..
والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..
فحبه الرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة، الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنّده وحسامه..!!
وحبه للاسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..
خرج يوما في سريّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أ، لعله لا يستحقها على الاطلاق..
فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث
فأخذ المقداد بيمينه، ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:
" والآن أقده من نفسك..
ومكّنه من القصاص"..!!
وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح، وانتشى المقداد بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني:
" لأموتنّ، والاسلام عزيز"..!!
أجل تلك كانت أمنيته، أن يموت والاسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام:
(ان الله أمرني بحبك..
وأنبأني أنه يحبك)
بتصرف
أبو سفيان بن الحارث
سيرته
أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، قيل اسمه كنيته وقيل اسمه المغيرة ابن عم رسول الله -صلى اللـه عليه وسلم- وأخو الرسول من الرضاعة اذ أرضعته حليمـة السعديـة مرضعة الرسول بضعة أيام، تأخّر إسلامه وكان ممن آذى النبي -صلى الله عليه وسلم
إسلامه
وأنار الله بصيرة أبي سفيان وقلبه للإيمان، وخرج مع ولده جعفر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تائباً لله رب العالمين، وأتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وابنه مُعْتَمّين، فلما انتهيا إليه قالا: (السلام عليك يا رسول الله)... فقال رسول الله: (أسْفِروا تَعَرّفوا)... فانتسبا له وكشفا عن وجوهِهما وقالا: (نشهد أن لا اله الا الله، وأنك رسول الله)...
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(أيَّ مَطْرَدٍ طردتني يا أبا سفيان، أو متى طردتني يا أبا سفيان)... قال أبو سفيان بن الحارث: (لا تثريبَ يا رسول الله)... قال رسول الله: (لا تثريبَ يا أبا سفيان)... وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب: (بصِّرْ ابن عمّك الوضوء والسنة ورُحْ به إليّ)...
فراح به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلّى معه، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب فنادى في الناس: (ألا إنّ الله ورسولَهُ قد رَضيا عن أبي سفيان -بن الحارث- فارْضَوا عنه)...
جهاده
ومن أولى لحظات إسلامه، راح يعوض ما فاته من حلاوة الإيمان والعبادة، فكان عابدا ساجدا، خرج مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-فيما تلا فتح مكة من غزوات، ويوم حنين حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا، وثبت الرسول مكانه ينادي: (إلي أيها الناس، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)...
في تلك اللحظات الرهيبة قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة، وكان منهم أبوسفيان وولده جعفر، لقد كان أبوسفيان يأخذ بلجام فرس الرسول بيسراه، يرسل السيف في نحور المشركين بيمناه، وعاد المسلمون إلى مكان المعركة حول نبيهم، وكتب الله لهم النصر المبين، ولما انجلى غبارها، التفت الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمن يتشبت بمقود فرسه وتأمله وقال: (من هذا؟... أخي أبو سفيان بن الحارث؟)... و ما كاد يسمع أبوسفيان كلمة أخي حتى طار فؤاده من الفرح، فأكب على قدمي رسول الله يقبلهما...
فضله
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أبو سفيان أخي وخير أهلي، وقد أعقبني الله من حمزة أبا سفيان بن الحارث)... فكان يُقال لأبي سفيان بعد ذلك أسد الله وأسد رسوله...
كان أبو سفيان بن الحارث شاعراً ومن شعره بسبب شبهه بالنبي -صلى الله عليه وسلم
ومن شعره يوم حُنين
لقد عَلِمَتْ أفْناءُ كعـبٍ وعامرٍ *** غَداةَ حُنينٍ حينَ عمَّ التَّضَعْضُعُ
بأنّي أخو الهَيْجاء أركَبُ حدَّها *** أمامَ رسـول اللـه لا أتَتَعتَعُ
رجاءَ ثوابِ اللـه واللـه واسِعٌ *** إليه تعالى كلُّ أمـرٍ سَيَرْجِـعُ
وفاته
ذات يوم في سنة (2 هـ) شاهده الناس في البقيع يحفر لحداً، ويسويه ويهيئه، فلما أبدوا دهشهم مما يصنع، قال لهم: (إني أعدُّ قبري)... وبعد ثلاثة أيام لا غير، كان راقدا في بيته، وأهله من حوله يبكون، فقال لهم: (لا تبكوا علي، فاني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت)... وقبل أن يحني رأسه على صدره لوَّح به إلى أعلى، ملقياً على الدنيا تحية الوداع، دفن -رضي الله عنه- في البقيع وصلّى عليه عمر بن الخطاب والمؤمنون
منقول
الأرقم بن أبي الأرقم صاحب دار الدعوة
الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي صحابي جليل ، وأحد
السابقين إلى الإسلام بمكة ، وكنيته أبو عبد الله ، وكان سابع
سبعة في الإسلام ، وقيل بل عاشر من أسلم.
وهو الذي استخفى رسول اللـه صلى الله عليه وسلم في داره
والمسلمون معه ، فكانت داره أول دار للدعوة الى الإسلام
أول دار للدعوة
كانت داره على الصفا ، وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه
وسلم يجتمع بأصحابه فيها بعيدا عن أعين المشركين ، ليعلمهم
القرآن وشرائع الإسلام ، وفي هذه الدار أسلم كبار الصحابة وأوائل
المسلمين ، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الى الإسلام في
دار الأرقم رضي الله عنه حتى تكاملوا أربعين رجلا ، خرجوا يجهرون
بالدعوة الى الله .
جهاده
هاجر الأرقم رضي الله عنه إلى المدينة ، وفيها آخى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن سهل رضي الله عنهما.
وشهد الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه بدرا وأحدا والغزوات كلها ،
ولم يتخلف عن الجهاد ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم
دارا بالمدينة.
الصلاة في مسجد الرسول
روي أن الأرقم رضي الله عنه تجهز يوما ، وأراد الخروج إلى بيت
المقدس ، فلما فرغ من التجهيز والإعداد، جاء إلى النبي صلى الله
عليه وسلم يودعه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
" ما يخرجك يا أبا عبد الله ، أحاجة أم تجارة ؟ "
فقال له الأرقم رضي الله عنه :
( يا رسول الله .. بأبي أنت وأمى ، إني أريد الصلاة في بيت
المقدس )
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :
" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد
الحرام "
فجلس الأرقم رضي الله عنه ، وعاد إلى داره مطيعا للنبي صلى
الله عليه وسلم ومنفذا لأوامره
وفاته
ظل الأرقم رضي الله عنه يجاهد في سبيل الله ، لا يبخل بماله
ولا نفسه ولا وقته في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين حتى جاءه
مرض الموت ..
ولما أحس رضي الله عنه بقرب أجله في عهد معاوية بن أبي سفيان
رضي الله عنه أوصى بأن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه ، ثم مات الأرقم رضي الله عنه وكان سعد رضي الله عنه غائبا
عن المدينة آنذاك ، فأراد مروان بن الحكم رضي الله عنه أمير المدينة
أن يصلي عليه فرفض عبيد الله بن الأرقم رضي الله عنه ..
فقال مروان رضي الله عنه :
أيحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل غائب؟
ورفض ابنه عبيد الله بن الأرقم رضي الله عنه أن يصلي عليه أحد
غير سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وتبعه بنو مخزوم على ذلك ،
حتى جاء سعد رضي الله عنه ، وصلى عليه ، ودفن بالعقيق سنة
(55هـ).
وكان عمر الأرقم رضي الله عنه بضعا وثمانين سنة
منقول
عبدالله بن عمرو بن العاص القانت الأواب
إنه القانت ، التائب ، العابد ، الأواب ، إنه عبد الله بن عمرو بن
العاص بن وائل القرشـي رضي الله عنه ، يقال كان اسمه العاص
فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله ، وقد سبق أباه عمرو
بن العاص رضي الله عنهما للإسلام ، وبقدر ما كان أبوه أستاذا
في الذكاء والدهاء وسعة الحيلة..
كان هو أستاذا ذا مكانة عالية بين العابدين الزاهدين ولم يعد الليل
والنهار يتسعان لتعبـده ونسكـه .
تعبده
كان عبد الله رضي الله عنه منذ وضع يمينه في يمين الرسول صلى
الله عليه وسلم مبايعا ، إذا لم يكن هناك خروج لغزو يقضي أيامه
من الفجر إلى الفجر في عبادة موصولة ، وقلبه مضاء كالصبح النضير
بنور الله ونور طاعته ..
عكف أولا على القرآن فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها، حتى
إذا تم واكتمل ، كان لجميعه حافظا..
ولم يكن يحفظه ليكون مجرد ذاكرة قوية، تضم بين دفتيها كتابا محفوظا
بل كان يحفظه ليعمر به قلبه ، وليكون بعد هذا عبده المطيع يحل ما أحل،
ويحرم ما يحرم ، ويستجيب له في كل ما يدعو إليه .
وإذا خرج جيش الإسلام إلى جهاد يلاقي فيه المشركين كان في مقدمة
الصفوف يتمنى الشهادة .
فاذا وضعت الحرب أوزارها ، عاد إلى المسجد أو في مسجد داره ،
صائم نهاره ، قائم ليله ، لا يعرف لسانه حديثا من أحاديث الدنيا مهما
يكن حلالا، إنما هو رطب دائما بذكر الله، تاليا قرآنه ، أو مسبحا بحمده ،
أو مستغفرا لذنبه ..
و إذا كان أحد وجهي العظمة في حياة عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ،
الكشف عما تزخر به النفس الإنسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقصى
درجات التعبد والتجرد والصلاح ، فإن وجهها الآخر هو حرص الدين على
القصد والاعتدال في نشدان كل تفوق واكتمال ، حتى يبقى للنفس حماستها
وأشواقها وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته .
ولقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن عمرو بن العاص
يقضي حياته على وتيرة واحدة .. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم
إليه ، وراح يدعوه إلى القصد في عبادته قائلا :
" ألم اخبر أنك تصوم النهار، ولا تفطر، وتصلي الليل لا تنام ، فحسبك أن
تصوم من كل شهر ثلاثة أيام "
قال عبدالله رضي الله عنه : ( إني أطيق أكثر من ذلك )
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فحسبك ان تصوم من كل جمعة يومين "
قال عبدالله رضي الله عنه : ( فإني أطيق أكثر من ذلك )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" فهل لك إذن في خير الصيام ، صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما "
وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله قائلا :
" وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة ، وإني أخشى أن يطول بك العمر ،
وأن تملّ قراءته ، اقرأه في كل شهر مرة ، اقرأه في كل عشرة أيام
مرة ، اقرأه في كل ثلاث مرة "
ثم قال له صلى الله عليه وسلم :
" إني أصوم وأفطر.. وأصلي وأنام .. وأتزوج النساء .. فمن رغب عن
سنتي فليس مني"
ولقد عَمر عبدالله بن عمرو رضي الله عنه طويلا ، ولما تقدمت به السن ووهن
منه العظم كان يتذكر دائما نصح الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :
( يا ليتني قبلت رخصة رسول الله )
الكتابـة
قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنه :
( كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد
حفظه ، فنهتني قريش فقالوا :
إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول
الله بشر يتكلم في الغضب والرضى .
فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : " اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق "
قال أبو هريرة رضي الله عنه :
( ما كان أحد أحفظ لحديث رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم مني إلا
عبدالله بن عمرو ، فإني كنت أعي بقلبي ، ويعي بقلبه ويكتب )
وعن مجاهد رضي الله عنه قال :
( دخلت على عبدالله بن عمرو بن العاص ، فتناولت صحيفة تحت رأسه ،
فتمنع علي فقلت : (تمنعني شيئا من كتبك ؟
فقال : إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد ، فإذا سلم لي كتاب الله ، وسلمت
لي هذه الصحيفة ، والوهط ( وهو بستان عظيم كان بالطائف لعبد الله )
لم أبالِ ما صنعت الدنيا )
فضله
قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه :
( ابن عباس أعلمنا بما مضى ، وأفقهنا فيما نزل مما لم يأت فيه شيئا )
قال عكرمة فأخبرتُ ابن عباس رضي الله عنهما بقوله فقال :
( إن عنده لعلما ، ولقد كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن الحلال والحرام )
علمه
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه :
( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة
الله عز وجل ، فإن المنبت لا بلغ بُعدا ، ولا أبقى ظهرا ، واعمل عمل امرىءٍ
يظن ألا يموت إلا هرما ، واحذر حذر امرىءٍ يحسب أنه يموتُ غدا )
وقال رضي الله عنه :
( لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحب إلي من أكون عاشر
عشرة أغنياء ، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال :
هكذا وهكذا ، يقول : يتصدق يمينا وشمالا )
وقال رضي الله عنه :
( ما أعطي إنسان شيئا خيرا من صحة وعفة ، وأمانة وفقه )
وقال عمرو بن العاص لإبنه رضي الله عنهما :
( يا بني ، ما الشرف ؟ )
قال رضي الله عنه : ( كف الأذى ، وبذل الندى )
قال : ( فما المروءة ؟ )
قال : ( عرفان الحق ، وتعاهد الصنعة )
قال : ( فما المجد ؟ )
قال : ( احتمال المغارم وابتناء المكارم )
وسأله : ( ما الغي ؟ )
قال : ( طاعة المفسد ، وعصيانُ المرشد )
قال : ( فما البله ؟ )
قال : ( عَمى القلب ، وسرعة النسيان )
الوصية الغالية
كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مقبلا على العبادة إقبالا كبيرا ،
الأمر الذي كان يشغل بال أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنه دائما ،
فيشكوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ، وفي المرة الأخيرة
التي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم فيها بالقصد في العبادة وحدد
له مواقيتها كان عمرو رضي الله عنه حاضرا ، فأخذ الرسول صلى الله
عليه وسلم يد عبد الله رضي الله عنه ووضعها في يد أبيه عمرو بن العاص
رضي الله عنه وقال الرسول له : " افعل ما أمرتك ، وأطع أباك "
فكان لهذا العبارة تأثيرا خاصا على نفس عبد الله رضي الله عنه وعاش
عمره الطويل لا ينسى لحظة تلك العبارة الموجزة
موقعة صِفين
تتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام ورفض معاوية بالشام أن يبايع
عليا رضي الله عنهما ورفض علي رضي الله عنه أن يذعن لتمرد غير
مشروع.
وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين ، ومضت موقعة الجمل ، وجاءت
موقعة صفين.
كان عمر بن العاص رضي الله عنه قد اختار طريقه إلى جوار معاوية رضي
الله عنه وكان يدرك مدى إجلال المسلمين لابنه عبدالله رضي الله عنه
ومدى ثقتهم في دينه، فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية
رضي الله عنه بذلك الخروج ، كذلك كان عمرو رضي الله عنه يتفاءل
كثيرا بوجود عبدالله إلى جواره في قتال ، وهو لا ينسى بلاءه معه في
فتوح الشام ، ويوم اليرموك.
فحين هم بالخروج إلى صفين دعاه إليه وقال له :
( يا عبدالله تهيأ للخروج، فانك ستقاتل معنا )
وأجابه عبدالله رضي الله عنه :
( كيف وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أضع سيفا في
عنق مسلم أبدا )
وحاول عمرو رضي الله عنه بدهائه إقناعه بأنهم إنما يريدون بخروجهم
هذا أن يصلوا إلى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزكي ، ثم قال :
( أتذكر يا عبدالله ، آخر عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك : أطع أباك ؟
فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل )
وخرج عبدالله بن عمرو رضي الله عنه طاعة لأبيه ، وفي عزمه ألا يحمل
سيفا ولا يقاتل مسلما ، حسبه الآن أن يخرج مع أبيه ، أما حين تكون
المعركة فلله ساعتئذ أمر يقضيه .. ونشب القتال حاميا ضاريا..
واختلف المؤرخون فيما اذا كان عبدالله قد اشترك في بدايته أم لا..
الندم
عاد عبدالله بن عمرو الى مسجده، وعبادته.. وعاش حياته لا يملؤها بغير
مناسكه وتعبده.. غير أن خروجه الى صفين مجرد خروجه .. ظل مبعث
قلق له على الدوام ..فكان لا تلم به الذكرى حتى يبكي ويقول :
( مالي ولصفين ؟ مالي ولقتال المسلمين ؟ )
وذات يوم وهو جالس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض
أصحابه مربهم الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وتبادلا السلام ، ولما
مضى عنهم قال عبدالله رضي الله عنه لمن معه :
( أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء..؟
انه هذا الذي مر بنا الآن الحسين بن علي ، وانه ما كلمني منذ صفين ،
ولأن يرضى عني أحب إلي من حمر النعم )
واتفق مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما على زيارة الحسين رضي
الله عنه وهناك في دار الحسين تم لقاء الأكرمين ..
وبدأعبدالله بن عمرو رضي الله عنه الحديث ، فأتى على ذكر صفين
فسأله الحسين رضي الله عنه معاتبا :
( ما الذي حملك على الخروج مع معاوية )
قال عبدالله رضي الله عنه:
( ذات يوم شكاني عمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال له :
ان عبدالله يصوم النهار كله، ويقوم الليل كله.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا عبدالله صل ونم .. وصم وافطر .. وأطع أباك..
ولما كان يوم صفين أقسم علي أبي أن أخرج معهم ، فخرجت ، ولكن
والله ما اخترطت سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم )
وفاته
وبينما هوفي مصلاه ، يتضرع إلى ربه ، ويسبح بحمده دعي إلى رحلة
الأبد ، فلبى الدعاء في شوق عظيم الى اخوانه الذين سبقوه بالحسنى ،
ذهبت روحه تسعى وتطير..والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى :
( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيةفادخلي في عبادي
وادخلي جنتي )
توفي رضي الله عنه في ليالي الحرة وهو في الثانية والسبعين من عمره
المبارك سنة ( 63 هـ) من شهر ذي الحجة
بتصرف
أبو أيوب الأنصاري
مقدمة
هو خالد بن زيد بن كليب بن مالك بن النجار أبو أيوب الأنصاري.
معروف باسمه وكنيته.
وأمه هند بنت سعيد بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج من السابقين. روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أبي بن كعب، روى عنه البراء بن عازب وزيد بن خالد، والمقدام بن معد يكرب وابن عباس وجابر بن سمرة وأنس وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين، شهد العقبة وبدرا وما بعدها، ونزل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده.
إسلامه:
أسلم أبو أيوب قبل هجرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة، وشهد العقبة.
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته:
حدث عبدا لله عباس فقال خرج أبو بكر رضي الله عنه في الهاجرة يعني نصف النهار في شدة الحر فرآه عمر رضي الله عنه فقال يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟ قال ما أخرجني إلا ما أجد من شدة الجوع فقال عمر و أنا والله ما أخرجني غير ذلك فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:( ما أخرجكما هذه الساعة؟) قالا والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من شدة الجوع فقال صلى الله عليه وسلم (: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غير ذلك قوما معي فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.)
وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم طعاما فإذا لم يأت أطعمه لأهله فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب وقالت مرحبا بنبي الله ومن معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبو أيوب؟ فسمع أبو أيوب صوت النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعمل في نخل قريب له فاقبل يسرع وهو يقول مرحبا برسول الله وبمن معه ثم قال يا رسول ليس هذا بالوقت كنت تجيء فيه فقال صدقت ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فقطع منه عذقا فيه تمر ورطب وبسر وقال يا رسول الله كل من هذا وسأذبح لك أيضاً. فقال:( إن ذبحت فلا تذبحن ذات لبن ) وقدم الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ منه رسول الله قطعة من لحم الجدي ووضعها في رغيف وقال: يا أبا أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة الزهراء فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم:( خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه ثم قال: والذي نفسي بيده هذا هو النعيم الذي تسالون عنه يوم القيامة ) وبعد الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب ائتنا غدا) وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصنع له احد معروفاً إلا أحب أن يجازيه فلما كان الغد ذهب أبو أيوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأهداه جارية صغيرة تخدمه وقال له: استوص بها خيرا عاد أبو أيوب إلى زوجته ومعه الجارية وقال لزوجته هذه هدية من رسول الله لنا ولقد أوصانا بها خيرا وان نكرمها فقالت أم أيوب وكيف تصنع بها خيرا لتنفذ وصية رسول الله فقال أفضل شيء إن نعتقها ابتغاء وجه الله وقد كان.
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
ـ كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد دخل المدينة مختتماً بمدخله هذا رحلة هجرته الظافرة، ومستهلا أيامه المباركة في دار الهجرة التي ادَّخر لها القدر ما لم يدخره لمثلها في دنيا الناس.
وسار الرسول وسط الجموع التي اضطرمت صفوفها وأفئدتها حماسة، ومحبة وشوق، ممتطيا ظهر ناقته التي تزاحم الناس حول زمامه، كُلٌّ يريد أن يستضيف رسول الله.
وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف، فاعترضوا طريق الناقة قائلين:
( يا رسول الله، أقم عندن، فلدينا العدد والعدة والمنعة ).ويجيبهم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة:(خَلّوا سَبيلَها فَإِنَّها مَأمُورة). ويبلغ الموكب دور بني بياضة، فَحيّ بني ساعدة، فحيّ بني الحارث بن الخزرج، فحيّ عدي بن النجار.
وكل بني قبيلة من هؤلاء يعترض سبيل الناقة، وملحين أن يسعدهم النبي ( صلى الله عليه وسلم) بالنزول في دورهم، وهو يجيبهم وعلى شفتيه ابتسامة شاكرة:( خَلّوا سَبيلَها فَإِنَّها مَأمُورة ). فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) ممعناً في ترك هذا الاختيار للقدر الذي يقود خطاه، ومن أجل هذا ترك هو أيضاً زمام ناقته وأرسله، فلا هو يثني به عنقه، ولا يستوقف خطاه، وتوجّه إلى الله بقلبه، وابتهل إليه بلسانه:( اللَّهُمَّ خر لِي، واختَرْ لِي ).وأمام دار بني مالك بن النجار بركت الناقة، ثم نهضت وطوَّفت بالمكان، ثم عادت إلى مبركها الأول، وألقت جرانه، واستقرت في مكانه.
وكان هذا السعيد الموعود، الذي بركت الناقة أمام داره، وصار الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ضيفه، ووقف أهل المدينة جميعا يغبطونه على حظوظه الوافية، هو البطل أبو أيوب الأنصاري، الذي جعلت الأقدار من داره أول دار يسكنها المهاجر العظيم والرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم.
ـ وروى عن سعيد بن المسيب أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم -شيئا فقال له: لا يصيبك السوء يا أبا أيوب وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عاصم من طريق أبي الخير عن أبي رهم أن أبا أيوب حدثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل في بيته وكنت في الغرفة فهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقا أن يخلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا مشفق فسألته فانتقل إلى الغرفة قلت يا رسول الله: كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام قال: أجل إن فيه بصلا فكرهت أن آكل من أجل الملك، وأما أنتم فكلو.
وروى أحمد من طريق جبير بن نفير، عن أبي أيوب قال: لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة اقترعت الأنصار أيهم يؤويه فقرعهم أبو أيوب.. الحديث.
أثره في الآخرين:
ولقد عاش أبو أيوب رضي الله عنه طول حياته غازي، وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية رضي الله عنه جيشا بقيادة ابنه يزيد، لفتح القسطنطينية وكان أبو أيوب آنذاك شيخا طاعنا في السن يحبو نحو الثمانين من عمره فلم يمنعه ذلك من أن ينضوي تحت لواء يزيد وان يمخر عباب البحر غازياً في سبيل الله.. لكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال، فجاء يزيد ليعوده وسأله: ألك من حاجة يا أبا أيوب؟
فقال: اقرأ عني السلام على جنود المسلمين، وقل لهم: يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية، وأن تحملوه معكم، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية، ولفظ أنفاسه الطاهرة
بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
يروي الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربو..
وعن البراء بن عازب عن أبي أيوب رضي الله عنهم قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها وعن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام
مواقفه مع التابعين:
عن الزهري، عن سالم، قال: أعرست، فدعا أبي الناس، فيهم أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر. فجاء أبو أيوب، فطأطأ رأسه، فنظر فإذا البيت مستر. فقال: يا عبد الله، تسترون الجدر؟ فقال أبي واستحيى: غلبنا النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن تغلبه النساء، فلم أخش أن يغلبنك. لا أدخل لكم بيتا، ولا آكل لكم طعام!
وعن محـمد بن كعب، قال: كان أبو أيوب يخالف مروان، فقال: ما يحملك على هذ؟ قال: إني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الصلـوات، فإن وافقته وافقناك، وإن خالفته خالفناك.
وعن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبيه، قال: انضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري في البحر، وكان معنا رجل مزاح، فكان يقول لصاحب طعامن: جزاك الله خيرا وبرا، فيغضب فقلنا لأبي أيوب: هنا من إذا قلنا له: جزاك الله خيرا يغضب. فقال: اقلبوه له. فكنا نتحدث: إن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر.
فقال له المزاح: جزاك الله شرا وعرا، فضحك، وقال: ما تدع مزاحك.
جهاده
شهد أبو أيوب الأنصاري المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لم يتخلف عن أي معركة كتب على المسلمين خوضها بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا مرة واحدة تخلف عن جيش أعطى الخليفة أمارته لشاب من المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بامارته، ومع هذا بقي الندم ملازما له دوما، فيقول: «ما علي من استعمل علي؟»
وفاته
جاءت محاولة فتح القسطنطينية عام ( 52 هـ )، وكان أبو أيوب ممن خرج للقتال ، فأصيب في هذه المعركة ، وجاء قائد الجيش - يزيد بن معاوية - يعوده فسأله :( ما حاجتك يا أبا أيوب ؟)000فيا له من مطلب نفذه يزيد بناءا على هذه الوصية ، فقد طلب أن يحمل جثمانه فوق فرسه ، ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو ، وهنالك يدفنه ، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره ، فيدرك آنئذ ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز ! وفي قلب القسطنطينية وفي ( اسطنبول ) ثوي جثمانه -رضي اللـه عنه- مع سور المدينة وبُنيَ عليه ، فلمّا أصبح المسلمون أشرف عليهم الروم ، فقالوا :( يا معشر العرب قد كان لكم الليلة شأنٌ ؟) فقالوا :( مات رجلٌ من أكابر أصحاب نبيّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، ووالله لئن نُبِشَ لأضْرُبَ بِناقوسٍ في بلاد العرب )000 فأصبح قبره لأهل قسطنطينية وقبل أن يصل لهم الاسلام قبر قديس يتعاهدونه ويزورونه ويستسقون به اذا قحطوا !! اذهبوا بجثماني بعيدا بعيدا في أرض الروم ثم ادفننوني هناك
بتصرف
صهيب بن سنان
هو صهيب بن سنان بن مالك ويقال خالد بن عبد عمرو بن عقيل، ويقال: طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري، أبو يحيى وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، وهو الرومي قيل له ذلك؛ لأن الروم سبوه صغيرا.
قال ابن سعد: وكان أبوه وعمه على الأبلة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي، فأعتقه.
حاله في الجاهلية
لقد كان والده حاكم ( الأبلة ) ووليا عليهـا لكسرى، فهو من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهد طويل، وله قصـر كبير على شاطئ الفرات، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة، إلى أن سبي بهجوم رومي، وقضى طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم، وأخذ لسانهم ولهجتهم، وباعه تجار الرقيق أخيرا لعبد اللـه بن جدعان في مكة وأعجب سيده الجديد بذكائه ونشاطه وإخلاصه، فاعتقه وحرره، وسمح له بالاتجار معه..
ونتيجة إعجاب سيده بذكائه ونشاطه وإخلاصه اعتقه وحرره وأخذ يتاجر معه حتى أصبح لديه المال الكثير
قصة إسلامه
يقول عمار بن ياسر -رضي الله عنه-: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها...
فقلت له: ماذا تريد؟
فأجابني: ماذا تريد أنت؟
قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول...
قال: وأنا أريد ذلك...
فدخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعرض علينا الاسلام، فأسلمنا ثم مكثنا على ذلك حتى أمسين، ثم خرجن، ونحن مستخفيان فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً...
وروى ابن سعد، عن أبي عثمان النهدي ورواه الكلبي في تفسيره، عن أبي صالح، عن ابن عباس وله طرق أخرى، ورواه ابن عدي من حديث أنس والطبراني من حديث أم هانئ ومن حديث أبي أمامة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس.
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
عندما هم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة، علم صهيب به، وكان من المفروض أن يكون ثالث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، ولكن أعاقه الكافرون، فسبقه الرسول -صلى الله عليه وسلم-وأبو بكر، وحين استطاع الانطلاق في الصحراء، أدركه قناصة قريش، فصاح فيهم:( يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجل، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي، حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم، وان شئتم دللتكم على مالي وتتركوني وشأني )...
فقبل المشركين المال وتركوه قائلين:( أتيتنا صعلوكا فقير، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك و بمالك؟؟)...فدلهم على ماله وانطلق الى المدينة، فأدرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قباء ولم يكد يراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى ناداه متهلل: (ربح البيع أبا يحيى... ربح البيع أبا يحيى) فقال: (يا رسول الله، ما سبقني إليك أحدٌ، وما أخبرك إلا جبريل )
فنزل فيه قوله تعالى:( ومِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفسَهُ ابتغاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، واللهُ رءُوفٌ بالعِبادِ ")... البقرة آية ( 207 )...
ـ وروى ابن عيينة في تفسيره وابن سعد من طريق منصور، عن مجاهد أول من أظهر إسلامه سبعة فذكره فيهم، وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب وأبو فائد وعامر بن فهيرة وقوم وفيهم نزلت هذه الآية: "ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا" .
أهم ملامح شخصيته
جوده وإنفاقه
كان صهيباً جواداً كريم العطاء ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله يعين المحتاج ويغيث المكروب ويطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً حتى أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: (أراك تطعم كثيراً حتى أنك تسرف) فأجابه صهيب: لقد سمعت رسول الله { يقول: (خياركم من أطعم الطعام ورد السلام) فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
يتحدث صهيب -رضي الله عنه- عن ولائه للإسلام فيقول:( لم يشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشهدا قط، إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضره، ولا غزا غزاة قط، أول الزمان وآخره، إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خاف -المسلمون- أمامهم قط، إلا كنت أمامهم، ولا خافوا وراءهم، إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه )...
وكان إلى جانب ورعه خفيف الروح، حاضر النكتة، فقد رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأكل رطب، وكان بإحدى عينيه رمد، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- ضاحك:( أتأكل الرطب وفي عينيك رمد)... فأجاب قائل:( وأي بأس...؟ إني آكله بعيني الأخرى!!)
بعض المواقف من حياته مع الصحابة:
موقفه مع عمر بن الخطاب
روى البغوي من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس. فقال عمر ما له يدعو الناس؟ قلت: إنما يدعو غلامه يحنس، فقال له: يا صهيب ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال؛ أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكنى باسم نبي وتبذر مالك. قال: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في الحق، وأما كنيتي فكنانيها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأما انتمائي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرا، فأخذت لسانهم، ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام.
ـ كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فان اختيار عمر بن الخطاب إياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة.
فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر.. وعندما أحس نهاية الأجل، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة ثم قال: " وليصلّ بالناس صهيب"..
ـ لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد.. وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، يختار من يؤم المسلمين في الصلاة..؟
إن عمر وخاصة في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها الى الله ليتأني ألف مرة قبل أن يختار.. فإذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار..
ولقد اختار عمر صهيبا..
اختاره ليكون إمام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد.. بأعباء مهمته..
اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان..
بعض ما روى عن المصطفى صلى الله عليه وسلم
فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له..
عن ابن عمر عن صهيب قال مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد إلي إشارة وقال لا أعلم إلا أنه قال إشارة بإصبعه
قال وفي الباب عن بلال وأبي هريرة وأنس وعائشة
وفاته
توفي صهيب في شوال سنة ثمان وثلاثين، وهو ابن سبعين. وكانت وفاته في المدينة المنورة.
بتصرف
الزبير بن العوام
نسبه
الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى
حَوَارِيُّ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَابْنُ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَحَدُ العَشرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهْلِ الشُّوْرَى، وَأَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَسْلَمَ وَهُوَ حَدَثٌ، لَهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ رَجُلاً طَوِيْلاً، إِذَا رَكِبَ خَطَّتْ رِجْلاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ خَفِيْفَ اللِّحْيَةِ وَالعَارِضَيْنِ.
نشأته
كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، أترابا، يَعْنِي: وُلِدُوا فِي سَنَةٍ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ تَضْرِبُهُ ضَرْباً شَدِيْداً، وَهُوَ يَتِيْمٌ.
فَقِيْلَ لَهَا: قَتَلْتِهِ، أَهْلَكْتِهِ.
قَالَتْ:
إِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَي يَدِبّ * وَيَجُرَّ الجَيْشَ ذَا الجَلَبْ
وَعَنْ عُمَرَ بنِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَاتَلَ الزُّبَيْرُ مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ.
ثباته فى الاسلام
هَاجَرَ الزُّبَيْرُ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَمُّهُ يُعَلِّقُهُ، وَيُدَخِّنُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: لاَ أَرْجِعُ إِلَى الكُفْرِ أَبَداً.
وَهُوَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، فِيْمَا نَقَلَهُ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَمْ يُطَوِّلِ الإِقَامَةَ بِهَا.
أول سيف شهر فى الاسلام
أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ ابْنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ، وسمع أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ أُخِذَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ غُلاَمٌ ابْنُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَةً بِيَدِهِ السَّيْفُ، فَمَنْ رَآهُ عَجِبَ، وَقَالَ: الغُلاَمُ مَعَهُ السَّيْفُ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (مَا لَكَ يَا زُبَيْرُ؟).
فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ: أَتَيْتُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَنْ أَخَذَكَ.
و فى رواية أخرى : جَاءَ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا لَكَ؟).
قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ أُخِذْتَ.
قَالَ: (فَكُنْتَ صَانعاً مَاذَا؟).
قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ بِهِ مَنْ أَخَذَكَ، فَدَعَا لَهُ وَلِسَيْفِهِ.
رَوَى أَحَادِيْثَ يَسِيْرَةً.
عنَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
قُلْتُ لأَبِي: مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟
قَالَ: مَا فَارَقْتُهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً:
سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
غزواته فى سبيل الله
قَالَ الزُّبَيْرُ: مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا المُسْلِمُوْنَ، إِلاَّ أَنْ أُقْبِلَ، فَأَلْقَى نَاساً يَعْقِبُوْنَ.
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ نَجْدَةُ الصَّحَابَةِ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ.
و قد روى مَنْ رَأَى الزُّبَيْرَ أن َفِي صَدْرِهِ أَمْثَالُ العُيُوْنِ مِنَ الطَّعْنِ وَالرَّمْي.
عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلاَثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ: إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ، إِنْ كُنْتُ لأُدْخِلُ أَصَابِعِي فِيْهَا، ضُرِب ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةً يَوْمَ اليَرْمُوْكِ.
غزوة بدر
كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَارِسَانِ: الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسٍ، عَلَى المَيْمَنَةِ، وَالمِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ عَلَى فَرَسٍ، عَلَى المَيْسَرَةِ.
وَقَالَ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ: عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ عمَامَةٌ صَفْرَاءُ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عَلَى سِيْمَاءِ الزُّبَيْرِ
يوم أحد
قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي! كَانَ أَبُوَاكَ -يَعْنِي: الزُّبَيْرَ، وَأَبَا بَكْرٍ - مِن: {الَّذِيْنَ اسْتَجَابُوا لِلِّهِ وَالرَّسُوْلِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ}
لَمَّا انْصَرَفَ المُشْرِكُوْنَ مِنْ أُحُدٍ، وَأَصَابَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَالَ: (مَنْ يُنْتَدَبُ لِهَؤُلاَءِ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً؟).
فَانْتُدِبَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ فِي سَبْعِيْنَ، فَخَرَجُوا فِي آثَارِ المُشْرِكِيْنَ، فَسَمِعُوا بِهِم، فَانْصَرَفُوا.
قَالَ تَعَالَى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ} لَمْ يَلْقَوا عَدُوّاً
يوم الخندق
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الخَنْدَقِ: (مَنْ يَأْتِيْنَا بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ؟).
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ عَلَى فَرَسٍ، فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ.
ثُمَّ الثَّالِثَةَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).
و روى أَنَّ الزبَيْرَ خَرَجَ غَازِياً نَحْوَ مِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمِيْرُ مِصْرَ: إِنَّ الأَرْضَ قَدْ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُوْنُ، فَلاَ تَدْخُلْهَا.
فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُوْنِ، فَدَخَلَهَا فَلَقِيَ طَعْنَةً فِي جَبْهَتِهِ
حوارى رسول الله
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وَحَوَارِيَّ مِنْ أُمَّتِي).
أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِي، فَقَالَ: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ، وَابْنُ عَمَّتِي).
جاراى فى الجنة
عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الجَنَّةِ).
فضائله
أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم: عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الوَرَثَةِ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْفَظُ أَمْوَالَهُمْ
وقد كَانَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّام أَلفُ مَمْلُوْكٍ يُؤَدُّوْنَ إِلَيْهِ الخَرَاجَ، فَلاَ يُدْخِلُ بَيْتَهُ مِنْ خَرَاجِهِمْ شَيْئاً. بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا.
قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ: بَاعَ الزُّبَيْرُ دَاراً لَهُ بِسِتِّ مَائَةِ أَلفٍ، فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! غُبِنْتَ.
قَالَ: كَلاَّ، هِيَ فِي سَبِيْلِ اللهِ.
الشورى
عندما طُعن عمر بن الخطاب و أراد أن يستخلف
قَالَ عُمَرُ: إِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ: اسْتَخْلِفْ عَلَيْنَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَالأَمْرُ فِي هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ الَّذِيْنَ فَارَقَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، ثُمَّ سَمَّاهُمْ.
و منهم الزبير بن العوام
أَصَابَ عُثْمَانَ رُعَافٌ سَنَةَ الرُّعَافِ، حَتَّى تَخَلَّفَ عَنِ الحَجِّ، وَأَوْصَى، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: اسْتَخْلِفْ.
قَالَ: وَقَالُوْهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ الرجل.
فَقَالَ عُثْمَانُ: قَالُوا: الزُّبَيْرَ؟
قَالُوا: نَعْم.
قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ كَانَ لأَخْيَرَهُمْ مَا عَلِمْتُ، وَأَحَبَّهُم إِلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ عُمَرُ:
لَوْ عَهِدْتَ أَوْ تَرَكْتَ تَرِكَةً كَانَ أَحَبُّهُمْ إِليَّ الزُّبَيْرُ، إِنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّيْنِ.
الزبير و الفتنة
بعد استشهاد عثمان بن عفان خرج الزبير و طلحة الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( موقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر
عَنْ مُطَرِّفٍ، قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: مَا جَاءَ بِكُمْ، ضَيَّعْتُمُ الخَلِيْفَةَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُوْنَ بِدَمِهِ؟
قَالَ: إِنَّا قَرَأْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيْبَنَّ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} لَمْ نَكُنْ نَحْسِبُ أَنَّا أَهْلُهَا حَتَّى وَقَعَتْ مِنَّا حَيْثُ وَقَعَتْ.
قَالَ عَلِيٌّ: حَارَبَنِي خَمْسَةٌ: أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ: عَائِشَةُ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ: الزُّبَيْرُ، وَأَمْكَرُ النَّاسِ: طَلْحَةُ، لَمْ يُدْرِكْهُ مَكْرٌ قَطُّ، وَأَعْطَى النَّاسِ: يَعْلَى بنُ مُنْيَةَ، وَأَعَبَدُ النَّاسِ: مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ، كَانَ مَحْمُوداً حَتَّى اسْتَزَلَّهُ أَبُوْهُ.
موقعة الجمل
عَنْ أَبِي جَرْوٍ المَازِنِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيّاً وَالزُّبَيْرَ حِيْنَ تَوَاقَفَا، فَقَالَ عَلِيٌّ:
يَا زُبَيْرُ! أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (إِنَّكَ تُقَاتِلُنِي وَأَنْتَ لِي ظَالِمٌ).
قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَذْكُرْهُ إِلاَّ فِي مَوْقِفِي هَذَا، ثُمَّ انْصَرَفَ.
فانْصَرَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ عَنْ عَلِيٍّ، فَلَقِيَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: جُبْناً جُبْناً!
قَالَ: قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنِّي لَسْتُ بِجَبَانٍ، وَلَكِنْ ذَكَّرَنِي عَلِيٌّ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ أُقَاتِلَهُ
الشهادة
لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله فَوَقَعَ، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، وَجَلَسَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَبْكِي عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ:
اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوْزٍ عَلَى عَلِيٍّ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ:
بَشَّرْ قَاتِلَ ابْنَ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ، سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ).
جِيْءَ بِرَأَسِ الزُّبَيْرِ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ:
تَبَوَّأْ يَا أَعْرَابِيُّ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، حَدَّثَنِي رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ قَاتِلَ الزُّبَيْرِ فِي النَّارِ.
وصيته
عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:
لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ، دَعَانِي.
فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ:
يَا بُنَيَّ! إِنَّهُ لاَ يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلاَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُوْمٌ، وَإِنِّي لاَ أُرَانِي إِلاَّ سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُوْماً، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئاً؟
يَا بُنَيَّ! بِعْ مَا لَنَا، فَاقْضِ دَيْنِي، فَأُوْصِي بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِ الثُّلُثِ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَثُلُثٌ لِوَلَدِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِيْنِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُوْلُ: يَا بُنَيَّ! إِنْ عَجِزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَاسْتَعِنْ بِمَوْلاَيَ.
قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا عَنَى حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ، مَنْ مَوْلاَكَ؟
قَالَ: اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.
قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ، إِلاَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ، فَيَقْضِيَهُ.
منقول
أبو الدرداء
من هو
أَبُو الدَّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بنُ زَيْدِ بنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيُّ
الإِمَامُ، القُدْوَةُ، قَاضِي دِمَشْقَ، وَصَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبُو الدَّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بنُ زَيْدِ بنِ قَيْسٍ.
حَكِيْمُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَسَيِّدُ القُرَّاءِ بِدِمَشْقَ.
رَوَى: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِدَّةَ أَحَادِيْثَ.
وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِيْمَنْ تَلاَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَبَداً أَنَّهُ أَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِيْمَنْ جَمَعَ القُرْآنَ فِي حَيَاةِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَتَصَدَّرَ لِلإِقْرَاءِ بِدِمَشْقَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ، وَقَبْلَ ذَلِكَ.
وَوَلِيَ القَضَاءَ بِدِمَشْقَ، فِي دَوْلَةِ عُثْمَانَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ذُكِرَ لَنَا مِنْ قُضَاتِهَا، وَدَارُهُ بِبَابِ البَرِيْدِ، ثُمَّ صَارَتْ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ صَلاحِ الدِّيْنَ تُعْرَفُ: بِدَارِ الغَزِّيِّ.
وَيُرْوَى لَهُ: مائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَسَبْعُوْنَ حَدِيْثاً
اسلامه
كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ آخِرِ الأَنْصَارِ إِسْلاَماً، وَكَانَ يَعْبُدُ صَنَماً، فَدَخَلَ ابْنُ رَوَاحَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ بَيْتَهُ، فَكَسَرَا صَنَمَهُ.
فَرَجَعَ، فَجَعَلَ يَجْمَعُ الصَّنَمَ، وَيَقُوْلُ: وَيْحَكَ! هَلاَّ امْتَنَعْتَ، أَلاَ دَفَعْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟
فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: لَو كَانَ يَنْفَعُ أَوْ يَدْفَعُ عَنْ أَحَدٍ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَنَفَعَهَا.
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَعِدِّي لِي مَاءً فِي المُغْتَسَلِ.
فَاغْتَسَلَ، وَلَبِسَ حُلَّتَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رَوَاحَةَ مُقْبِلاً، فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمَا أُرَاهُ إِلاَّ جَاءَ فِي طَلَبِنَا.
فَقَالَ: (إِنَّمَا جَاءَ لِيُسْلِمَ، إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي بِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَنْ يُسْلِمَ).
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ:
قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللهَ وَعَدَنِي إِسْلاَمَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَأَسْلَمَ)
غزوة أُحد
قَالَ سَعِيْدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: أَسْلَمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ شَهِدَ أُحُداً، وَأَمَرَهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَئِذٍ أَنْ يَرُدَّ مَنْ عَلَى الجَبَلِ، فَرَدَّهُمْ وَحْدَهُ.
قَالَ شُرَيْحُ بنُ عُبَيْدٍ الحِمْصِيُّ: لَمَّا هُزِمَ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ فِيْمَنْ فَاءَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمُ المُشْرِكُوْنَ مِنْ فَوْقِهِمْ، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُوْنَا).
فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَانْتَدَبُوا، وَفِيْهِم عُوَيْمِرُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، حَتَّى أَدْحَضُوْهُمْ عَنْ مَكَانِهِمْ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ حَسَنَ البَلاَءِ.
فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نِعْمَ الفَارِسُ عُوَيْمِرٌ).
وَقَالَ: (حَكِيْمُ أُمَّتِي: عُوَيْمِرٌ).
جمع القرآن
كان من القلائل الذين استطاعوا أن يحفظوا القرأن كاملاً فى صدورهم
عَنْ أَنَسٍ:
مَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.
عَنِ الشَّعْبِيِّ:
جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ سِتَّةٌ، وَهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذٌ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَزَيْدٌ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَأُبَيٌّ، وَسَعْدُ بنُ عُبَيْدٍ.
كَانَتِ الصَّحَابَةُ يَقُوْلُوْنَ: أَرْحَمُنَا بِنَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَنْطَقُنَا بِالحَقِّ عُمَرُ، وَأَمِيْنُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَعْلَمُنَا بِالحَرَامِ وَالحَلاَلِ مُعَاذٌ، وَأَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ ابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَتَبِعَهُم عُوَيْمِرُ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالعَقْلِ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَو أُنْسِيْتُ آيَةً لَمْ أَجِدْ أَحَداً يُذَكِّرُنِيْهَا إِلاَّ رَجُلاً بِبَرْكِ الغَمَادِ، رَحَلْتُ إِلَيْهِ.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ:
سَلُوْنِي، فَوَاللهِ لَئِنْ فَقَدْتُمُوْنِي لَتَفْقِدُنَّ رَجُلاً عَظِيْماً مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قَالَ أَبُو ذَرٍّ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا حَمَلَتْ وَرْقَاءُ، وَلاَ أَظَلَّتْ خَضْرَاءُ أَعْلَمَ مِنْكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ.
ورعه و تقواه
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
كُنْتُ تَاجِراً قَبْلَ المَبْعَثِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، جَمَعْتُ التِّجَارَةَ وَالعِبَادَةَ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا، فَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ، وَلَزِمْتُ العِبَادَةَ.
و الأَفْضَلُ جَمْعُ الأَمْرَيْنِ مَعَ الجِهَادِ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ أَمْزِجَةَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، فَبَعْضُهُمْ يَقْوَى عَلَى الجَمْعِ كَالصِّدِّيْقِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَكَمَا كَانَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَبَعْضُهُمْ يَعْجزُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى العِبَادَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقْوَى فِي بِدَايَتِهِ، ثُمَّ يَعْجِزُ، وَبِالعَكْسِ، وَكُلٌّ سَائِغٌ، وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ النَّهْضَةِ بِحُقُوْقِ الزَّوْجَةِ وَالعِيَالِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُوْلُوْنَ: أَتْبَعُنَا لِلعِلْمِ وَالعَمَلِ أَبُو الدَّرْدَاءِ.
وَرَوَى أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَجَاءهُ سَلْمَانُ يَزُوْرُهُ، فَإِذَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةٌ.
فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟
قَالَتْ: إِنَّ أَخَاكَ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، يَقُوْمُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ النَّهَارَ.
فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَرَحَّبَ بِهِ، وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَاماً.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: كُلْ.
قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ.
قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ.
فَأَكَلَ مَعَهُ، ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، أَرَادَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يَقُوْمَ، فَمَنَعَهُ سَلْمَانُ، وَقَالَ:
إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ، وَائْتِ أَهْلَكَ، وَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ، قَالَ: قُمِ الآنَ إِنْ شِئْتَ.
فَقَامَا، فَتَوَضَّأَا، ثُمَّ رَكَعَا، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلاَةِ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ رَسُوْلَ اللهِ بِالَّذِي أَمَرَهُ سَلْمَانُ.
فَقَالَ لَهُ: (يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً مِثْلَ مَا قَالَ لَكَ سَلْمَانُ).
علمه و عبادته
قَالَ القَاسِمُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوا العِلْمَ.
عَنْ مَسْرُوْقٍ، قَالَ:
شَامَمْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ.
وَعَنْ يَزِيْدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ مِنَ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ الَّذِيْنَ يَشْفُوْنَ مِنَ الدَّاءِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ:
رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ مِنَ الأَتْبَاعِ مِثْلُ السُّلْطَانِ، فَمِنْ سَائِلٍ عَنْ فَرِيْضَةٍ، وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ حِسَابٍ، وَسَائِلٍ عَنْ حَدِيْثٍ، وَسَائِلٍ عَنْ مُعْضِلَةٍ، وَسَائِلٍ عَنْ شِعْرٍ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَيْلٌ لِلَّذِي لاَ يَعْلَمُ مَرَّةً، وَوَيْلٌ لِلَّذِي يَعْلَمُ وَلاَ يَعْمَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ، نَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ:
ارْجِعَا إِلَيَّ، أَعِيْدَا عَلَيَّ قَضِيَّتَكُمَا.
قُلْتُ لأُمِّ الدَّرْدَاءِ: أَيُّ عِبَادَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَتْ أَكْثَرَ؟
قَالَتْ: التَّفَكُّرُ وَالاعْتِبَارُ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
قِيْلَ لأَبِي الدَّرْدَاءِ - وَكَانَ لاَ يَفْتُرُ مِنَ الذِّكْرِ -: كَمْ تُسَبِّحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟
قَالَ: مائَةَ أَلْفٍ، إِلاَّ أَنْ تُخْطِئَ الأَصَابِعُ.
رُوِيَ عَنْ: أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: لَوْلاَ ثَلاَثٌ مَا أَحْبَبْتُ البَقَاءَ سَاعَةً: ظَمَأُ الهَوَاجِرِ، وَالسُّجُوْدُ فِي اللَّيْلِ، وَمُجَالَسَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُوْنَ جَيِّدَ الكَلاَمِ، كَمَا يُنْتَقَى أَطَايِبُ الثَّمَرِ.
الأَعْمَشُ: عَنْ غَيْلاَنَ، عَنْ يَعْلَى بنِ الوَلِيْدِ، قَالَ:
لَقِيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا تُحِبُّ لِمَنْ تُحِبُّ؟
قَالَ: المَوْتُ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَمُتْ؟
قَالَ: يَقِلُّ مَالُهُ وَوَلَدُهُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
ثَلاَثَةٌ أُحِبُّهُنَّ وَيَكْرَهُهُنَّ النَّاسُ: الفَقْرُ، وَالمَرَضُ، وَالمَوْتُ، أُحِبُّ الفَقْرَ تَوَاضُعاً لِرَبِّي، وَالمَوْتَ اشْتِيَاقاً لِرَبِّي، وَالمَرَضَ تَكْفِيْراً لِخَطِيْئَتِي.
وَرَوَى: صَفْوَانُ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُسُ، مُرَّ بِالسَّبْيِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَبَكَى.
فَقُلْتُ لَهُ: تَبْكِي فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ الَّذِي أَعَزَّ اللهُ فِيْهِ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ!
قَالَ: يَا جُبَيْرُ! بَيْنَا هَذِهِ الأُمَّةُ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ، إِذْ عَصَوُا اللهَ، فَلَقُوا مَا تَرَى، مَا أَهْوَنَ العِبَادَ عَلَى اللهِ إِذَا هُمْ عَصَوْهُ.
عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ:
كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لاَ يُحَدِّثُ بِحَدِيْثٍ إِلاَّ تَبَسَّمَ.
فَقُلْتُ: إِنّي أَخَافُ أَنْ يُحَمِّقَكَ النَّاسُ.
فَقَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لاَ يُحَدِّثُ بِحَدِيْثٍ إِلاَّ تَبَسَّمَ.
عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ:
كَانَ لأَبِي الدَّرْدَاءِ سِتُّوْنَ وَثَلاَثُ مائَةِ خَلِيْلٍ فِي اللهِ، يَدْعُو لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ يَدْعُو لأَخِيْهِ فِي الغَيْبِ إِلاَّ وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَقُوْلاَنِ: وَلَكَ بِمِثْلٍ، أَفَلاَ أَرْغَبُ أَنْ تَدْعُوَ لِيَ المَلائِكَةُ.
و روى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي المَوْتَى، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُوْمِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيْلاً يُغْنِيْكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيْرٍ يُلْهِيْكَ، وَأَنَّ البِرَّ لاَ يَبْلَى، وَأَنَّ الإِثْمَ لاَ يُنْسَى
وَعَنْهُ، قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الأَغْنِيَاءَ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّهُمْ مِثْلُنَا عِنْدَ المَوْتِ، وَلاَ نَتَمَنَّى أَنَّنَا مِثْلُهُمْ حِيْنَئِذٍ، مَا أَنْصَفَنَا إِخْوَانُنَا الأَغْنِيَاءُ، يُحِبُّوْنَنَا عَلَى الدِّيْنِ، وَيُعَادُوْنَنَا عَلَى الدُّنْيَا.
دوره فى الشام
جَمَعَ القُرْآنَ خَمْسَةٌ: مُعَاذٌ، وَعُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأُبَيٌّ، وَأَبُو أَيُّوْبَ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ، كَتَبَ إِلَيْهِ يَزِيْدُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ:
إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا، وَمَلَؤُوا المَدَائِنَ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُمْ، فَأَعِنِّي بِرِجَالٍ يُعَلِّمُوْنَهُمْ.
فَدَعَا عُمَرُ الخَمْسَةَ، فَقَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُم قَدِ اسْتَعَانُوْنِي مَنْ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّيْنِ، فَأَعِيْنُوْنِي يَرْحَمْكُمُ اللهُ بِثَلاَثَةٍ مِنْكُمْ إِنْ أَحْبَبْتُمْ، وَإِنِ انْتُدِبَ ثَلاَثَةٌ مِنْكُمْ، فَلْيَخْرُجُوا.
فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَتَسَاهَمَ، هَذَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ - لأَبِي أَيُّوْبَ - وَأَمَّا هَذَا فَسَقِيْمٌ - لأُبَيٍّ -.
فَخَرَجَ: مُعَاذٌ، وَعُبَادَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ.
فَقَالَ عُمَرُ: ابْدَؤُوا بِحِمْصَ، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُوْنَ النَّاسَ عَلَى وُجُوْهٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْهُمْ مَنْ يَلْقَنُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَوَجِّهُوا إِلَيْهِ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَضِيْتُمْ مِنْهُمْ، فَلْيَقُمْ بِهَا وَاحِدٌ، وَلْيَخْرُجْ وَاحِدٌ إِلَى دِمَشْقَ، وَالآخَرُ إِلَى فِلَسْطِينَ.
قَالَ: فَقَدِمُوا حِمْصَ، فَكَانُوا بِهَا، حَتَّى إِذَا رَضُوا مِنَ النَّاسِ، أَقَامَ بِهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، وَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى دِمَشْقَ، وَمُعَاذٌ إِلَى فِلَسْطِيْنَ، فَمَاتَ فِي طَاعُوْنِ عَمَوَاسَ.
ثُمَّ صَارَ عُبَادَةُ بَعْدُ إِلَى فِلَسْطِيْنَ، وَبِهَا مَاتَ، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ حَتَّى مَاتَ.
بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ابْتَنَى كَنِيْفاً بِحِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
يَا عُوَيْمِرُ، أَمَا كَانَتْ لَكَ كِفَايَةٌ فِيْمَا بَنَتِ الرُّوْمُ عَنْ تَزْيِيْنِ الدُّنْيَا، وَقَدْ أَذِنَ اللهُ بِخَرَابِهَا، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي، فَانْتَقِلْ إِلَى دِمَشْقَ.
عَنْ مُسْلِمِ بنِ مِشْكَمٍ:
قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: اعْدُدْ مَنْ فِي مَجْلِسِنَا.
قَالَ: فَجَاؤُوا أَلْفاً وَسِتَّ مائَةٍ وَنَيِّفاً، فَكَانُوا يَقْرَؤُوْنَ، وَيَتَسَابَقُوْنَ عَشْرَةً عَشْرَةً، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ انْفَتَلَ، وَقَرَأَ جُزْءاً، فَيُحْدِقُونَ بِهِ، يَسْمَعُوْنَ أَلْفَاظَهُ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ مُقَدَّماً فِيْهِم.
حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُصَلِّي، ثُمَّ يُقْرِئُ، وَيَقْرَأُ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ القِيَامَ، قَالَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ مِنْ وَلِيْمَةٍ أَوْ عَقِيْقَةٍ نَشْهَدُهَا؟
فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، وَإِلاَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي صَائِمٌ، وَهُوَ الَّذِي سَنَّ هَذِهِ الحِلَقَ لِلقِرَاءةِ.
وفاته
قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، جَعَلَ يَقُوْلُ:
مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا، مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا.
توفى أَبُو الدَّرْدَاءِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.سنة 32
منقول
عبادة بن الصامت
عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ بنِ قَيْسِ بنِ أَصْرَمَ الأَنْصَارِيُّ
ابْنِ قَيْسِ بنِ أَصْرَمَ بنِ فِهْرِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ غَنْمِ بنِ عَوْفِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفِ بنِ الخَزْرَجِ.
الإِمَامُ، القُدْوَةُ، أَبُو الوَلِيْدِ الأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَمِنْ أَعْيَانِ البَدْرِيِّيْنَ.
سَكَنَ بَيْتَ المَقْدِسِ
بيعة العقبة الأولى
كان ممَنْ شَهِدَ العَقَبَةَ الأُوْلَى: عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، شَهِدَ المَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسَوَلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -.
جمع القرآن
جَمَعَ القُرْآنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَمْسَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مُعَاذٌ، وَعُبَادَةُ، وَأُبَيٌّ، وَأَبُو أَيُّوْبَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ.
فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، كَتَبَ يَزِيْدُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَيْهِ:
إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ كَثِيْرٌ، وَقَدِ احْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُم.
فَقَالَ: أَعِيْنُوْنِي بِثَلاَثَةٍ.
فَقَالُوا: هَذَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ - لأَبِي أَيُّوْبَ - وَهَذَا سَقِيْمٌ - لأُبَيٍّ -.
فَخَرَجَ الثَّلاَثَةُ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ: ابْدَؤُوا بِحِمْصَ، فَإِذَا رَضِيْتُم مِنْهُم، فَلْيَخْرُجْ وَاحِدٌ إِلَى دِمَشْقَ، وَآخَرُ إِلَى فِلَسْطِيْنَ
لا يخاف فى الحق لومة لائم
روى أَنَّ عُبَادَةَ أَنْكَرَ عَلَى مُعَاوِيَةَ شَيْئاً، فَقَالَ: لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ.
فَرَحَلَ إِلَى المَدِيْنَةِ.
قَالَ لهُ عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكَ؟
فَأَخْبَرَهُ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: ارْحَلْ إِلَى مَكَانِكَ، فَقَبَّحَ اللهُ أَرْضاً لَسْتَ فِيْهَا وَأَمْثَالُكَ، فَلاَ إِمْرَةَ لَهُ عَلَيْكَ.
عَنِ ابْنِ عَمِّهِ؛ عُبَادَةَ بنِ الوَلِيْدِ، قَالَ:
كَانَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَأَذَّنَ يَوْماً، فَقَامَ خَطِيْبٌ يَمْدَحُ مُعَاوِيَةَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، فَقَامَ عُبَادَةُ بِتُرَابٍ فِي يَدِهِ، فَحَشَاهُ فِي فَمِ الخَطِيْبِ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ.
فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ: إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا حِيْنَ بَايَعْنَا رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالعَقَبَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَمَكْسَلِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلاَّ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُوْمَ بِالحَقِّ حَيْثُ كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (إِذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِيْنَ، فَاحْثُوا فِي أَفْوَاهِهِمُ التُّرَابَ).
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الشَّامَ وَأَهْلَهُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ إِلَيْكَ، وَإِمَّا أَنْ أُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ رَحِّلْ عُبَادَةَ حَتَّى تَرْجِعَهُ إِلَى دَارِهِ بِالمَدِيْنَةِ.
قَالَ: فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَفْجَأْهُ إِلاَّ بِهِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عُبَادَةُ، مَا لَنَا وَلَكَ؟
فَقَامَ عُبَادَةُ بَيْنَ ظَهْرَانِي النَّاسِ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (سَيَلِي أُمُوْرَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُوْنَكُمْ مَا تُنْكِرُوْنَ، وَيُنْكِرُوْنَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُوْنَ، فَلاَ طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى، وَلاَ تَضِلُّوا بِرَبِّكُمْ).
و روى أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ مَرَّتْ عَلَيْهِ قِطَارَةٌ - وَهُوَ بِالشَّامِ - تَحْمِلُ الخَمْرَ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ أَزَيْتٌ؟
قِيْلَ: لاَ، بَلْ خَمْرٌ يُبَاعُ لِفُلاَنٍ.
فَأَخَذَ شَفْرَةً مِنَ السُّوْقِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَذَرْ فِيْهَا رَاوِيَةً إِلاَّ بَقَرَهَا - وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِذْ ذَاكَ بِالشَّامِ - فَأَرْسَلَ فُلاَنٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَلاَ تُمْسِكُ عَنَّا أَخَاكَ عُبَادَةَ، أَمَّا بِالغَدَوَاتِ، فَيَغْدُو إِلَى السُّوْقِ يُفْسِدُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَتَاجِرَهُمْ، وَأَمَّا بِالعَشِيِّ، فَيَقْعُدُ فِي المَسْجِدِ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إِلاَّ شَتْمُ أَعْرَاضِنَا وَعَيْبُنَا!
قَالَ: فَأَتَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يَا عُبَادَةُ، مَا لَكَ وَلِمُعَاوِيَةَ؟ ذَرْهُ وَمَا حُمِّلَ.
فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَلاَّ يَأْخُذَنَا فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ.
فَسَكَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
روى أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ مَرَّ بِقَرْيَةِ دُمَّرٍ، فَأَمَرَ غُلاَمَهُ أَنْ يَقْطَعَ لَهُ سِوَاكاً مِنْ صَفْصَافٍ عَلَى نَهْرِ بَرَدَى، فَمَضَى لِيَفْعَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
ارْجِعْ، فَإِنَّهُ إِنْ لاَ يَكُنْ بِثَمَنٍ، فَإِنَّهُ يَيْبَسُ، فَيَعُوْدُ حَطَباً بِثَمَنٍ.
وفاته
توفي بِالرَّمْلَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً.
منقول
حمزة بن عبد المطلب
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي (55 ق.هـ ـ 3 هـ)،(567 م-624 م) وهو عم رسول الله ، وأخوه من الرضاعة، كان موصوفاً بالشجاعة والقوة والبأس حتى عُرف أنه أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، يشارك في الحياة الاجتماعية مع سادة قومه في أنديتهم ومجتمعاتهم، ويهوى الصيد والقنص وكل أعمال البطولة والفروسية، شهد وهو ابن اثنين وعشرين عاماً حرب الفجار الثانية بين قومه قريش وحلفائهم وبين قيس وحلفائها، وكان النصر لقريش
أمه
أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشية.
ميلاده وطفولته
ولد في مكة المكرمة قبل عام الفيل بسنتين فهو أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، أرضعتهما ثويبة جارية أبي لهب في فترتين متقاربتين، فنشأ -- وتربى بين قومه بني هاشم سادة قريش ومكة معززاً مكرماً.
إسلامه
كان ترباً لرسول الله وصديقاً له لذا كانت بذور الإسلام موجودة في نفسه ولكن لم يعلن إسلامه إلا في السنة السادسة من البعثة إثر موقف غيره وانتصار لرسول الله ، فقد كان عائداً من الصيد مرة وبلغه أن أبا جهل بن هشام المخزومي لقي النبي عند الكعبة فتعرض له بما يكره وسبّه سباً قبيحاً وآذاه، فغضب وأقبل على أبي جهل بعد أن طاف بالبيت، وضربه على رأسه بقوسه فشجّه شجة منكرة، وقال: (أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول، فاردد علي إن استطعت ؟ ثم مضى إلى رسول الله في دار الأرقم وأعلن إسلامه، ففرح به الرسول والمسلمون فرحاً كبيراً، وعز جانبهم بإسلامه، ولما أسلم عمر بن الخطاب بعده بفترة وجيزة، خرج المسلمون من دار أبي الأرقم بقيادة حمزة وعمر الفاروق وهم يكبرون ويهللون جهاراً نهاراً
حياته في الإسلام
في السنة السابعة من البعثة شارك حمزة قومه بني هاشم وبني المطلب الحصار الذي فرضته عليهم قريش في شِعب أبي طالب وعانوا منه المشقة والعذاب، ولكنهم خرجوا منه في السنة العاشرة وهم أشد قوة وأكثر صلابة
هجرته
ولما أمر النبي المسلمين بالهجرة إلى المدينة، هاجر حمزة مع من هاجر إليها قبيل هجرة النبي بوقت قصير، ونزل فيها على سعد بن زرارة من بني النجار، وآخى الرسول بينه وبين زيد بن حارثة مولى رسول
جهاده
وبعد مرور سبعة شهور على الهجرة النبوية عقد رسول أول لواء لحمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين لاعتراض عير قريش القادمة من الشام إلى مكة المكرمة بقيادة أبي سفيان بن اميه في ثلاثمائة رجل، ولم يحصل بين الطرفين قتال، إذ حجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفاً للطرفين.
شهد مع النبي غزوة ودّان -قرية قريبة من الجحفة بين مكة والمدينة- وحمل لواء الغزوة. وظهرت بطولته في معركة بدر الكبرى التي وقعت في رمضان من السنة الثانية للهجرة حيث اختاره الرسول مع عبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب لمبارزة فرسان كفار قريش: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فبارز حمزة شيبة وقتله وشارك الآخرين في قتل عتبة، كما قتل عدداً آخر من أبطال قريش منهم طعيمة بن عدي، وأبلى بلاء حسناً، وقاتل بسيفين، وكان يعلّم نفسه بريشة نعامة في صدره، وقال عنه أمية بن خلف أحد سادة قريش قبل أن يقتله المسلمون ذلك فعل بنا الأفاعيل، وقد كان حمزة بحق بطل غزوة بدر الكبرى، وبعد معركة بدر وفي شهر شوال من السنة الثانية للهجرة كان حمزة حاملاً لواء النبي لغزو يهود بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة، وقد تجلت بطولته وشجاعته بشكل كبير في معركة أحد التي حدثت في شهر شوال سنة 3هـ، وأبلى فيها بلاء عظيماً، وقتل أكثر من ثلاثين شخصاً من الكفار، وكان يقاتل بين يدي رسول بسيفين كأنه الجمل الأورق
استشهاده
استشهد حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد.
قتله وحشي الحبشي، ولقتله قصة ذكرها وحشي حيث كان غلاماً لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر كما ذكر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال جبير لوحشي (إن قتلت حمزة عم محمد، فأنت عتيق)، فخرج وحشي مع الناس، وكان رجلاً حبشياً يقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما يخطئ، قال وحشي: (والله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يبقي به شيئاً مثل الجمل الأورق) إذ تقدمني إليه سبّاع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلمّ إليّ يا ابن مقطعة البظور، فضربه ضربة فقتله، وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في أسفل بطنه، حتى خرجت من بين رجليه وقضت عليه.
ثم إن نسوة من قريش ومنهن هند بنت عتبة التي قُتل أبوها وأخوها في معركة بدر مثّلن في جثته وبقرن بطنه، وأكلت هند كبده فلم تستسغه فلفظته.
لما وقف عليه رسول ورآه قتيلاً بكى، فلما رأى ما مُثِّل به شهق وقال (رحمك الله أي عم، فلقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات)، وقال أيضاً (لن أصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً أغيظ إليَّ من هذا) ثم قال: (لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع)، ثم أمر بالقتلى، فجعل يصلي عليهم بسبع تكبيرات ويرفعون ويترك حمزة، ثم يُجاء بسبعة فيكبر عليهم سبعاً حتى فرغ منهم، وقال بحقه (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب)
وكان استشهاد حمزة في منتصف شهر شوال سنة 3 هـ (624م) وله من العمر نحو (58سنة) ثم أمر رسول بحمزة فدفن في موقع المعركة في بطن جبل أحد ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وقبرهما معروف حتى اليوم وتسمى المنطقة منطقة سيد الشهداء، ولما رجع رسول من أحد إلى المدينة سمع بعض نساء الأنصار يبكين شهداءهن، فقال: (لكن حمزة لا بواكي له) فاجتمع نساء وبكين حمزة ولما أطلن البكاء قال : (مروهنّ لا يبكين على هالك بعد اليوم).
وكانت السيدة فاطمة الزهراء تأتي قبر حمزة .. ترمه وتصلحه
رثاؤه
رثاه عدد من الشعراء منهم عبد الله بن رواحة الذي يقول فيه:
بكت عينـي وحق لها بكاها ... وما يغني البكـاء ولا العويـل
على أسد الإله غـداة قالـوا ... أحـمزة ذاكـم الـرجل القتيــل
أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول
منقول
العباس بن عبد المطلب
هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكنى أبا الفضل
وأمه نتيلة بنت جناب بن كليب، وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج، وسببه أن العباس ضاع وهو صغير، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته ففعلت. له أحد عشر أخاً وست أخوات. وقد ولد للعباس عشرة من الذكور ماعدا الإناث.
ولد في مكة قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين أو ثلاثة
حاله في الجاهلية
السقاية:
كانت السقاية لبني هاشم، وكان أبو طالب يتولاها، فلما اشتد الفقر بأبي طالب، أسند السقاية إلى أخيه العباس، وكان من أكثر قريش مالاً، فقام بها. وعليه كانت عمارة المسجد (وهي أن لا يدع أحداً يسب في المسجد الحرام). وكان نديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب
مواقفه قبل إعلان إسلامه
شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، وأخرج إلى بدر مكرهاً مثل غيره من بني هاشم، فأسر وشد وثاقه، وسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم، فقالوا: مايسهرك يا نبي الله؟ قال: أسهر لأنين العباس، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بالأسرى كلهم، وفدى نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفه عتبة بن عمرو، وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداءً، لأنه كان رجلاً موسراً فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب
عمره عند الإسلام
ولد في مكة قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين أو ثلاثة، وتوفي في المدينة المنورة قبيل مقتل عثمان، عام اثنين وثلاثين للهجرة، وعمره ثمان وثمانين، وصلى عليه عثمان رضي الله عنهما، ودفن في البقيع
قصة إسلامه ومن الذي دعاه إلى الإسلام
لم يعلن العباس -رضي الله عنه إسلامه - إلا عام الفتح ، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه ممن تأخر إسلامهم ، بيد أن روايات أخرى من التاريخ توحي أنه كان من المسلمين الأوائل ولكن كتم إسلامه ، فيقول أبو رافع خادم الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أمُّ الفضل ، وأَسْلَمْتُ ، وكان العباس يكتم إسلامه )...
فكان العباس إذا مسلماً قبل غزوة بدر ، وكان مقامه بمكة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-وصحبه خُطَّة أدت غايتها على خير نسق، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس ، ولكنها لم تجد عليه سبيلا وظاهره على مايرضون من منهج ودين ، كما ذُكِرَ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر العباس بالبقاء في مكة :(إن مُقامك مُجاهَدٌ حَسَنٌ )فأقام بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم
بيعة العقبة
وفي بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار ، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان ، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم ، وليتفقوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة الى المدينة ، أنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله ، فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال :( يا معشر الخزرج ، إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده )000وكان العباس يلقـي بكلماتـه وعيناه تحدقـان في وجـوه الأنصار وترصـد ردود فعلهم000
كما تابع الحديث بذكاء فقال :(صفوا لي الحـرب،كيف تقاتلون عدوكم؟)فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك ، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب ، وأجابه على الفور عبد الله بن عمرو بن حرام :( نحن والله أهل الحرب ، غُذينا بها ومُرِنّا عليها ، وورِثناها عن آبائنا كابرا فكابرا ، نرمي بالنبل حتى تفنى ، ثم نطاعن بالرماح حتى تُكسَر ، ثم نمشي بالسيوف فنُضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا )00وأجاب العباس: ( أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع ؟)000قالوا :( نعم ، لدينا دروع شاملة )000ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة000
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذكُر بالمدينة ليلة العقبة فيقول : ( أيِّدتُ تلك الليلة ، بعمّي العبّاس ، وكان يأخذ على القومِ ويُعطيهم )
أهم ملامح شخصيته
كان العباس جوّادا، مفرط الجود، حتى كأنه للمكرم عمّها أو خالها..!!
وكان وصولا للرحم والأهل، لا يضنّ عليهما بجهد ولا بجاه، ولا بمال...
وكان الى هذه وتلك، فطنا الى حدّ الدهاء، وبفطنته هذه التي تعززها مكانته الرفيعة في قريش، استطاع أن يدرأ عن الرسول عليه الصلاة والسلام حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
لم تكن قريش تخفى شكوكها فى نوايا العباس ولكنها أيضا لم تكن تجد سبيلا لمحادته حتى إذا جاءت غزوة بدر رأتها قريش فرصة لكى تختبر بها حقيقة العباس. ويلتقى الجمعان فى غزوة بدر، وينادى الرسول(صلى الله عليه وسلم ) فى أصحابه قائلا:" إن رجالا من بنى هاشم ومن غير بنى هاشم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدهم فلا يقتله، من لقى أبا البخترى بن هشام فلايقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فأنما أخرج مستكرها". وقد أسر العباس فيمن أسر يوم بدر،وكان أسره على يد أبو اليسر كعب بن عمرو وقد طلب منه الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أن يفدى نفسه وذويه فرفض العباس وقال:"إنى كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهونى " قال :"الله أعلم بشأنك، إن يك ما تدعى حقا فالله يجزيك بذلك وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فأفد نفسك". وبعثت له أم الفضل من مكة بالفدية فأطلق الرسول صلى الله عليه وسلم سراحه
ـ ويجئ يوم حنين ليؤكد فدائية العباس، كان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والإستبسال، فبينما كان المسلمون مجتمعين فى أحد أودية" تهامة" ينتظرون مجئ عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا لهم فى شعابه شاحذين أسلحتهم، وعلى حين غفلة أنقضوا على المسلمين فى مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا وكان حول النبى ساعتئذ أبى بكر، وعمر، وعلى، والعباس وبعض الصحابة، ولم يكن العباس بجواره فقط بل كان بين قدميه آخذا بخطام بغلته،يتحدى الموت والخطر.. وأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصرخ فى الناس، وكان جسيما جهورى الصوت،فراح ينادى:" يا معشر الأنصار، ياأصحاب البيعة" فردوا "لبيك لبيك" وانقلبوا راجعين جميعا بعد أن شتتهم هجوم المشركين المفاجئ وقاتلوا وثبتوا فنصرهم الله
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
وقال الواقدي في روايته: لما كان عام الرمادة، وهو عام الجدب سنة ثماني عشرة، استسقى عمر بن الخطاب بالعباس وقال: اللهم إنا كنا نستسقيك بنبينا إذا قحطنا، وهذا عمه بين أظهرنا ونحن نستسقيك به، فلم ينصرف حتى أطبق السحاب، قال: وسقوا بعد ثلاثة أيام، وكان عام الرمادة الذي كان فيه طاعون عمواس بالشام
ومع عمر: بعد وفاة أبا بكر بايع المسلمون والعباس عمر , ومن مواقف العباس مع عمر رضي الله عنهما، أنه لما كثر المسلمون فى عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشتري عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس وحجر أمهات المؤمنين . فقال عمر للعباس : يا اباالفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع بها علي المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها و أما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين ،فقال العباس : ما كنت لأفعل، فقال له عمر : إختر مني إحدي ثلاث ،إما ان تبعنيها ، وإما ابني لك غيرها من بيت مال المسلمين ، وإما أن تصدق بها علي المسلمين . فقال العباس :لا ولاواحدة منها ، فقال عمر : اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب . فانطلقا إلي أبي فقص عليه القصه ، فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله أوحي إلي داود عليه السلام أن ابن لي بيتا أذكر فيه فخط له هذه الخطه خطه بيت المقدس فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل فسأله داود أن يبيعه إياها فأبي فحدث داود نفسه أن يأخذه منه فأوحي الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأني الغصب وأن عقوبتك ألا تبنيه ، قال: يا رب فمن ولدي ؟ قال : من ولدك".قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أبى بن كعب وقال: جئتك بشئ فجئت بما هو أشد منه، لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم أبو ذر فقال: إنى نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره.فقال أبوذر : أنا سمعته، وقال آخر:أنا سمعته يعنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :فأرسل عمر أبيا،وأقبل أبى على عمر فقال: يا عمر أتتهمنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر لا والله ما اتهمتك عليه ولكنى كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا. وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك فى دارك.فقال العباس: أما إذ فعلت فإنى قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم فى مسجدهم. فأما وأنت تخاصمنى فلا. وبنى عمر لهم بيتا جديدا من بيت مال المسلمين. ولما احتضر عمر بعد أن طعن أمر مهيبا أن يصلى بالناس ثلاثة أيام وأمره أن يجعل للناس طعاما فيطعموا(حتى يستخلفوا إنسانا) فلما رجعوا من الجنازة جئ بالطعام ووضعت الموائد فأمسك الناس عنها(حزنا على عمر) فقال العباس: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد مات فأكلنا بعده وشربنا، ومات أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لابد من الأجل فكلوا من هذا الطعام. ثم مد العباس يده فأكل، ومد الناس أيديهم فأكلوا
ودخل عليه عثمان بن عفان على، وكان العباس خال أمه أروى بنت كريز فقال: يا خال أوصني، فقال: أوصيك بسلامة القلب، وترك مصانعة الرجال في الحق، وحفظ اللسان، فإنك متى تفعل ذلك ترضى ربك وتصلح لك رعيتك
أثره في الأخرين (دعوته ـ تعليمه)
ويقول العباس لعبد الله بن العباس ناصحاً: يا بني إن الله قد بلغك شرف الدنيا فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك واحرز لسانك إلا مما لك
بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم : عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا
بعض كلماته
قيل للعباس أنت أكبر أم رسول الله، فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله
قال العباس: أنا أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث، ولده عام الفيل وولدت قبل الفيل بثلاث سنين
ـ قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقربه: يا بني لا تكذبه فيطرحك، ولا تغتب عنده أحدا فيمقتك، ولا تقولن له شيئا حتى يسألك، ولا تفشين له سرا فيزدريك، ويقال أنه قال له: إن هذا الرجل قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا
في يوم حنين يقول العباس
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعـوا
يعني بالسبعة: نفسه، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا رافع مولى رسول الله، وأيمن بن عبيد أخا أسامة لأمه أم أيمن، ويقال إن السابع مكان أيمن بعض ولد الحارث بن عبد المطلب، ويقال إنهم: العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والزبير بن العوام، وأسامة بن زيد، وبنو الحارث يقولون: إن جعفر بن أبي سفيان شهد حنينا أيضا
الوفاة
وعن عباس بن عبد الله بن معبد، قال : حضر غسله عثمان . وغسله علي وابن عباس وأخواه : قثم ، وعبيد الله . وحَدَّتْ نساء بني هاشم سنة زهير بن معاوية، عن ليث، عن مجاهد، عن علي بن عبد الله ابن عباس أن العباس أعتق سبعين مملوكا عند موته
وفي " مستدرك " الحاكم، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجل العباس إجلال الوالد. ولعبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا : " العباس مني وأنا منه " عبد الأعلى الثعلبي، لين
وكانت وفاته في يوم الجمعة لأربع عشرة سنة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين
ودفن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في البقيع
بتصرف
الصحابي الجليل (عبد الله بن عباس )
هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة إذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا فقالت له ميمونة وضع لك عبد الله بن العباس وضوءا فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه
كان جميلا أبيض طويلا، مشربا صفرة جسيما وسيما، صبيح الوجه فصيحا
عن مسروق أنه قال: كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس
وهو حبر هذه الأمة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: (.. وإن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس ) وسماه التابعون ( ترجمان القرآن ) فعن شقيق قال: خطب بن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسر فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله لو سمعته فارس والروم لأسلمت
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا " قط " سأله إلا وجد عنده علما
و عن أبي صالح قال: لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرا، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته كأنهم على بابه فقال لي: ضع لي وضوءا قال: فتوضأ وجلس وقال لي: أخرج وقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه أن يدخل، قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، قال: فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم قال: فخرجوا ثم قال لي: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل فخرجت فقلت لهم، قال: فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم، قال: فخرجوا ثم قال لي: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل، قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم قال: فخرجوا ثم قال لي: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، قال: فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، قال أبو صالح: فلو أن قريشا كلها فخرت بذلك لكان فخرا لها، قال: فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس
ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم
عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: أمرني العباس رضي الله عنه قال بت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فانطلقت إلى المسجد، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة حتى لم يبق في المسجد أحد غيره قال: ثم مر بي فقال: من هذا؟ فقلت: عبد الله قال: فمه؟ قلت: أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة قال: فالحق فلما دخل قال: أفرشوا لعبد الله قال: فأتيت بوسادة من مسوح قال: وتقدم إلي العباس أن لا تنامن حتى تحفظ صلاته قال: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام حتى سمعت غطيطه، قال: ثم استوى على فراشه فرفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها: (إن في خلق السماوات والأرض..) ثم قام فبال ثم استن بسواكه ثم توضأ ثم دخل مصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين، قال: فصلى ثم أوتر فلما قضى صلاته سمعته يقول: اللهم اجعل في بصري نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في لساني نورا واجعل في قلبي نورا واجعل عن يميني نورا واجعل عن شمالي نورا واجعل أمامي نورا واجعل من خلفي نورا واجعل من فوقي نورا واجعل من أسفل مني نورا واجعل لي يوم لقاءك نورا وأعظم لي نورا
في مجلس الفاروق
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دعاني معهم، فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر ما قد علمتم؛ فالتمسوها في العشر الأواخر، ففي أي الوتر ترونها؟ فقال بعضهم: تاسعه، وقال بعضهم: سابعه وخامسه وثالثه، فقال: مالك يا بن عباس لا تتكلم؟ قلت: إن شئت تكلمت، قال: ما دعوتك إلا لتكلم، فقال: أقول برأي؟ فقال: عن رأيك أسألك، فقلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى أكثر ذكر السبع فقال: السماوات سبع والأرضون سبع، وقال: إنا شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا، فالحدائق ملتف وكل ملتف حديقة، والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس، فقال عمر رضي الله عنه: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه؟ ثم قال: إني كنت نهيتك أن تكلم فإذا دعوتك معهم فتكلم
حرصه على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له بن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا، فقال بن عباس: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] فقال معاوية: صدقت
وروى أن عبد الله بن صفوان بن أمية مر يومًا بدار عبد الله بن عباس بمكة فرأى جماعة من طالبي الفقه، ومر بدار عبيد الله بن عباس فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير فقال له: أصبحت والله كما قال الشاعر
فإن تصبك من الأيام قارعة... لم نبك منك على دنيا ولا دين
قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس أحدهما يفقه الناس والآخر يطعم الناس؛ فما أبقيا لك مكرمة، فدعا عبد الله بن مطيع وقال: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين: اخرجا عني أنتما ومن أصغى إليكما من أهل العراق وإلا فعلت وفعلت، فقال عبد الله بن عباس لابن الزبير: والله ما يأتينا من الناس إلا رجلان: رجل يطلب فقها، ورجل يطلب فضلا، فأي هذين تمنع
في مجلس معاوية
عن ربعي بن حراش قال: استأذن عبد الله بن عباس على معاوية وقد تحلفت عنده بطون قريش وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلما نظر إليه معاوية قال: يا سعيد، والله لألقين على بن عباس مسائل يعيى بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل بن عباس يعيى بمسائلك، فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تاليا وعن الميل نائيا، وعن الفحشاء ساهيا وعن المنكر ناهيا، وبدينه عارفا ومن الله خائفا، وعن المهلكات جانفا وبالليل قائما وبالنهار صائما، ومن دنياه سالما وعلى عدل البرية عازما وبالمعروف آمرا وإليه صابرا، وفي الأحوال شاكرا ولله في الغدو والآصال ذاكرا، ولنفسه بالمصالح قاهرا، فاق وراق أصحابه ورعا وكفافا وزهدا وعفافا وبرا وحياطة وزهادة وكفاية؛ فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم القيامة
قال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام ومأوى الأيتام ومحل الإيمان، وملاذ الضعفاء ومعقل الحنفاء، للخلق حصنا وللناس عونا، قام لحق الله صابرا ومحتسبا حتى أظهر الله به الدين وفتح الديار، وذكر الله في الأقطار والمناهل وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع، وعند الخنا وقورا وفي الرخاء والشدة شكورا ولله في كل وقت وآناء ذكورا، فأعقب الله من تنقصه اللعنة إلى يوم الحسرة
قال معاوية: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة وأصبر القراء، هجادا بالأسحار كثير الدموع عند ذكر الله، دائم الفكر فيما يعنيه الليل والنهار، نهاضا إلى كل مكرمة سعاء إلى كل منجية فرارا من كل موبقة، وصاحب الجيش والبئر وختن المصطفى على ابنتيه؛ فأعقب الله من سبه الندامة إلى يوم القيامة
قال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى وكهف التقى، ومحل الحجا وطود النهى ونور السرى في ظلم الدجى، وداعية إلى الحجة العظمى، عالما بما في الصحف الأولى، وقائما بالتأويل والذكرى متعلقا بأسباب الهدى وتاركا للجور والأذى، وحائدا عن طرقات الردى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأفضل من حج وسعى، وأسمح من عدل وسوى، وأخطب أهل الدنيا إلا الأنبياء والنبي المصطفى وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحد؟ وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تر عيني مثله ولا ترى حتى القيامة واللقاء؛ فمن لعنه فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة
قال: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمة الله عليهما، كانا والله عفيفين مسلمين برين طاهرين مطهرين، شهيدين عالمين زلازلة، والله غافر لهما إن شاء الله بالنصرة القديمة والصحبة القديمة والأفعال الجميلة، قال معاوية: فما تقول في العباس: قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو رسول الله وقرة عين صفي الله، لهم الأقوام وسيد الأعمام، قد علاه بصر بالأمور ونظر في العواقب، قد زانه علم قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنساب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دب وهب؟ عبد المطلب أفخر من مشي من قريب وركب
قال معاوية: فلم سميت قريشا؟ قال: بدابة تكون في البحر هي أعظم دواب البحر خطرا، لا يظفر بشيء من دواب البحر إلا أكلته؛ فسميت قريش لأنها أعظم العرب فعالا، فقال: هل تروي في ذلك شيئا؟ فأنشده قول الجمحي:
وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تترك فيها لذي جناحين ريشا
هكذا في الكتاب حي قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموش
علا الأرض خيله ورجاله يحشرون المطي حشرا كميشا
قال معاوية: صدقت يا بن عباس، أشهد أنك لسان أهل بيتك، فلما خرج بن عباس من عنده قال لمن عنده: ما كلمته قط إلا وجدته مستعدا
عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال سعيد: يا بن عباس، إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، فقد وقع في صدري، فقال بن عباس: تكذيب؟ فقال الرجل: ما هو بتكذيب ولكن اختلاف، قال بن عباس: فهلم ما وقع في نفسك، فقال له الرجل: أسمع الله يقول: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، وقال في آية أخرى: (ولا يكتمون الله حديثا)، وقال في آية أخرى: (والله ربنا ما كنا مشركين)؛ فقد كتموا في هذه الآية، وفي قوله: (والسماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها) فذكر في هذه الآية خلق السماوات قبل خلق الأرض، ثم قال في هذه الآية الأخرى: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق السماوات والأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق السماء، وكان الله غفورا رحيما وكان الله عزيزا حكيما وكان الله سميعا بصيرا؛ فكأنه كان ثم مضى
فقال ابن عباس: هات ما في نفسك، قال السائل: إذا أنباتني بهذا فحسبي، فقال بن عباس: قوله: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) فهذا في النفخة الأولى؛ ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فأما قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) وقوله: (ولا يكتمون الله حديثا) فإن الله عز وجل يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركا، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فقالوا نقول: إنما كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله عز وجل: أما إذ كتمتم الشرك فاختموا على أفواههم فختم على أفواههم؛ فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا؛ فعند ذلك يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا
وأما قوله: (والسماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها) فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم نزل إلى الأرض فدحاها، ودحاها أن أخرج فيها الماء والمرعى وشق فيها الأنهار؛ فجعل فيها السبل وخلق الجبال والرمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها)
وقوله: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وجعلت السماوات في يومين، وأما قوله: (وكان الله غفورا رحيما) (وكان الله عزيزا حكيما) (وكان الله سميعا بصيرا)؛ فإن الله عز وجل سمى نفسه ذلك ولم ينحله غيره، وكان الله إي لم يزل كذلك، ثم قال للرجل: احفظ عني ما حدثتك، واعلم أنما أختلف عليك من القرآن أشياء ما حدثتك؛ فإن الله عز وجل لم ينزل شيئا إلا قد أصاب به الذي أراد ولكن الناس لا يعلمون؛ فلا يختلفن عليك فإن كلا من عند الله
عن بن عباس رضي الله عنهما قال: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا، ثم التفت فقال: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه؛ فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر؛ فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا، واعلم أن مع الصبر النصر، واعلم أن مع الكرب الفرج، واعلم أن مع العسر اليسر
من أقواله
عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت بن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوما وكان من الراسخين في العلم عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة
و عن ان عباس قال: إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو بك فقل: الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السماوات السبع أن تقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والأنس، إلهي كن لي جارا من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك، ثلاث مرات
وهو القائل في ذلك فيما روي عنه من وجوه:
إن يأخذ الله من عيني نورهم... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل... وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وفاتـه
عن سعيد بن جبير قال: توفى بن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طير لم ير على خلقته ودخل في نعشه، فنظرنا وتأملنا هل يخرج فلم ير أنه خرج من نعشه، فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر ولا يدري من تلاها: [يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي] قال: وذكر إسماعيل بن علي وعيسى بن علي أنه طير أبيض.
توفى عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وثمانين سنة رضي الله عنه
بتصرف
ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم
مقدمة
ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله أصح وهو ثوبان بن بجدد من أهل السراة والسراة موضع بين مكة واليمن وقيل إنه من حمير وقيل إنه حكمي من حكم بن سعد العشيرة أصابه سباء فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وقال له: " إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم وإن شئت أن تكون منا أهل البيت " فثبت على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا...
وكان ثوبان رجلا من أهل اليمن ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأعتقه وله نسب في اليمن
مواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عن ثوبان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "أصلح هذا اللحم" قال فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
كان ثوبان رضي الله عنه من أكثر الناس تأثرا بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أنه رضي الله عنه حظِي بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم فكان قريبًا منه، وعظيم النفع بصحبته
الرسول يعلمه التعفف
روى أبو داود بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يتكفل لي أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة؟" فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئاً
أهم ملامح شخصيته
استغناؤه عن الناس
كان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه، حتى ينزل فيتناوله
حرصه على تعليم الغير حتى في مرضه
لما بعث الأمير أن يزوره وكان مريضاً ولما أراد الأمير الخروج أخذ ثوبان بردائه وقال له أجلس حتى أحدثك"
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفاً
بعض الأحاديث التي نقلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم
روى مسلم بسنده عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة قال معدان ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال لي ثوبان
وروى مسلم أيضًا بسنده أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به
وعنه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار قال تقول أستغفر الله أستغفر الله
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن" فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت
أثره في الآخرين
قال ابن عبد البر:
كان ثوبان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى ما وعى وروى عنه جماعة من التابعين منهم جبير بن نفير الحضرمي وأبو إدريس الخولاني وأبو سلام الحبشي وأبو أسماء الرحبي ومعدان بن أبي طلحة وراشد بن سعد وعبد الله بن أبي الجعد وغيرهم...
وكان رضي الله عنه وأرضاه ممن شهدوا فتح مصر
وفاته
خرج إلى الشام ونزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وتوفى بها سنة أربع وخمسين
بتصرف
عمر بن الخطاب
أحد العشرة المبشرين بالجنة
الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد
بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة
والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه
قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم000وأصبح الصحابي
العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين
اسلامه
أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة :( دلوني على محمد )
وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح :( يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب )000فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟)000وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )
ومضى عمر الى مصيره العظيم000ففي دار الأرقم خرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب )000فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )000
وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك )000وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل
لسان الحق
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه ) 000كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- :( لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر )000 وزاد زكرياء بن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:( لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر )000قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:( من نبي ولا محدث )
قوة الحق
كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، فقد استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده نسوة من قريش ، يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخل عمر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحك ، فقال عمر :( أضحك الله سنك يا رسول الله )000فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال عمر :( فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله )000ثم قال عمر :( يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)000فقلن :( نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)000فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( إيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غيرفجك )
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي )000فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه
عمر في الأحاديث النبوية
رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه )( الحق بعدي مع عمـر حيث كان ) 000( لو كان بعدي نبيّ لكان عمـر بن الخطاب )( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه )( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال ، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك )فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب )قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟) قال :( العلم )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه )قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله قال :( الدين )
خلافة عمر
رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم
أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم )ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليـت من جهـد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفـت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا )فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا)000وبايعوه سنة ( 13 هـ )
انجازاته
استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمةلهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)
فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها
وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة
الفتوحات الإسلامية
لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّوقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )
استشهاده
كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك)وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدةودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة
بتصرف
عثمان بن عفان
نسبه
هو عثمان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب. يجتمع نسبه مع الرسول ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في الجد الخامس من جهة أبيه. عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهو قرشي أموي يجتمع هو والنبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في عبد مناف، وهو ثالث الخلفاء الراشدين.
وأمه أروى بنت كريز وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب عمة الرسول ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ
ويقال لعثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ: (ذو النورين) لأنه تزوج رقية، وأم كلثوم، ابنتيَّ النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ. ولا يعرف أحد تزوج بنتيَّ نبي غيره
اسلامه
أسلم عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ في أول الإسلام قبل دخول رسول اللَّه دار الأرقم، وكانت سنِّه قد تجاوزت الثلاثين، دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم، ولما عرض أبو بكر عليه الإسلام قال له: ويحك يا عثمان واللَّه إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع؟ فقال: بلى، واللَّه إنها كذلك، قال أبو بكر: هذا محمد بن عبد اللَّه قد بعثه اللَّه برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه؟ فقال: نعم.
وفي الحال مرَّ رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ فقال: (يا عثمان أجب اللَّه إلى جنته فإني رسول اللَّه إليك وإلى جميع خلقه). قال : فواللَّه ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمد رسول عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية. وكان يقال: أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان. كان زواج عثمان لرقية بعد النبوة لا قبلها،
زواجه من ابنتى رسول الله
رقية بنت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأمها خديجة، وكان رسول اللَّه قد زوَّجها من عتبة بن أبي لهب، وزوَّج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ). قال لهما أبو لهب وأمهما ـ أم جميل بنت حرب(حمالة الحطب) فارقا ابنتَي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من اللَّه تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب، فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولدًا فسماه: "عبد اللَّه"، وكان عثمان يُكنى به ولما سار رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إلى بدر كانت ابنته رقية مريضة، فتخلَّف عليها عثمان بأمر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فتوفيت يوم وصول زيد بن حارثة
زوجته أم كلثوم
بنت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأمها خديجة، وهي أصغر من أختها رقية، زوَّجها النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ من عثمان بعد وفاة رقية، وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولدًا، وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم
وروى سعيد بن المسيب أن النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ رأى عثمان بعد وفاة رقية مهمومًا لهفانا. فقال له: ما لي أراك مهمومًا ؟
فقال: يا رسول اللَّه وهل دخل على أحد ما دخل عليَّ ماتت ابنة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ التي كانت عندي وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: (هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن اللَّه عز وجل أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها، وعلى مثل عشرتها)
صفاته
وكان ـ رضي اللَّه عنه ـ أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمور لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته، وكان شديد الحياء، ومن كبار التجار.
أخبر سعيد بن العاص أن عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ وعثمان حدثاه: أن أبا بكر استأذن النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف.
ثم استأذن عليه عثمان فجلس وقال لعائشة: (اجمعي عليك ثيابك) فقضى إليه حاجته، ثم انصرف.
قالت عائشة: يا رسول اللَّه لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان! قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال لا يُبلغ إليّ حاجته
وقال الليث: قال جماعة من الناس: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة
و كان لا يوقظ نائمًا من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم ، ويلي وضوء الليل بنفسه. فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال: لا، الليل لهم يستريحون فيه. وكان ليَّن العريكة، كثير الإحسان والحلم. قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: ( أصدق أمتي حياءً عثمان )
وهو أحد الستة الذين توفي رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو عنهم راضٍ، وقال عن نفسه قبل قتله: "واللَّه ما زنيت في جاهلية وإسلام قط".
تبشيره بالجنة
قال: كنت مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في حديقة بني فلان والباب علينا مغلق إذ استفتح رجل فقال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة فقمت، ففتحت الباب فإذا أنا بأبي بكر الصدِّيق فأخبرته بما قال رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فحمد اللَّه ودخل وقعد،
ثم أغلقت الباب فجعل النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ينكت بعود في الأرض فاستفتح آخر فقال: يا عبد اللَّه بن قيس قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة، فقمت، ففتحت، فإذا أنا بعمر بن الخطاب فأخبرته بما قال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فحمد اللَّه ودخل، فسلم وقعد، وأغلقت الباب
فجعل النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ينكت بذلك العود في الأرض إذ استفتح الثالث الباب فقال النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى تكون فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، ثم قال: الله المستعان
بيعة الرضوان
في الحديبية دعا رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول اللَّه إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فدعا رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظَّمًا لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ. فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل،ولما لم يكن قتل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ محققًا، بل كان بالإشاعة بايع النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عنه على تقدير حياته. وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، وإنما بايع القوم أخذًا بثأر عثمان جريًا على ظاهر الإشاعة تثبيتًا وتقوية لأولئك القوم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال: اللَّهم هذه عن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك
اختصاصة بكتابة الوحى
عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فإن الناس قد شتموه فقالت: لعن اللَّه من لعنه، فواللَّه لقد كان عند نبي اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وأن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لمسند ظهره إليَّ، وأن جبريل ليوحي إليه القرآن، وأنه ليقول له: اكتب يا عثيم فما كان اللَّه لينزل تلك المنزلة إلا كريمًا
على اللَّه ورسوله. أخرجه أحمد وأخرجه الحاكم وقال: قالت: لعن اللَّه من لعنه، لا أحسبها قالت: إلا ثلاث مرات، لقد رأيت رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وهو مسند فخذه إلى عثمان، وإني لأمسح العرق عن جبين رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وأن الوحي لينزل عليه وأنه ليقول: اكتب يا عثيم، فواللَّه ما كان اللَّه لينزل عبدًا من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريمًا
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كَاتبَ سر رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم
جيش العسرة
يقال لغزوة تبوك غزوة العُسرة، مأخوذة من قوله تعالى: ِ لَقَد تَّابَ الله عَلَىالنَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة
ندب رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وأمر الناس بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصدِّيق ـ رضي اللَّه عنه ـ، فجاء بماله كله 40.4000 درهم فقال له ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ: هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ قال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله. وجاء عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ بنصف ماله فسأله: هل أبقيت لهم شيئًا؟ قال: نعم، نصف مالي
وجهَّز عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ ثلث الجيش جهزهم بتسعمائة وخمسين بعيرًا وبخمسين فرسًا. قال ابن إسحاق: أنفق عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. وقيل: جاء عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العُسرة فنثرها في حجر رسول اللَّه فقبلها في حجر وهو يقول: ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم. وقال رسول اللَّه: من جهز جيش العُسرة فله الجنة
توسعة المسجد النبوى
كان المسجد النبوي على عهد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ مبنيًَّا باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وزاد فيه عمرًا وبناه على بنائه في عهد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب
الخلافة
لقد كان عثمان بن عفان أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لخلافته فقد أوصى بأن يتم اختيار أحد ستة :(علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) في مدة أقصاها ثلاثة أيام من وفاته حرصا على وحدة المسلميـن ، فتشاور الصحابـة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان -رضي الله عنه- وبايعـه المسلمون في المسجد بيعة عامة سنة ( 23 هـ ) ، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين
استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها الكثير من الأعمال: نَسْخ القرآن الكريم وتوزيعه على الأمصار, توسيع المسجد الحرام, وقد انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية
الفتوحات
فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص ، ثم إصطخر الآخرة وفارس الأولى ، ثم خو وفارس الآخرة ثم طبرستان ودرُبُجرْد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات البيزنطيين
الفتنة
في أواخر عهده ومع اتساع الفتوحات الاسلامية ووجود عناصر حديثة العهد بالاسلام لم تتشرب روح النظام والطاعة ، أراد بعض الحاقدين على الاسلام وفي مقدمتهم اليهود اثارة الفتنة للنيل من وحدة المسلمين ودولتهم ، فأخذوا يثيرون الشبهات حول سياسة عثمان -رضي الله عنه- وحرضوا الناس في مصر والكوفة والبصرة على الثورة ، فانخدع بقولهم بعض من غرر به ، وساروا معهم نحو المدينة لتنفيذ مخططهم ، وقابلوا الخليفة وطالبوه بالتنازل ، فدعاهم الى الاجتماع بالمسجد مع كبار الصحابة وغيرهم من أهل المدينة ، وفند مفترياتهم وأجاب على أسئلتهم وعفى عنهم ، فرجعوا الى بلادهم لكنهم أضمروا شرا وتواعدوا على الحضور ثانية الى المدينة لتنفيذ مؤامراتهم التي زينها لهم عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل والذي تظاهر بالاسلام
استشهاده
وفي شـوال سنة ( 35 ) من الهجرة النبوية ، رجعت الفرقة التي أتت من مصر وادعوا أن كتابا بقتل زعماء أهل مصر وجدوه مع البريد ، وأنكر عثمان -رضي الله عنه- الكتاب لكنهم حاصروه في داره ( عشرين أو أربعين يوماً ) ومنعوه من الصلاة بالمسجد بل ومن الماء ، ولما رأى بعض الصحابة ذلك استعـدوا لقتالهم وردهم لكن الخليفة منعهم اذ لم يرد أن تسيل من أجله قطرة دم لمسلم ، ولكن المتآمريـن اقتحموا داره من الخلف ( من دار أبي حَزْم الأنصاري ) وهجموا عليه وهو يقـرأ القـرآن وأكبت عليه زوجـه نائلـة لتحميه بنفسها لكنهم ضربوها بالسيف فقطعت أصابعها ، وتمكنوا منه -رضي الله عنه- فسال دمه على المصحف ومات شهيدا في صبيحة عيد الأضحى سنة ( 35 هـ ) ، ودفن بالبقيع000وكان مقتله بداية الفتنة بين المسلمين الى يومنا هذا0
بتصرف
أبو بكر الصديق
هو عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ القرشيّ التيميّ. يلتقي مع رسول اللّه في مُرَّة بن كعب.
أبو بكر الصديق بن أبي قُحَافة.
وأمه أم الخير سَلْمَى بنت صخر وهي ابنة عم أبي قحافة.
أسلم أبو بكر ثم أسلمت أمه بعده، وصحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
أبو بكر العتيق الصديق
لقب عَتِيقاً لعتقه من النار وعن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "أبو بكر عتيق اللّه من النار" فمن يومئذ سمي "عتيقاً".
قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: "إن اللّه تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدِّيقاً" وسبب تسميته أنه بادر إلى تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولازم الصدق فلم تقع منه هِنات ولا كذبة في حال من الأحوال.
وعن عائشة أنها قالت: "لما أسري بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدِّث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمن وصدق به وفتنوا به. فقال أبو بكر: إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصديق
مواقفه فى بداية الدعوة
ولد أبو بكر سنة 573 م بعد الفيل بثلاث سنين تقريباً، وكان رضي اللّه عنه صديقاً لرسول اللّه قبل البعث وهو أصغر منه سناً بثلاث سنوات وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته فلما أسلم آزر النبي صلى اللّه عليه وسلم في نصر دين اللّه تعالى بنفسه وماله.
كان أبو بكر رضي اللّه عنه من رؤساء قريش في الجاهلية محبباً فيهم مُؤلفاً لهم، وكان إذا عمل شيئاً صدقته قريش فلما جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم من الصحابة على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبَير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد اللّه
وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر. وكان تاجراً ذا ثروة طائلة، حسن المجالسة، عالماً بتعبير الرؤيا، وقد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية هو وعثمان بن عفان. ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الإسلام
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كَبْوَة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر رضي اللّه عنه ما عَلَمَ عنه حين ذكرته له" أي أنه بادر به
ودفع أبو بكر عقبة بن أبي معيط عن رسول اللّه لما خنق رسول اللّه وهو يصلي عند الكعبة خنقاً شديداً. وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}.
أول خطيب فى الاسلام
وقد أصاب أبا بكر من إيذاء قريش شيء كثير. فمن ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل دار الأرقم ليعبد اللّه ومن معه من أصحابه سراً ألح أبو بكر رضي اللّه عنه في الظهور،
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل به حتى خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من الصحابة رضي اللّه عنهم وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس ودعا إلى رسول اللّه، فهو أول خطيب دعا إلى اللّه تعالى
فثار المشركون على أبي بكر رضي اللّه عنه وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضرباً شديداً. ووُطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضرباً شديداً. وصار عُتْبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه،
فجاءت بنو تيم يتعادَون فأجْلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكُّون في موته، ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا: واللّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار،
ثم تكلم وقال: ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟
فعذلوه فصار يكرر ذلك
فقالت أمه: واللّه ما لي علم بصاحبك.
فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه وخرجت إليها وسألتها عن محمد بن عبد اللّه،
فقالت: لا أعرف محمداً ولا أبا بكر ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟
قالت: نعم. فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعاً
فصاحت وقالت: إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم اللّه منهم،
فقال لها أبو بكر رضي اللّه عنه: ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟
فقالت: هذه أمك،
قال: فلا عَيْنَ عليك منها أي أنها لا تفشي سرك.
قالت: سالم هو في دار الأرقم.
فقال: واللّه لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليَّ حتى دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرقَّ له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك
فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وهذه أمي برة بولدها فعسى اللّه أن يستنقذها من النار، فدعا لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.
ولما اشتد أذى كفار قريش لم يهاجر أبو بكر إلى الحبشة مع المسلمين بل بقي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تاركاً عياله وأولاده
هجرته مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
أقام مع رسول الله في الغار ثلاثة أيام؛ قال اللّه تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}.
ولما كانت الهجرة جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قد أذن لي في الخروج
قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح،
ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام. وأن رسول اللّه لولا ثقته التامة بأبي بكر لما صاحبه في هجرته فاستخلصه لنفسه. وكل من سوى أبي بكر فارق رسول اللّه، وإن اللّه تعالى سماه "ثاني اثنين".
قال رسول صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر شيئاً؟" فقال: نعم.
فقال: "قل وأنا أسمع".
فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدوّ به إذ صعَّد الجبلا
وكان حِبِّ رسول اللّه قد علموا * من البرية لم يعدل به رجلاً
فضحك رسول اللّه حتى بدت نواجذه، ثم قال: "صدقت يا حسان هو كما قلت
جهاده بنفسه و ماله
كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكرمه ويجله ويثني عليه في وجهه واستخلفه في الصلاة، وشهد مع رسول اللّه بدراً وأُحداً والخندق وبيعة الرضوان بالحُدَيبية وخيبر وفتح مكة وحُنَيناً والطائف وتَبوك وحَجة الوداع. ودفع رسول اللّه رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر وكانت سوداء، وكان فيمن ثبت معه يوم أُحد وحين ولَّى الناس يوم حنين. وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله.
وأعتق أبو بكر سبعة ممن كانوا يعذبون في اللّه تعالى وهم: بلال، وعامر بن فهيرة، وزِنِّيرة، والنَّهديَّة، وابنتها، وجارية بني مؤمّل، وأم عُبيس.
وكان أبو بكر إذا مُدح قال: "اللّهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم. اللّهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون".
قال عمر رضي اللّه عنه: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي. فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالي.
فقال: ما أبقيت لأهلك؟
قلت: مثله.
وجاء أبو بكر بكل ما عنده.
فقال: يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟
قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما نفعني مال أحد قطُّ ما نفعني مال أبي بكر"
فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللّه.
ونزل فيه وفي عمر: {وَشَاوِرْهم في الأمر} فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان يشاوره في أموره كلها.
مكانته عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً". رواه البخاري ومسلم.
عن عمرو بن العاص: أن النبي عليه السلام بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة.
فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها.
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال : كنت جالسا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما صاحبكم فقد غامر
فسلم وقال :( إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي ، فأبى علي فأقبلت إليك
فقال :( يغفر الله لك يا أبا بكر ) ثلاثا ،
ثم إن عمر ندم ، فأتى منزل أبي بكر ، فسأل :( أثم أبو بكر ) فقالوا :( لا )
فأتى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلم ، فجعل وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمعر ، حتى أشفق أبو بكر ، فجثا على ركبتيه فقال :( يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم مرتين )
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:( إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ) مرتين فما أوذي بعدها
فضائله رضى الله عنه
وعن أبي هريرة: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة"
وعن أبي هريرة: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على حِرَاء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير. فتحركت الصخرة فقال النبي عليه السلام: "اهدأ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد" رواه مسلم.
وعن حذيفة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر" رواه الترمذي.
وعن ابن عمر: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار" رواه الترمذي
خلافته
وفي أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يصلي بالمسلمين ، وبعد وفاة الرسول الكريم بويع أبوبكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة ، وكان زاهدا فيها ولم يسع اليها ،
وبعد أن تمت بيعة أبي بكر بيعة عامة، صعد المنبر وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه:
"أيها الناس قد وُلِّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكَذِب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء اللّه تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم اللّه بالذل، أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله فإذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم اللّه
فيا لها من كلمات جامعة حوت الصراحة والعدل، مع التواضع والفضل، والحث على الجهاد لنصرة الدين، وإعلاء شأن المسلمين.
دخل عليه ذات يوم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فوجده يبكي ، فساله عن ذلك فقال له :( يا عمر لا حاجة لي في امارتكم فرد
عليه عمر :( أين المفر ؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)
جيش أسامة
وجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد في سبعمائة الى الشام ، فلمّا نزل بـذي خُشُـب -واد على مسيرة ليلة من المدينة- قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتدّت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا : يا أبا بكر رُدَّ هؤلاء ، تُوجِّه هؤلاء الى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة
فقال : والذي لا إله إلا هو لو جرّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رَدَدْت جيشاً وجَّهه رسول الله ولا حللت عقدَهُ رسول الله فوجّه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا :( لولا أن لهؤلاء قوّة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم )
فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام
حروب الردة
بعد وفـاة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ارتدت العرب ومنعت الزكاة ، واختلـف رأي الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيـد ، قال عمر بن الخطاب : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله
فقال أبو بكر : الزكاة حقُّ المال
وقال : والله لأقاتلن من فرّق الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يُؤدّونها الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها
ونصب أبو بكر الصديق وجهه وقام وحده حاسراً مشمِّراً حتى رجع الكل الى رأيه ، ولم يمت حتى استقام الدين ، وانتهى أمر المرتدين
استخلاف عمر
عقد أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده، ولما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف. فقال: أخبرني عن عمر.
فقال: يا خليفة رسول اللّه هو واللّه أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة.
فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه. ويا أبا محمد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء، أراني الرضا عنه، وإذا لنت أراني الشدة عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئاً. قال: نعم.
ودخل على أبي بكر طلحة بن عبيد اللّه. فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم، وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك
فقال أبو بكر وكان مضطجعاً: أجلسوني. فأجلسوه. فقال لطلحة: "أباللّه تفرقني أو باللّه تخوفني، إذا لقيت اللّه ربي فساءلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك"؟
وأشرف أبو بكر على الناس من حظيرته وأسماء بنت عميس ممسكته موشومة اليدين وهو يقول:
أترضون بمن أستخلف عليكم فإني واللّه ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا
فقالوا: "سمعنا وأطعنا
دعا أبو بكر عثمان خالياً. فقال له: اكتب: "بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر ابن أبي قحافة إلى المسلمين. أما بعد" ثم أغمي عليه فذهب عنه. فكتب عثمان: "أما بعد فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً"
ثم أفاق أبو بكر فقال: "اقرأ عليَّ فقرأ عليه فكبَّر أبو بكر وقال:
أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي
قال: نعم. قال: "جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله" وأقرها أبو بكر رضي اللّه عنه من هذا الموضع. فأبو بكر كان يرى ويعتقد أن عمر بن الخطاب خير من يتولى الخلافة بعده مع شدته. والحقيقة أنه كان كذلك.
وفاته
قيل: إنه اغتسل وكان يوماً بارداً فاصابته الحمى خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة فأمر عمر أن يصلي بالناس
ولما مرض قال له الناس: ألا ندعو الطبيب؟ فقال: أتاني وقال لي: أنا فاعل ما أريد، فعلموا مراده وسكتوا عنه ثم توفي
وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن وأن يكفن في ثوبيه ويشتري معهما ثوب ثالث. وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت إنما هو للمهلة والصَّديد
بتصرف
سلمة بن الأكوع
سلمة بن الأكوع هكذا يقول جماعة أهل الحديث ينسبونه إلى جده وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع. والأكوع هو سنان بن عبد الله بن قشير ابن خزيمة كان ممن بايع تحت الشجرة سكن بالربذة
كان لقرب سلمة من النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الأثر في تكوين شخصية مثالية بما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم فيها من شجاعة ومروءة وتضحية في سبيل الله هذا الأثر لاحظه الصحابة، وعرفوا أنه ما كانت هذه الصفات لتكون في سلمة إلا بتربية الرسول صلى الله عليه وسلم له
أهم ملامح شخصيته
1- الشجاعة وخير مثال على ذلك موقفه في غزوة ذي قرد، فقد تصدى لمن أغار علي إبل رسول الله صلي الله عليه وسلم، أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه، قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت: ثلاث مرات يا صباحاه، ثم اتبعت القوم ومعي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأقول... أنا ابن الأكوع... واليوم يوم الرضع فألحق برجل فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كبده فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، فإذا كنت في الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، واستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنية ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم قال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ثم قال: ليقم إليه نفر منكم، فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إن ذا ظن، قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أثر أبي قتادة المقداد، فولى المشركون مدبرين
2- حب الرسول وطاعته ومن الأمثلة الواضحة على هذا الكرم هبته جارية وقعت في سهمه في إحدى السرايا للنبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنها كانت من أجمل بنات العرب كما قال سلمة
ومما يدل علي حبه للنبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف فيصلي قريبا منه. فأقول له ألا تصلي هاهنا؟ وأشير إلى بعض نواحي المسجد. فيقول إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام
يا لها من صفات عظيمة تلك التي يتصف بها صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم كان الواحد فيهم ينظر ماذا كان يصنع رسول الله ويفعله وهو في سعادة لا توصف
من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم
مواقف عديدة حدثت بين سلمة بن الأكوع والرسول صلي الله عليه وسلم، وذلك لقرب سلمة منه وحبه الشديد له.
فعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
وجاء عين للمشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما طعم انسل قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل اقتلوه قال: فابتدر القوم قال: وكان أبي يسبق الفرس شد. قال: فسبقهم إليه فأخذ بزمام ناقته أو بخطامه. قال: ثم قتله. قال: فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه. (4) إنه لموقف رائع لسلمة فعندما يأمر رسول الله بأمر يبادر الصحابة بالتنفيذ.
وعن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبة ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع قلت قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيض. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ قال: على الموت.فعلي الموت كان يبايع الصحابة رسول الله، والرحيل عن الدنيا إلي جنة عرضها السموات والأرض
وعن سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش وأصيدها وأهدي لحمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " سلمة أين تكون؟ ". فقلت: نبعد على الصيد يا رسول الله فإنما أصيد بصدر قناة اسم مكان من نحو بيت. فقال: " أما لو كنت تصيد بالعقيق( اسم مكان) لسبقتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق
وقال سلمة رضي الله عنه: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا ومسح رأسي مرارا واستغفر لي ولذريتي عدد ما بيدي من الأصابع
وقدم سلمة رضي الله عنه المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبدوا يا أسلم فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب؟ ". فقالو: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرنا ذلك في هجرتنا. فقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم
بعض الأحاديث التي نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: إن من أكل فليتمَّ أو فليصم ومن لم يأكل فلا يأكل.
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأعطين الراية - أو قال ليأخذن - غداَ رجلا يحبه الله ورسوله أو قال يحب الله ورسوله يفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقالوا هذا علي فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه
عن سلمة بن الأكوع: أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه
لوفاة
توفي سلمة بن الأكوع بالمدينة سنة أربع و سبعين و هو ابن ثمانين سنة.
بتصرف
ابو دجانة
مقدمة
هو سماك بن خرشة بن الخزرج أسلم مبكراً مع قومه الأنصار، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عتبة بن غزوان، وشهد معركة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفا يوم أحد فقال : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقمت فقلت : أنا رسول الله فأعرض عني ثم قال : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقلت : أنا يا رسول الله فأعرض عني ثم قال : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال : آنا آخذه يا رسول الله بحقه فما حقه؟ قال: أن لا تقتل به مسلما و لا تفرّ به عن كافر قال : فدفعه إليه وكان إذا كان أراد القتال أعلم بعصابة.
فلما أخذ أبو دجانة السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فعصبها برأسه فجعل يتبختر بين الصفين - قال ابن إسحاق: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى أبا دجانة يتبختر: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن" -
قال: قلت: لأنظرن إليه اليوم كيف يصنع قال : فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه و أفراه حتى انتهى إلى نسوة في سفح الجبل معهن دفوف لهن فيهن إمرأة تقول:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق و نبسط النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
قال فأهوى بالسيف إلى امرأة ليضربها ثم كف عنها فلما انكشف له القتال قلت له كل عملك قد رأيت ما خلا رفعك السيف على المرأة لم تضربها قالا إني و الله أكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أقتل به امرأة.
من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة
عن قتادة بن النعمان قال : كنت نصب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أقي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهي وكان أبو دجانة سماك بن خرشة موقيا لظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره حتى امتلأ ظهره سهاما وكان ذلك يوم أحد.
من مواقفه مع الصحابة رضي الله عنهم
قال زيد بن أسلم: دُخل على أبي دجانة وهو مريض - وكان وجهه يتهلل - فقيل له: ما لوجهك يتهلل فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني أما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما
استشهادة
شهد مع الرسول صلى الله علية وسلم عدة غزوات ومنها غزوة احد
اشترك في حروب الردة مع خالد بن الوليد لمحاربة المرتدين في اليمامة، وكان ممن تسلق حديقة المتنبي مسيلمة الكذاب قائد المرتدين فكسرت ساقه، وبقي يقاتل مع أصحابه وهو مكسور الساق حتى قتلوا مسيلمة، وما لبث أن استشهد في المعركة نفسها رحمه الله، وكان ذلك في السنة الثانية عشرة للهجرة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
بتصرف
أبو سعيد الخدري
هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري.. مشهور بكنيته..
كان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننا كثيرة، وروى عنه علما جما، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
يقول أبو سعيد، قال: أتى علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعض من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بما كنتم تراجعون"؟ قالو: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعو لنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة يتنعمون، وهؤلاء يحاسبون
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
لما بايع الناس معاوية ليزيد كان الحسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم، فأبى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بن، ويشيطوا دماءن. فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف
بعض المواقف من حياته مع التابعين
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام. قال: فلما رأيته انتضيت سيفي فقصدني، فلما رآني صمم على قتلي، فشمت سيفي، ثم قلت إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. فمضى وتركني.
ـ وعن عياض بن عبد الله قال: رأيت أبا سعيد الخدري جاء ومروان يخطب فقام فصلى ركعتين فجاء إليه الأحراس ليجلسوه فأبي أن يجلس حتى صلى الركعتين فلما أقضينا الصلاة أتيناه فقلنا يا أبا سعيد: كاد هؤلاء أن يفعلوا بك ، فقال: ما كنت لأدعها لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء رجل وهو يخطب فدخل المسجد بهيئة بذة فقال " أصليت "؟ قال: لا ، قال: " فصل ركعتين " ثم حث الناس على الصدقة فألقوا ثيابا فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل منها ثوبين فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أصليت "؟ قال: لا قال: " فصل ركعتين " ، ثم حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " خذه " ، فأخذه ، ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة بهيئة بذة فأمرت الناس بالصدقة فطرحوا ثيابا فأعطيته منها ثوبين فلما جاءت الجمعة وأمرت الناس بالصدقة فجاء فألقى أحد ثوبيه " ـ وعن عاصم عن ابن سيرين قال: كان أبو سعيد الخدري <317> قائما يصلي فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه فمنعه وأبى إلا أن يمضي فدفعه أبو سعيد فطرحه فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن فقال: والله لو أبى إلا أن آخذه بشعره لأخذت
آثره في الآخرين دعوته ـ تعليمه
عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة عن أبيه قال: كنا عند أبي سعيد الخدري في مرضه الذي توفي فيه قال: فأغمي عليه فلما أفاق قال قلنا له الصلاة يا أبا سعيد قال: كفان قال: أبو بكر يريد كفان يعني أومأ بعض الأحاديث التي نقلها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم:
ـ يحدث عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن..
ـ ويروي عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية..
ـ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا فما أولت ذلك يا رسول الله قال الدين..
وعن صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري
قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنتين فقال واثنتين
ـ وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال سمعت أبا حازم عن أبي هريرة قال ثلاثة لم يبلغوا الحنث..
الوفاة:
قيل: توفي سنة أربع وسبعين. وقيل: أربع وستين. وقال المدائني: توفي سنة ثلاث وستين.
بتصرف
الحباب بن المنذر
فهذا الصحابى قد شهد المشاهد كلها مع رسول الله ولعل ثباته يوم أحد من أكثر المواقف التي تدل على شجاعته
أهم ملامح شخصيته
1- الشجاعة
فقد ثبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد في عصابة صبروا ومعه أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام ومن الأنصار الحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن الحضير وسعد بن معاذ
الثقة بالنفس والذكاء والرأي الراجح
وظهر ذلك جليا في موقفه في غزوة بدر الكبرى عندما أشار على الرسول بالمكان الأمثل للمسلمين
من مواقفه مع الرسول في حياته
ففي يوم بدر " وسار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يبادرهم يعني قريشا إليه يعني إلى الماء فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه فقال الحباب بن المنذر بن الجموح : يا رسول الله منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " قال الحباب : يا رسول الله ليس بمنزل ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها من وراء ظهرك ثم غور كل قليب بها إلا قليبا واحدا ثم احفر عليه حوضا فنقاتل القوم ونشرب ولا يشربون حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله( صلى الله عليه وسلم) : " قد أشرت بالرأي " ففعل ذلك
ياله من موقف عظيم من رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) موقف يدل علي التواضع ، وقبول الرأي الصواب أينما كان ، وموقف رائع من الحباب ( رضي الله عنه ) ، فهو الذي رباه النبي ( صلي الله عليه وسلم ) علي مبدأ الشورى ، وأن الدين النصيحة .
وفي غزوة أحد أظهر من البطولة والفتوة والتضحية بالنفس الشيء العجيب " روى سعد بن عبادة قال : بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من أصحابه على الموت يوم أحد حتى انهزم المسلمون فصبروا وكرموا وجعلوا يسترونه بأنفسهم يقول الرجل منهم : نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله وجهي لوجهك الوقاء يا رسول الله وهم يحمونه ويقونه بأنفسهم حتى قتل منهم من قتل وهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير وطلحة وسعد وسهل بن حنيف وابن أبي الأفلح والحارث بن الصمة وأبو دجانة والحباب بن المنذر.
بعض المواقف من حياتة مع الصحابة
أبدي الحباب بن المنذر برأيه في سقيفة بني ساعدة فقد اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر فكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر السلمي لا والله لا نفعل أبدا منا أمير ومنكم أمير قال فقال أبو بكر لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا وأكرمهم أحسابا يعني قريشا فبايعوا عمر وأبا عبيدة فقال عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وأنت خيرنا وأحبنا إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم) فأخذ عمر بيده فبايعه فبايعه الناس
من كلماته
من شعر الحباب بن المنذر
ألم تعلما لله در أبيكما ... وما الناس إلا أكمه وبصير
أنا وأعداء النبي محمد ... أسود لها في العالمين زئير
نصرنا وآوينا النبي وماله ... سوانا من أهل الملتين نصير
الوفاة
توفي الحباب بن المنذر في خلافة عمر بن الخطاب وليس له عقب
وقال ابن سعد:توفي في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين سنة
منقول
أبو طلحة الأنصاري
هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو طلحة مشهور بكنيته.
ووهم من سماه سهل بن زيد وهو قول ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في تسمية من شهد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا أبو طلحة من ولد أبي طلحة قال اسم أبي طلحة زيد..
وأمه هي عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار وهو مشهور بكنيته. شهد بدرا.
قصة إسلامه
بدأت قصة إسلام أبي طلحة يوم أراد أن يخطب أم سُليم، حيث ذهب إليها فلما بلغ منزله، واستأذن إليه، فعرض نفسه عليها.
ـ فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد، ولكني لن أتزوجك فأنت رجل كافر.
ـ فقال: والله ما هذا الذي يمنعكِ مني يا أم سليم.
ـ قالت: فماذا إذ
ـ قال: الذهب والفضة. يعني أنها آثرت غيره عليه أكثر غنىً منه.
ـ قالت: بل إني أشهِدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله ؛ أنك إن أسلمت رضيت بك زوج، وجعلت إسلامك لي مهر
فلما سمع أبو طلحة كلام أم سليم، انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من الخشب، يتوجه إليه بالعبادة
ـ هنا قالت أم سليم: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض
ـ فقال: بلى.
ـ قالت: ألا تشعر بالخجل وأنت تعبد جذع شجرة، جعلت بعضه لك إلهاً، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يخبز عليه عجينه
ـ قال: ومَن لي الإسلام
ـ قالت: أنا أعلمك كيف تدخل فيه: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم تذهب إلى بيتك فتحطم صنمك وترمي به.
ففعل أبو طلحة كل ذلك. ثم تزوَّج من أم سليم. فكان المسلمون يقولون:
ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم، فقد جعلت مهرها الإسلام
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكان يديم النظر إليه ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه.
أهم ملامح شخصيته
هو صحابي من الشجعان والرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام. كان أحد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة. شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان من أكبر أنصار الإسلام.
ومن شجاعته ما يرويه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم
وكما كان أبو طلحة جواداً بنفسه في ساعات البأس ، كان أيضاً جواداً بماله في مواقف البذل: *ومن ذلك أنه كان له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف المدينة بستاناً أعظم منه شجر، ولا أطيب ثمر، ولا أعذب منه ماءً.
وبينما كان أبو طلحة يصلي في بستانه، أثار انتباهه طائر أخضر اللون، أحمر المنقار، فأعجبه منظره، وشرد عن صلاته بسببه، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربع. فلما فرغ من صلاته ذهب إلى رسول الله، وشكا له نفسه التي شغلها البستان والطائر عن الصلاة، ثم قال: أشهد يا رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى، فضعه حيث يحب الله ورسوله.
وفي الصحيحين عن أنس لما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة أرجو برها وذخرها. فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بخ بخ ذاك مال رابح الحديث.
عاش أبو طلحة حياته صائماً مجاهد، فقد أثر عنه أنه بقي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نحواً من ثلاثين عاماً صائماً، لم يفطر إلا حيث يَحرم الصوم
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
قال البخاري:عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلك أبو طلحة؟" فقلت: نعم. قال: "بطعام؟" فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: "قوموا" فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلم يا أم سليم، ما عندك؟" فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم. فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من "صحيحه" ومسلم من غير وجه عن مالك.
ـ وروى عنه ربيبه أنس وابن عباس وأبو الحباب سعيد بن يسار وغيرهم وروى مسلم وغيره من طريق ابن سيرين عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما حلق شعره بمنى فرق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين وأعطى أبا طلحة الشق الأيسر كله.
ـ ولما كان يوم أُحد ؛ وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فنفذ إليه المشركون من كل جانب، فكسروا رَباعيته، وشجوا جبينه، وجرحوا شفته، وأسالوا الدم على وجهه.
انتصب أبو طلحة أمام رسول الله كالجبل الراسخ، ووقف عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به، وأخذ أبو طلحة يرمي سهامه على جنود المشركين واحداً بعد واحد، وما زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله حتى كسر ثلاث أقواس، وقتل كثيراً من جند المشركين
ـ وعن أنس بن مالك قال كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب ويقول:
نفسي لنفسك الفداء... ووجهي لوجهك الوفاء
ثم ينشر كنانته بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل
وروى حميد عن أنس. قال: كان أبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه من خلف أبي طلحة ليرى مواقع النبل. قال: وكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: نحري دون نحرك.
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
عن أنس بن مالك قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي فخرج في بعض حاجاته وقبض الصبي فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل الصبي فقالت أم سليم: هو أسكن مما كان. وقربت إليه العشاء فأكل ثم اصاب منها فلما فرغ قالت: واروا الصبي. قال: فلما اصبح أبو طلحة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " أعرستم الليلة قال: نعم. قال: بارك الله لكم
وفي غير هذا الحديث: فلما فرغ أبو طلحة قالت أم سليم: أرأيت أبا طلحة آل فلان فإنهم استعاروا عارية من آل فلان فلما طلبوا العارية أبوا أن يردوه. قال أبو طلحة: " ما ذلك لهم. قالت أم سليم: فإن ابنك كان عارية من الله تعالى متعك به إذ شاء وأخذه إذ شاء. ـ بعض الأحاديث التي نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه فقلنا إنا لنرى البشرى في وجهك فقال إنه أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا.
ـ وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئ قومك السلام فإنهم ما علمت أعفة صبر.
ـ وروى أنس عن أبي طلحة قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس فذلك قوله عز وجل ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ـ وأخبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده قال فوجدت عنده سهل بن حنيف قال فدعا أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته فقال له سهل لم تنزعه فقال لأن فيه تصاوير وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ما قد علمت قال سهل أولم يقل إلا ما كان رقما في ثوب فقال بلى ولكنه أطيب لنفسي..
ـ وعن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه قال قال أبو طلحة كنا قعودا بالأفنية نتحدث فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فقال ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات فقلنا إنما قعدنا لغير ما باس قعدنا نتذاكر ونتحدث قال إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام..
ـ وأخبر الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل
بعض كلماته
لما عزم المسلمون على أن يغزوا في البحر في خلافة عثمان رضي الله عنه، أخذ أبو طلحة يجهز نفسه للخروج مع المسلمين، فقال له أبناؤه:
يرحمك الله يا أبان، لقد صرت شيخاً كبير، وقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فهلا رَكَنتَ إلى الراحة، وتركتنا نغزوا عنك.
ـ فقال: إن الله عزَّ وجل يقول: انفروا خفافاً وثقالاً
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباب..ثم أبى إلا الخروج..
موقف الوفاة
اختُلف في وفاته فقال الواقدي: وتبعه ابن نمير ويحيى بن بكير وغير واحد توفي سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان وقيل: قبلها بسنتين، وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أربعين سنة، وكأنه أخذه من رواية شعبة عن ثابت عن أنس قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من أجل الغزو فصام بعده أربعين سنة لا يفطر إلا يوم أضحى أو فطر.
فعلى هذا يكون موته سنة خمسين أو سنة إحدى وخمسين وبه جزم المدائني، ويؤيده ما أخرجه في الموطأ وصححه الترمذي من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة... فذكر الحديث في التصاوير وعبيد الله لم يدرك عثمان ولا عليا فدل على تأخر وفاة أبي طلحة.
وقال ثابت عن أنس أيضا مات أبو طلحة غازيا في البحر فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير أخرجه الفسوي في تاريخه وأبو يعلي وإسناده صحيح.
منقول
أسامة بن زيد
مقدمة
هو أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كان أبوه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكنى أسامة: أبا محمد وقيل: أبو زيد وقيل: أبو يزيد وقيل: أبو خارجة وهو مولى رسول الله من أبويه وكان يسمى: حب رسول الله.
ولد رضي الله عنه بمكة سنة 7 قبل الهجرة ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى ولم يدن بغيره، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان رسول الله يحبه حبا شديدا وكان عنده كبعض أهله.
وأمه هي أم أيمن واسمها بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته، وكان زيد بن حارثة لخديجة فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوّجه أم أيمن بعد النبوة فولدت له أسامة بن زيد
زواجه رضي الله عنه
عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لكِ علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنينى، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال انكحي أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطتُّ - والغبطة هي الفرَح والسُّرُور وحُسْن الحال
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
في العام السادس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وُلد لأمّ أيمن أسامة بن زيد، فنشأ وتربى رضي الله عنه وأرضاه في أحضان الإسلام ولم تنل منه الجاهلية بوثنيتها ورجسها شيئًا، وكان رضي الله عنه قريبًا جدًا من بيت النبوة، وملازمًا دئمًا للنبي صلى الله عليه وسلم ففي مسند الإمام أحمد عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي كان يركب خلفه - بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى، ومن ثَم كان تأثره شديدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حبًا شديدًا ففي البخاري بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما"
بل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بحبِّ أسامة بن زيد رضي الله عنه فعن عائشة قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة"، كان نقش خاتم أسامة بن زيد: (حب رسول الله صلى الله عليه وسلم)
وقد زوّجه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي هذا الأمر ما فيه من العفة والطهارة وراحة النفس، والتفرغ لنصرة الإسلام، فهي تربية عالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم
الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي به الصحابة رضي الله عنهم
عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي أو من أحب الناس إلي وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا
أتشفع في حد من حدود الله
روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتكلمني في حد من حدود الله قال أسامة استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في هذا الموقف العظيم يعلّمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بل والأمة كلها درسًا عمليا في غاية الأهمية والخطورة وهو عدم المحاباة أو الكيل بمكيالين فكل الناس سواء القوي والضعيف، الحاكم والمحكوم، الجميع يُطبّق عليهم شرع الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها
أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله
في البخاري بسنده عن أبي ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم
وفي رواية فقلت: " أُعطِى الله عهدًا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله
وقد انعكس أثرهذا الموقف على أسامةَ رضي الله عنه بطول حياته وعرضها وتأثر به تأثرًا شديدًا وظل وفيًا بهذا العهد إلى أن لقي الله سبحانه وتعالى
ولم يبايع أسامة رضي الله عنه عليًا ولا شهد معه شيئا من حروبه؛ وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إلا الله
وفي البخاري بسنده عن حرملة - مولى أسامة بن زيد - قال: أرسلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول ما خلف صاحبك فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه ولكن هذا أمر لم أره - أي لم يكن لي فيه رأي
وينصح أميره دون أن يفتح بابًا لفتنة
روى مسلم بسنده عن أسامة بن زيد قال قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه فقال أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ولا أقول لأحد يكون عليّ أميرا إنه خير الناس بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر
دور أم أيمن في تربية أسامة بن زيد
أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها هي حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهى إحدى المؤمنات المجاهدات اللاتى شاركن فى المعارك الإسلامية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدت أُحدًا، وكانت تسقى المسلمين، وتداوى الجَرْحَي، وشهدت غزوة خيبر، وقد روت أم أيمن -رضى الله عنها - بعضًا من أحاديث رسول الله، قال ابن حجر في الإصابة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنها: "هذه بقية أهل بيتي"؛ هذه المرأة المؤمنة التقية الورعة المجاهدة كانت أحد المحاضن التربوية التي تخرج منها أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه
وقد استشهد زيد بن حارثة زوج أم أيمن ووالد أسامة في مؤتة، واستشهد أيمن ابنها وأخو أسامة من أمه في حنين، ففي هذه الأسرة المؤمنة المجاهدة نشأ هذا القائد الفارس الفذُّ وتربى على معاني الجهاد والدفاع عن الإسلام مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوليه إمارة الجيش الإسلامي وهو في الثامنة عشرة من عمره وفي الجيش كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وأصحاب السبق في الإسلام
وقد شهد أسامة رضي الله عنه لأمه بالفضل وكان شديد البر بها، فعن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف درهم فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فنقرها وأخرج جمّارها فأطعمها أمه فقيل له: ما حملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألفًا، فقال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها.
قائد جيش المسلمين جميعًا في غزو الروم
ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين المتوجه لغزو الروم في الشام، قال الواقدي في المغازي: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه ووجد عليهم وجدا شديدا; فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش في غزوهم. فتفرق المسلمون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجدون في الجهاد فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر دعا أسامة بن زيد فقال يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد وليتك على هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون أمامك والطلائع فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فصدع وحم. فلما أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لواء ثم قال يا أسامة اغز بسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا: اللهم اكفناهم واكفف بأسهم عنا فإن لقوكم قد أجلبوا وصيحوا. فعليكم بالسكينة والصمت ولا تنازعوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم. وقولوا: اللهم نحن عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغلبهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة امض على اسم الله فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أسامة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة فعسكر بالجرف وضرب عسكره في سقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يجدون بالخروج إلى العسكر فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ; وفي رجال من المهاجرين والأنصار عدة قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فقال رجال من المهاجرين وكان أشدهم في ذلك قولا عياش بن أبي ربيعة: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فكثرت القالة في ذلك فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض ذلك القول فرده على من تكلم به وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقول من قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديد، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي وإنهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم ثم نزل صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنفذوا بعث أسامة ودخلت أم أيمن فقالت أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذوا بعث أسامة فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وعنده العباس والنساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يصبها على أسامة. قال فأعرف أنه كان يدعو لي. قال أسامة فرجعت إلى معسكري. فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق، فجاءه أسامة فقال اغد على بركة الله فودعه أسامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق مريح وجعل نساءه يتماشطن سرورا براحته. فدخل أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لي فأذن له فذهب إلى السنح، وركب أسامة إلى معسكره وصاح في الناس أصحابه باللحوق بالعسكر فانتهى إلى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار. فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن - وهي أمه - تخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عنده فلما بويع لأبي بكر رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة وألا يحله أبدا حتى يغزوهم أسامة. قال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة ثم خرجت به إلى الشام معقودا مع أسامة ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال في بيت أسامة حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن الإسلام قال أبو بكر رضي الله عنه لأسامة رحمة الله عليه انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين ودخل على أبي بكر عمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد، فقالوا: يا خليفة رسول الله إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئًا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم وأخرى، لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه وتعود الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا فلما استوعب أبو بكر رضي الله عنه منهم كلامهم قال هل منكم أحد يريد أن يقول شيئ؟ قالوا: ل، قد سمعت مقالتنا. فقال والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث ولا بدأت بأول منه ورسول الله ينزل عليه الوحي من السماء يقول أنفذوا جيش أسامة ولكن خصلة أكلم أسامة في عمر يخلفه يقيم عندن، فإنه لا غناء بنا عنه. والله ما أدري يفعل أسامة أم ل، والله إن رأى لا أكرهه فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة ومشى أبو بكر رضي الله عنه إلى أسامة في بيته وكلمه أن يترك عمر ففعل أسامة وجعل يقول له أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة نعم وخرج وأمر مناديه ينادي: عزمة مني ألا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد.
وخرج أبو بكر رضي الله عنه يشيع أسامة والمسلمين فلما ركب أسامة من الجرف في أصحابه - وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس - فسار أبو بكر رضي الله عنه إلى جنب أسامة ساعة ثم قال أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ; إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه وإنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج سريعا فوطئ بلادا هادئة لم يرجعوا عن الإسلام - جهينة وغيرها من قضاعة - فلما نزل وادي القرى قدم عينا له من بني عذرة يقال له حريث، فخرج على صدر راحلته أمامه مغذا حتى انتهى إلى أبنى ; فنطر إلى ما هناك وارتاد الطريق ثم رجع سريعا حتى لقي أسامة على مسيرة ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم وأمره أن يسرع السير قبل أن تجتمع الجموع وأن يشنها غارة.
وحدث هشام بن عاصم عن المنذر بن جهم قال قال بريدة لأسامة يا أبا محمد إني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أباك أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أطاعوه خيرهم وإن أحبوا أن يقيموا في دارهم ويكونوا كأعراب المسلمين ولا شيء لهم في الفيء ولا الغنيمة إلا أن يجاهدوا مع المسلمين وإن تحولوا إلى دار الإسلام كان لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. قال أسامة هكذا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني، وهو آخر عهده إلي أن أسرع السير وأسبق الأخبار وأن أشن الغارة عليهم بغير دعاء فأحرق وأخرب. فقال بريدة: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما انتهى إلى أبنى فنظر إليها منظر العين عبأ أصحابه وقال اجعلوها غارة ولا تمنعوا في الطلب ولا تفترقو، واجتمعوا وأخفوا الصوت واذكروا الله في أنفسكم وجردوا سيوفكم وضعوها فيمن أشرف لكم. ثم دفع عليهم الغارة فما نبح كلب ولا تحرك أحد، وما شعروا إلا بالقوم قد شنوا عليهم الغارة ينادون بشعارهم يا منصور أمت فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وحرق في طوائفهم بالنار وحرق منازلهم وحرثهم ونخلهم فصارت أعاصير من الدخاخين. وأجال الخيل في عرصاتهم ولم يمعنوا في الطلب أصابوا ما قرب منهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة خرج على فرس أبيه التي قتل عليها أبوه يوم مؤتة كانت تدعى سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة خبره به بعض من سبى ; وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهم، وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسوا أمر الناس بالرحيل ومضى الدليل أمامه حريث العذري، فأخذوا الطريق التي جاءوا منه، ودانوا ليلتهم حتى انتهوا بأرض بعيدة ثم طوى البلاد حتى انتهى إلى
وادي القرى في تسع ليال ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة، وما أصيب من المسلمين أحد. فبلغ ذلك هرقل وهو بحمص فدعا بطارقته فقال هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني. قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر تغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه سأقوم فأبعث رابطة تكون بالبلقاء فبعث رابطة واستعمل عليهم رجلا من أصحابه فلم يزل مقيما حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
واعترض لأسامة في منصرفه قوم من أهل كثكث - قرية هناك - قد كانوا اعترضوا لأبيه في بدأته فأصابوا من أطرافه فناهضهم أسامة بمن معه وظفر بهم وحرق عليهم وساق نعما من نعمهم وأسر منهم أسيرين فأوثقهم، وهرب من بقي فقدم بهما المدينة فضرب أعناقهما.
وبعث أسامة بن زيد بشيره من وادي القرى بسلامة المسلمين وأنهم قد أغاروا على العدو فأصابوهم فلما سمع المسلمون بقدومهم خرج أبو بكر رضي الله عنه في المهاجرين وخرج أهل المدينة حتى العواتق سرورا بسلامة أسامة ومن معه من المسلمين ودخل يومئذ على فرسه سبحة كأنما خرجت من ذي خشب عليه الدرع. واللواء أمامه يحمله بريدة، حتى انتهى به إلى المسجد فدخل فصلى ركعتين وانصرف إلى بيته معه اللواء. وكان مخرجه من الجرف لهلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة فغاب خمسة وثلاثين يوم، عشرون في بدأته وخمسة عشر في رجعته
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عن هشام بن عروة عن أبيه... لما فرض عمر بن الخطاب رضى الله عنه للناس فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف ولابن عمر ألفين فقال ابن عمر فضلت عليّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد فقال إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأبوه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك.
مع عثمان بن عفان رضي الله عنه
عن هشام بن عروة عن أبيه قال تخلف عثمان وأسامة بن زيد عن بدر فبينا هم يدفنون رقية سمع عثمان تكبيرا فقال يا أسامة ما هذا فنظروا فإذا زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء بشيرا بقتل المشركين يوم بدر.
مع حكيم بن حزام رضي الله عنه
عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال كان محمد النبي أحب الناس إلي في الجاهلية فلما تنبأ وخرج إلى المدينة خرج حكيم بن حزام الموسم فوجد حلة لذي يزن تُباع بخمسين درهما فاشتراها ليهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم بها عليه وأراده على قبضها فأبى عليه قال عبيد الله حسبت أنه قال إنا لا نقبل من المشركين شيئا ولكن أخذناها بالثمن فأعطيتها إياه حتى أتى المدينة فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا قط أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة فقال يا أسامة أنت تلبس حلة ذي يزن قال نعم لأنا خير من ذي يزن ولأبي خير من أبيه ولأمي خير من أمه قال حكيم فانطلقت إلى مكة أعجبهم بقول أسامة المستدرك للحاكم
مع خلاد بن السائب رضي الله عنه:
عن خلاد بن السائب قال دخلت على أسامة بن زيد فمدحني في وجهي فقال إنه حملني أن أمدحك في وجهك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه
بعض الأحاديث التي رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم
روى البخاري بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء
وفي البخاري بسنده أيضًا عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء
روى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم
وأحاديث أخرى كثيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفاته رضي الله عنه
اعتزل أسامة بن زيد رضي الله عنه الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه إلى أن توفي أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن المزة غرب دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فاتوفي بها بالجرف وصحح ابن عبد البر أنه توفي سنة 54 هـ، فيكون رضي الله عنه قد توفي عن 61 سنة
بتصرف
شرحبيل بن حسنة
مقدمة
شرحبيل بن حسنة وهي أمه، وهي عدوية وهو ابن عبد الله بن المطاع بن عمرو من كندة حليف لبني زهرة ويكنى أبا عبد الله، وقد أسلم شرحبيل قديما بمكة وهو من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية.
وكان رضي الله عنه يتميز بالشجاعة والإقدام يشهد له بذلك جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع الخلفاء الراشدين من بعده، ويكفى أن يذكر التاريخ عنه أنه فاتح الأردن وأنه كان لجهاده في أرض الشام أثر كبير في اندحار الروم ونشر الإسلام في تلك الربوع
وكان صريحا لا يخشى في الحق أحدا، فقد خطب عمرو بن العاص لما انتشر مرض الطاعون بالشام فقال:إن هذا الطاعون رجس فتفرقوا في هذه الشعاب وفى هذه الأودية، فبلغ ذلك شرحبيل فغضب وجاء وهو يجر ثوبه معلقا نعله بيده وقال لعمرو بن العاص: إن الطاعون وقع فقال عمرو بن العاص: إنه رجس فتفرقوا عنه، وقال شرحبيل بن حسنة: إني قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو أضل من جمل أهله وربما قال شعبة أضل من بعير أهله وإنه قال: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا ولا تفرقوا عنه، قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال: صدق
وكان شرحبيل رضي الله عنه يجيد القراءة والكتابة، فقد كان من كتاب الوحي
من مواقفه مع الرسول صلى الله عليه وسلم
حدث موقف يدل علي حبه للنبي صلي الله عليه وسلم، وأنه يفضله علي نفسه فعن الشفاء ابنة عبد الله قالت: جئت يوما حتى دخلت على النبي (صلى الله عليه و سلم) فسألته و شكوت إليه فجعل يعتذر إلي و جعلت ألومه قالت: ثم حانت الصلاة الأولى فدخلت بيت ابنتي و هي عند شرحبيل بن حسنة فوجدت زوجها في البيت فجعلت ألومه و قلت: حضرت الصلاة و أنت هاهنا فقال: يا عمه لا تلومني كان لي ثوبان استعار أحدهما النبي (صلى الله عليه و سلم) فقلت: بأبي و أمي أنا ألومه و هذا شأنه فقال شرحبيل: إنما كان أحدهما درعا فرقعناه
وكان شرحبيل ( رضي الله عنه ) هو الذي أخذ أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان من الحبشة بعد أن تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد زوجها إياه عثمان بن عفان وهي بنت عمته أمها ابنة أبي العاص زوجها إياه النجاشي وجهزها إليه وأصدقها أربعمائة دينار وأولم عليها عثمان بن عفان لحما وثريدا وبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شرحبيل بن حسنة فجاء بها
من مواقفه مع الصحابة
إن أبا بكر رضي الله عنه لما حدث نفسه أن يغزو الروم لم يطلع عليه أحد إذ جاءه شرحبيل بن حسنة فجلس إليه فقال: يا خليفة رسول الله تحدثك نفسك أنك تبعث إلى الشام جند؟ فقال: نعم قد حدثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحدا وما سألتني عنه إلا لشيء قال: أجل يا خليفة رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق حرشفة ( الحرشفة: الأرض الغليظة ) من الجبل ثم أقبلت تمشي حتى صعدت قنة ( قنة: القن بالضم الجبل الصغير.من القنان العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك ثم إنك هبطت من تلك القنان إلى أرض سهلة دمثة ( دمثة: دمث المكان وغيره كفرح سهل ولان والدماثة سهولة الخلق. فيها الزرع والقرى والحصون فقلت للمسلمين شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة فشد المسلمون وأنا فيهم معي راية فتوجهت بها إلى أهل قرية فسألوني الأمان فأمنتهم ثم جئت فأجدك قد جئت إلى حصن عظيم ففتح الله لك وألقوا إليك السلم ووضع الله لك مجلسا فجلست عليه ثم قيل لك يفتح الله عليك وتنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته ثم قر: { إذا جاء نصر الله والفتح } إلى آخرها ثم انتبهت فقال له أبو بكر: نامت عيناك خيرا رأيت وخيرا يكون إن شاء الله.
ثم قال: بشرت بالفتح ونعيت إلي نفسي ثم دمعت عيني أبي بكر ثم قال: أما الحرشفة التي رأيتنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش وأما قولي للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دنو المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسا فإن الله يرفعني ويضع المشركين قال الله تعالى ليوسف: { ورفع أبويه على العرش } وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ علي السورة فإنه نعى إلي نفسي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة.
ومن مواقفه مع التابعين أن شرحبيل بن حسنة أغار على ساسمة مصبحا فقال لمن معه من المسلمين: صلوا على الظهر. فمر بالأشتر يصلي على الأرض. فقال: مخالف خالف الله به. ومضى شرحبيل ومن معه فاستحوذ على ساسمة فخربها فهي خراب إلى اليوم.
وفاته
اختلف في وفاته رضي الله عنه فقيل توفي يوم اليرموك
ويقال: طعن - أي توفي بالطاعون - هو وأبو عبيدة في يوم واحد وتوفي في طاعون عمواس وهو ابن سبع وستين وحديثه في الطاعون ومنازعته لعمرو بن العاص في ذلك مشهورة
منقول
أبو موسى الأشعري
أسمة ولقبة
اسمه عبد الله بن قيس بن سليم أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله بخيبر. وأرسله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع معاذ بن جبل إلى اليمن ، روي عن أبي بردة عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا
وصفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ووصف قومه بأنهم أهل رقة في القلوب وعذوبة في الصوت حتى إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كان يتأثر بقراءته للقرآن ويقول له "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" إنه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري
مناقبه وفضائله
قال أبو بردة عن أبي موسى قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم
وقد صح من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقلت يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا.
حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا مالك عن ابن بريدة عن أبيه قال خرج بريدة عشاء فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) تراه مرائيا فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتقول هو مراء؟! فقال بريدة أتقوله مراء يا رسول الله فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا بل مؤمن منيب لا بل مؤمن منيب. فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارا من مزامير داود فقلت ألا أخبره يا رسول الله قال بلى فأخبره فأخبرته فقال أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث.
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة ونحن ستة نفر على بعير نعتقبه قال: فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزاة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بريدة فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه.
وعن أبي سلمة قال كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا تعالى، فيقرأ (أي القرآن).
وعن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري صلاة الصبح فما سمعت صوت صنج ولا بربط (من آلات العزف) كان أحسن صوتًا منه
من أقواله رضى الله عنه
عن أبي كبشة السدوسي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: إن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه، ألا وإن مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه، ألا وإنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرًا لبطن، ألا وإن من ورائكم فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس البيوت.
وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار.
وعن أبي مجلز قال: قال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل.
وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى فقال: أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
رواهما الإمام أحمد رحمه الله.
وعن أبي بردة عن أبي موسى قال: خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، فسمعنا مناديًا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة فقلت: من أنت ومن أين أنت أو ما ترى أين نحن وهل نستطيع وقوفًا؟ قال فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال: قلت بلى أخبرنا، قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة، قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه.
وعن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له لو أجممت نفسك فقال: هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة، قال وربما خرج من منزله فيقول لامرأته: شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر.
حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبا. قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون غدا نلقى الأحبه محمدا وحزبه .
حدثنا يحيى بن بشر حدثنا روح حدثنا عوف عن معاوية بن قرة قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى الأشعري قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك. قال قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال أبي لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن لو نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت إن أباك والله خير من أبي
دعاء النبي( صلى الله عليه وسلم) له
روي عن أبي بردة عن أبيه قال لما فرغ النبي (صلى الله عليه وسلم) من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه فقال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر قال فرمي أبو عامر في ركبته رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار أبو عامر إلى أبي موسى فقال إن ذاك قاتلي تراه ذلك الذي رماني قال أبو موسى فقصدت له فاعتمدته فلحقته فلما رآني ولى عني ذاهبا فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي ألست عربيا ألا تثبت فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسيف فقتلته ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت إن الله قد قتل صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء فقال يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك أبو عامر استغفر لي قال واستعملني أبو عامر على الناس ومكث يسيرا ثم إنه مات فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقلت له قال قل له يستغفر لي فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه ثم قال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس فقلت ولي يا رسول الله فاستغفر فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى(رواه مسلم)
وفاته
عن الضحاك بن عبد الرحمن قال: دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال: اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا، فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعًا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في أضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.
قال أصحاب السير: توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين وقيل اثنتين وأربعين وقيل أربع وأربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.
منقول
المثنى بن حارثة
المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان الربعي الشيباني
حاله في الجاهلية
كان المشهور عن المثنى بن حارثة أنه من أشراف قبيلته وشيخ حربها ورجاحة عقله وإدارته المتميزة في المعارك.
وفي الجاهلية أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران ابن مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، فظفر بهم فقتل من أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناسٌ كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين أصحابه
قصة إسلامه
وفد المثنَى بن حارثة بن ضَمضَم الشّيبانيّ إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- سنة تسع مع وفد قومه، وكان شهماً شجاعاً ميمون النقيبة حسن الرأي
أهم ملامح شخصيته
حسن إدارته الشديدة للمعارك: كانت أنباء هزيمة الجسر ثقيلة على المسلمين؛ حتى إن عمر بن الخطاب ظل أشهرا طويلة لا يتكلم في شأن العراق؛ نظرا لما أصاب المسلمين هناك، ثم ما لبث أن أعلن النفير العام لقتال الفرس في العراق؛ فتثاقل الناس عليه، وعندما رأى ذلك قرر أن يسير هو بنفسه للقتال والغزو، فأشعل سلوكه ذلك الحماسة في قلوب المسلمين، فقدمت عليه بعض القبائل من الأزد تريد الجهاد في الشام، فرغبهم في الجهاد في العراق، ورغبهم في غنائم كسرى والفرس، وقدمت عليه قبيلة بجيلة، واشترطوا أن يقاتلوا في العراق على أن يأخذوا ربع الغنائم التي يحصلون عليها، فوافق عمر، وبدأت الجموع المجاهدة تتوافد على المثنى، الذي لم يكف عن ترغيب العرب في الجهاد.
واكتملت قوات المسلمين تحت قيادة المثنى بن حارثة، في مكان يسمى "البويب" (يقع حاليا قرب مدينة الكوفة)، وكان نهر الفرات بين الجيشين، وكان يقود الفرس "مهران الهمداني" الذي أرسل إلى المثنى يقول له: "إما أن تعبروا إلينا أو أن نعبر إليكم"، فرد عليه المثنى "أن اعبروا أنتم إلينا". وكان ذلك في (14 من رمضان 14هـ = 31 من أكتوبر 1635م). ويرى بعض المؤرخين أنها وقعت في رمضان سنة 13هـ، إلا أن تتبع ما وقع من أحداث في العراق يجعل الرأي الأقرب للصواب هو 14هـ. وقد أمر المثنى المسلمين بالفطر حتى يقووا على القتال، فأفطروا عن آخرهم، ورأى المثنى أن يجعل لكل قبيلة راية تقاتل تحتها؛ حتى يعرف من أين يخترق الفرس صفوف المسلمين، وفي هذا تحفيز للمسلمين للصمود والوقوف في وجه الفرس. وأوصى المثنى المسلمين بالصبر والصمت والجهاد؛ لأن الفرس عندما عبروا إلى المسلمين كانوا يرفعون أصواتهم بالأهازيج والأناشيد الحماسية، فرأى المثنى أن ذلك من الفشل وليس من الشجاعة. وخالط المثنى جيشه مخالطة كبيرة فيما يحبون وفيما يكرهون؛ حتى شعر الجنود أنه واحد منهم، وكانوا يقولون: "لقد أنصفتنا من نفسك في القول والفعل". ونظم المثنى جيشه، وأمرهم ألا يقاتلوا حتى يسمعوا تكبيرته الثالثة، ولكن الفرس لم يمهلوه إلا أن يكبر تكبيرة واحدة حتى أشعلوا القتال، وكان قتالا شديدا عنيفا، تأخر فيه النصر على المسلمين، فتوجه المثنى إلى الله تعالى وهو في قلب المعركة بالدعاء أن ينصر المسلمين، ثم انتخب جماعة من أبطال المسلمين وهجموا بصدق على الفرس فهزموهم، وعندما استشهد "مسعود بن حارثة" وكان من قادة المسلمين وشجعانهم وهو أخو المثنى قال المثنى: "يا معشر المسلمين لا يرعكم أخي؛ فإن مصارع خياركم هكذا"، فنشط المسلمون للقتال، حتى هزم الله الفرس. وقاتل مع المثنى في هذه المعركة أنس بن هلال النمري وكان نصرانيا، قاتل حمية للعرب، وكان صادقا في قتاله، وتمكن أحد المسلمين من قتل "مهران" قائد الفرس، فخارت صفوف الفرس، وولوا هاربين، فلحقهم المثنى على الجسر، وقتل منهم أعدادا ضخمة، قدرها البعض بمائة ألف، ولكن هذا الرقم لا يشير إلى العدد الفعلي، ولكنه كناية عن الكثرة فقط. وقد سميت معركة البويب بـ"يوم الأعشار"؛ لأنه وجد من المسلمين مائة رجل قتل كل منهم عشرة من الفرس، ورأى المسلمون أن البويب كانت أول وأهم معركة فاصلة بين المسلمين والفرس، وأنها لا تقل أهمية عن معركة اليرموك في الشام. ومن روعة المثنى أنه اعترف بخطأ ارتكبه أثناء المعركة رغم أنه حسم نتيجة المعركة، فقال: "عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم؛ فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها؛ فإنها كانت زلة فلا ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
ذكر قاسم بن ثابت فيما رأيته عنه من حديث عبد الله ابن عباس عن علي بن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال علي وكان أبو بكر في كل خير مقدماً فقال ممن القوم فقالوا من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمر وهانئ بن قبيصة ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمر قد غلبهم جمالاً ولساناً وكانت له غديرتان وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر رضي الله عنه فقال له أبو بكر رضي الله عنه كيف العدد فيكم فقال مفروق أنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد فقال أبو بكر فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضباً لحين نلقى وأنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا ويديل علينا أخرى لعلك أخو قريش فقال أبو بكر أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤوني وتنصروني فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد فقال مفروق وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" فقال مفروق وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال هذا هانئ ابن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنا إنما نزلنا بين صريي اليمامة والسمامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذان الصريان فقال أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاط من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نسائهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا" ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقال يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتجاوزون فيما بينهم
بعض مواقفه مع الصحابة
عندما أسلم المثنى بن حارثة كان يغِير هو ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الصديق أبا بكر رضي الله عنه، فسأل عن المثنى، فقيل له: "هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد
ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: "يا خليفة رسول الله استعملني على من أسلم من قومي أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس"، فكتب له الصديق عهدا، ولم يمضِ وقت طويل حتى أسلم قوم المثنى..
أثره في الآخرين ـ وعندما رأى المثنى البطء في الاستجابة للنفير قام خطيبا في الناس فقال ":أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، ونلنا منهم، واجترأنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعده
بعض كلماته
وقال المرزباني: كان مخضرما وهو الذي يقول:
سألوا البقية والرماح تنوشهم شرقي الأسنة والنحور من الدم
فتركت في نقع العجاجة منهم جزرا لساغبة ونسر قشعم
الوفاة
لمّا ولي عمر بن الخطاب الخلافة سيّر أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش الى المثنى، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس بـ( قس الناطف ) واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد، وجُرِحَ المثنى فمات من جراحته قبل القادسية، رضي الله عنهما
منقول
أبو طلحة الأنصاري
هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو طلحة مشهور بكنيته.
ووهم من سماه سهل بن زيد وهو قول ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في تسمية من شهد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا أبو طلحة من ولد أبي طلحة قال اسم أبي طلحة زيد..
وأمه هي عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار وهو مشهور بكنيته. شهد بدرا.
قصة إسلامه:
بدأت قصة إسلام أبي طلحة يوم أراد أن يخطب أم سُليم، حيث ذهب إليها فلما بلغ منزله، واستأذن إليه، فعرض نفسه عليها.
ـ فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد، ولكني لن أتزوجك فأنت رجل كافر.
ـ فقال: والله ما هذا الذي يمنعكِ مني يا أم سليم.
ـ قالت: فماذا إذا
ـ قال: الذهب والفضة. يعني أنها آثرت غيره عليه أكثر غنىً منه.
ـ قالت: بل إني أشهِدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله ؛ أنك إن أسلمت رضيت بك زوج، وجعلت إسلامك لي مهر.
فلما سمع أبو طلحة كلام أم سليم، انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من الخشب، يتوجه إليه بالعبادة.
ـ هنا قالت أم سليم: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض؟!
ـ فقال: بلى.
ـ قالت: ألا تشعر بالخجل وأنت تعبد جذع شجرة، جعلت بعضه لك إلهاً، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يخبز عليه عجينه؟!
ـ قال: ومَن لي الإسلام؟.
ـ قالت: أنا أعلمك كيف تدخل فيه: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم تذهب إلى بيتك فتحطم صنمك وترمي به.
ففعل أبو طلحة كل ذلك. ثم تزوَّج من أم سليم. فكان المسلمون يقولون
ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم، فقد جعلت مهرها الإسلام
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فكان يديم النظر إليه ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه.
أهم ملامح شخصيته
هو صحابي من الشجعان والرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام. كان أحد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة. شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان من أكبر أنصار الإسلام.
ومن شجاعته ما يرويه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم
وكما كان أبو طلحة جواداً بنفسه في ساعات البأس ، كان أيضاً جواداً بماله في مواقف البذل: *ومن ذلك أنه كان له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف المدينة بستاناً أعظم منه شجر، ولا أطيب ثمر، ولا أعذب منه ماءً.
وبينما كان أبو طلحة يصلي في بستانه، أثار انتباهه طائر أخضر اللون، أحمر المنقار، فأعجبه منظره، وشرد عن صلاته بسببه، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربع. فلما فرغ من صلاته ذهب إلى رسول الله، وشكا له نفسه التي شغلها البستان والطائر عن الصلاة، ثم قال: أشهد يا رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى، فضعه حيث يحب الله ورسوله.
وفي الصحيحين عن أنس لما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة أرجو برها وذخرها. فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بخ بخ ذاك مال رابح الحديث.
عاش أبو طلحة حياته صائماً مجاهد، فقد أثر عنه أنه بقي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم نحواً من ثلاثين عاماً صائماً، لم يفطر إلا حيث يَحرم الصوم.
بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم
قال البخاري:عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلك أبو طلحة؟" فقلت: نعم. قال: "بطعام؟" فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: "قوموا" فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلم يا أم سليم، ما عندك؟" فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم. فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من "صحيحه" ومسلم من غير وجه عن مالك.
ـ وروى عنه ربيبه أنس وابن عباس وأبو الحباب سعيد بن يسار وغيرهم وروى مسلم وغيره من طريق ابن سيرين عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما حلق شعره بمنى فرق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين وأعطى أبا طلحة الشق الأيسر كله
ـ ولما كان يوم أُحد ؛ وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فنفذ إليه المشركون من كل جانب، فكسروا رَباعيته، وشجوا جبينه، وجرحوا شفته، وأسالوا الدم على وجهه.
انتصب أبو طلحة أمام رسول الله كالجبل الراسخ، ووقف عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به، وأخذ أبو طلحة يرمي سهامه على جنود المشركين واحداً بعد واحد، وما زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله حتى كسر ثلاث أقواس، وقتل كثيراً من جند المشركين
ـ وعن أنس بن مالك قال كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب ويقول:
نفسي لنفسك الفداء... ووجهي لوجهك الوفاء
ثم ينشر كنانته بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل
وروى حميد عن أنس. قال: كان أبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه من خلف أبي طلحة ليرى مواقع النبل. قال: وكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: نحري دون نحرك
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
عن أنس بن مالك قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي فخرج في بعض حاجاته وقبض الصبي فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل الصبي فقالت أم سليم: هو أسكن مما كان. وقربت إليه العشاء فأكل ثم اصاب منها فلما فرغ قالت: واروا الصبي. قال: فلما اصبح أبو طلحة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " أعرستم الليلة قال: نعم. قال: بارك الله لكم ".
وفي غير هذا الحديث: فلما فرغ أبو طلحة قالت أم سليم: أرأيت أبا طلحة آل فلان فإنهم استعاروا عارية من آل فلان فلما طلبوا العارية أبوا أن يردوه. قال أبو طلحة: " ما ذلك لهم. قالت أم سليم: فإن ابنك كان عارية من الله تعالى متعك به إذ شاء وأخذه إذ شاء. ـ بعض الأحاديث التي نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه فقلنا إنا لنرى البشرى في وجهك فقال إنه أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا
ـ وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرئ قومك السلام فإنهم ما علمت أعفة صبر
ـ وروى أنس عن أبي طلحة قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس فذلك قوله عز وجل ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ـ وأخبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده قال فوجدت عنده سهل بن حنيف قال فدعا أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته فقال له سهل لم تنزعه فقال لأن فيه تصاوير وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ما قد علمت قال سهل أولم يقل إلا ما كان رقما في ثوب فقال بلى ولكنه أطيب لنفسي..
ـ وعن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه قال قال أبو طلحة كنا قعودا بالأفنية نتحدث فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فقال ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات فقلنا إنما قعدنا لغير ما باس قعدنا نتذاكر ونتحدث قال إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام.
ـ وأخبر الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل
بعض كلماته
لما عزم المسلمون على أن يغزوا في البحر في خلافة عثمان رضي الله عنه، أخذ أبو طلحة يجهز نفسه للخروج مع المسلمين، فقال له أبناؤه:
يرحمك الله يا أبان، لقد صرت شيخاً كبير، وقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فهلا رَكَنتَ إلى الراحة، وتركتنا نغزوا عنك. "
فقال: إن الله عزَّ وجل يقول: انفروا خفافاً وثقالاً
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباب..ثم أبى إلا الخروج
موقف الوفاة
بينما كان أبو طلحة رضي الله عنه على ظهر السفينة مع جند المسلمين
في وسط البحر ، مرض مرضا شديدا فارق على إثره الحياة.
فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها ، فلم يعثروا على
مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام ، و أبو طلحة رضي الله عنه مسجى بينهم
لم يتغير فيه شيء كأنه نائم ، و في عرض البحر ، بعيدا عن الأهل والوطن
دفن أبو طلحة رضي الله عنه
بتصرف
عمرو بن العاص
مقدمة
هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، يكنى بأبي عبد الله، يذكر ( العسلي) أنه ولد قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ 47 عامًا، نشأ في ظل والده (العاص بن وائل) معاديًا للإسلام والمسلمين
كان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم، وكان شاعرا حسن الشعر حفظ عنه الكثير في مشاهد شتى. ومن شعره في أبيات له يخاطب عمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه وغادر سبة... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
ولعل موقفه من المهاجرين المسلمين إلى الحبشة، حيث أرسلته ( قريش) لردهم من أبرز مواقفه ضد المسلمين في جاهليته:
إذ كان من دهاة قريش ورسولهم إلى النجاشي ليرد المهاجرين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: فعن أم سلمة ابنة ابي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا الا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه ان يسلمهم إليكم قبل ان يكلمهم قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق الا دفعا إليه هديته قبل ان يكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق منهم انه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم ثم انهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له أيها الملك انه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه قالت ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من ان يسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال فغضب النجاشي ثم قال لا ها الله أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وان كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائن في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من كهيعص قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي ان هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد قالت أم سلمة فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لأنبئنهم غدا عيبهم عندهم ثم استأصل به خضراءهم قالت فقال له عبد الله بن أبى ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قالت ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبى طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وان نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبرا ذهبا وإني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت فوالله انا على ذلك إذ نزل به يعنى من ينازعه في ملكه قالت فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر قالت فقال الزبير بن العوام أنا قالت وكان من أحدث القوم سنا قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة
إسلامـه
أسلم رضي الله عنه في العام الثامن للهجرة، أي وقد تجاوز الخمسين من عمره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص)
وذكر الزبير بن بكار أن رجلا قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يواري حلومهم الخبال، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروا عليه فلذنا بهم ،فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا، فإذا حق بين، فوقع في قلبي الإسلام فعرفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه، فبعثوا إلى فتى منهم فناظرني في ذلك فقلت أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى قلت: فنحن أوسع عيشا أم هم؟ قال: هم. قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهم أعظم منا فيها أمرا في كل شيء، وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حق ولا خير في التمادي في الباطل
ولما أسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، وولاه غزاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ثم استعمله على عمان فمات وهو أميرها، ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر، وهو الذي افتتح قنسرين وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين
وعن ابن هبيرة أن معاوية رحمه الله كتب إلى عمر رضي الله عنه يستأذنه في ركوب البحر ويخبره انه ليس بينه وبين قبرس في البحر إلا مسيرة يومين فإن رأى أمير المؤمنين أن أغزوها فيفتحها الله تبارك وتعالى على يديه فسأل عن اعرف الناس بركوب البحر فقيل له عمرو بن العاص كان يختلف فيه إلى الحبشة فسأل عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن صاحبه منه بمنزلة دود على عود إن ثبت يعزق وان يميل يغرق فقال عمر رضي الله عنه: والله ما كنت لأحمل أحدا من من المسلمين على هذا ما بقيت
قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى البحرين ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وخرجنا معه فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فقال رحم الله عمرا قال فتذاكرنا كل إنسان اسمه عمرو فنعس ثانيا فاستيقظ فقال رحم الله عمرا ثم نعس الثالثة ثم استيقظ فقال رحم الله عمرا فقلنا من عمرو يا رسول الله قال عمرو بن العاص قالوا ما باله قال ذكرته أني كنت إذا ندبت الناس إلى الصدقة فجاء بالصدقة فأجزل فأقول له من أين لك هذا فيقول من عند الله وصدق عمرو أن لعمرو خيرا كثيرا قال زهير فلما كانت الفتنة قلت أتبع هذا الذي قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال فلم أفارقه
ومن تواضعه: قال رجل لعمرو بن العاص أرأيت رجلا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبه أليس رجلا صالحا قال بلى قال قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبك وقد استعملك فقال قد استعملني فوالله ما أدري أحبا كان لي منه أو استعانة بي ولكن سأحدثك برجلين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبهما عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر
و عن موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو، اشدد عليك سلاحك وثيابك، قال: ففعلت ثم أتيته فوجدته يتوضأ فرفع رأسه فصعد في النظر وصوبه قال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك، وأزعب لك من المال زعبة صالحة، قال: قلت: يا رسول الله، لم أسلم رغبة في المال إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك، قال: يا عمرو، نعما بالمال الصالح مع الرجل الصالح.
وعن علقمة بن وقاص أن عمرو بن العاص قام إلى عثمان وهو يخطب الناس فقال: يا عثمان إنك قد ركبت بالناس المهامة وركبوها منك فتب إلى الله عز وجل وليتوبوا. قال: فالتفت إليه عثمان فقال: وإنك لهناك يا بن النابغة ثم رفع يديه واستقبل القبلة وقال: أتوب إلى الله اللهم إني أول تائب إليك
ومن تربيته لابنه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال زوجني أبي امرأة من قريش فلما دخلت على جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة فجاء عمرو بن العاص إلى كنته حتى دخل عليها فقال لها كيف وجدت بعلك قالت خير الرجال أو كخير البعولة من رجل لم يفتش لنا كنفا ولم يعرف لنا فراشا فأقبل على فعذمني وعضني بلسانه فقال أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها وفعلت وفعلت ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال لي أتصوم النهار قلت نعم قال وتقوم الليل قلت نعم قال لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني قال اقرأ القرآن في كل شهر قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال فاقرأه في كل عشرة أيام قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال أحدهما أما حصين واما مغيرة قال فاقرأه في كل ثلاث قال ثم قال صم في كل شهر ثلاثة أيام قلت إني أقوى من ذلك قال فلم يزل يرفعني حتى قال صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صيام أخي داود صلى الله عليه وسلم قال حصين في حديثه ثم قال صلى الله عليه وسلم فإن لكل عابد شرة ولكل شرة فترة فأما إلى سنة وأما إلى بدعة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدي ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك قال مجاهد فكان عبد الله بن عمرو حيث ضعف وكبر يصوم الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعض ليتقوى بذلك ثم يفطر بعد تلك الأيام قال وكان يقرأ في كل حزبه كذلك يزيد أحيانا وينقص أحيانا غير انه يوفي العدد أما في سبع وأما في ثلاث قال ثم كان يقول بعد ذلك لأن أكون قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي مما عدل به أو عدل لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره
وعن المزني قال: سمعت الشافعي يقول: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال: أصلحت من دنياي قليلا وأفسدت من ديني كثيرا فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ولو كان ينجيني أن أهرب هربت فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي. فقال له ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله صار ابن أخيك أخاك ولا تشاء أن أبكى إلا بكيت كيف يؤمن برحيل من هو مقيم فقال عمرو: على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى. قال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله أخذت جديدا وتعطى خلقا فقال عمرو: ما لي ولك يا ابن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضه
عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده قال: قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظمائهم: أخرجوا إلي رجلا يكلمني وأكلمه، فقلت: لا يخرج إليه غيري فخرجت ومعي ترجماني ومعه ترجمانه حتى وضع لنا منبر، فقال: ما أنتم؟ فقلت: إنا نحن العرب ونحن أهل الشوك والقرظ ونحن أهل بيت الله، كنا أضيق الناس أرضا وأشدهم عيشا، نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض، بأشد عيش عاش به الناس حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفا ولا أكثرنا مالا، وقال: أنا رسول الله إليكم، يأمرنا بما لا نعرف وينهانا عما كنا عليه وكانت عليه آباؤنا، فكذبناه ورددنا عليه مقالته حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدقك ونؤمن بك ونتبعك ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم وخرجنا إليه فقاتلناه، فقتلنا وظهر علينا وغلبنا، وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش
فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، فكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فجعلوا يعملون بأهوائهم ويتركون أمر الأنبياء؛ فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يشارككم أحد إلا ظهرتم عليه، فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر نبيكم وعملتم مثل الذي عملوا بأهوائهم فخلى بيننا وبينكم لم تكونوا أكثر عددا منا ولا أشد منا قوة. قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلا قط أمكر منه
عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.
عن سعيد بن المسيب حدثني عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا، قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض فأخذ عودا صغيرا ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود؛ ولذلك سماه الله سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين.
الوصيه والوفاة
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى عمرو بن العاص في الوهط قضى أنه صدقة في سبيل صدقة التي أمر الله بها على سنة صدقات المسلمين وتصدق بها ابتغاء وجه الله والدار الآخرة لا يباع ولا يوهب ولا يورث حتى يرثه الله قائما على اصوله ولا يرثه ولا يجوز لأحد من الناس تغيير شيء من الذي قضيت فيه وعهدت وأحرمه بما حرم
الله أموال المسلمين وأنفسهم وصدقاتهم ولا يباع ولا يورث ولا يهلك ولا يغير قضائي الذي قضيت فيه وتركته عليه ولا يحل لمسلم يعبد الله تبديل شيء منه ولا تغييره عن عهده والذي جعلته له وهو إلى ولي من آل عمرو بن العاص ووليه منهم المصلح غير المفسد والمتبع فيه قضائي وعهدي فمن أراد أن ينقصه أو يغير شيئا منه فهو السفيه المبطل الذي لا قضاء له في صدقتي ولا أمر ولم أكتب كتابي هذا إلا خشية أن يلحق فيه سفيه... بقرابة لا يعلم شأن صدقتي والذي تركتها عليه وعهدت فيها فيحدث نفسه بما لا يحل له ولا يجوز لقلة علمه وسفه رأيه فليس لأحد من أولئك في صدقتي حق ولا أمر وأحرج بالله على كل مسلم يعبد الله من ذي قرابة أو غيره وإمام ولاه الله أمر المسلمين أن يغير صدقتي عن ما وصيت فيها أو قضيت وتركتها عليه طلحة بن عبيد الله ومعبد بن معمر وعبد الرحمن بن عوف وأبو جهم بن حذيفة والحارث بن الحكم وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن مطيع وجبير بن الحويرث وأبو سفيان بن ماهد ونافع بن طريف وكتب لعشر ليال خلون من المحرم من سنة تسع وعشرين
ولما حضرته الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فلم أأتمر وزجرتني فلم أنزجر ووضع يده في موضع الغل وقال: اللهم لا قوي فأنتصر ولا بريء فأعتذر ولا مستكبر بل مستغفر لا إله إلا أنت. فلم يزل يرددها حتى مات
عن أبي فراس مولى عمرو بن العاص أن عمرا لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله إذا أنا مت فاغسلني وكفني وشد علي إزاري أو أزري فإني مخاصم فإذا أنت غسلتني فأسرع بي المشي فإذا أنت وضعتني في المصلى وذلك يوم عيد إما فطر أو أضحى فانظر في أفواه الطرق فإذا لم يبق أحد واجتمع الناس فابدأ فصل علي ثم صل العيد فإذا وضعتني في لحدي فأهيلوا علي التراب فإن شقي الأيمن ليس أحق بالتراب من شقي الأيسر فإذا سويتم علي التراب فاجلسوا عند قبري نحو نحر جزور وتقطيعها استأنس بكم
ومات عمرو بن العاص يوم الفطر وقد بلغ أربعا وتسعين سنة وصلى عليه ابنه عبد الله ودفن بالمقطم في سنة ثلاث وأربعين ثم استعمل معاوية على مصر وأعمالها أخاه عتبة بن أبي سفيان.
منقول
أبي بن كعب
مقدمة
هو أُبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، له كنيتان: أبو المنذر؛ كناه بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو الطفيل؛ كناه بها عمر بن الخطاب بابنه الطفيل، وأمه صهيلة بنت النجار وهي عمة أبي طلحة الأنصاري، وكان أُبيّ رضي الله عنه أبيض الرأس واللحية لا يخضب
إسلامه
كان رضي الله عنه ممن أسلم مبكرًا، وقد شهد بيعة العقبة الثانية، وبعد الهجرة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيته
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال ما هؤلاء فقيل هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي وهم يصلون بصلاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، وكانت هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة الدافع الذي جعل أُبي رضي الله عنه أحد المجتهدين وأحد علماء الصحابة وقرّائهم، ومع اجتهاده إلا أنه كان دائما يستأذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا على بلى وعذرة وجميع بني سعد بن هديم من قضاعة قال: فصدقتهم حتى مررت برجل منهم وكان منزله وبلده من أقرب منازلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قال: فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض قال: فقلت له: أد ابنة مخاض فإنها صدقتك فقال: ذاك مالا لبن فيه ولا ظهر وإيم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسول له قبلك وما كنت لأقرض الله من مالي مالا لبن فيه ولا ظهر ولكن خذ هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب فإما أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل فإن قبله منك قبله وإن رد عليك رده قال: فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسول له قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما على فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة سمينة ليأخذها فأبى علي وهاهي ذه قد جئتك بها يا رسول الله فخذها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي عليك وإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك، قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة.
وكان دائما ما يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ما جزاء الحمى قال: تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق قال أبي: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك ولا خروجا إلى بيتك ولا مسجد نبيك قال: فلم يمس أبي قط إلا وبه حمى
الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب في صدره فيفيض عرقًا
روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقا فقال لي يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلقُ كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم
الرسول يعلمه
عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبي وهو يصلي فالتفت أبي ولم يجبه وصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام: "ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك" فقال يا رسول الله: إني كنت في الصلاة قال: "أفلم تجد فيما أوحي إلي (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)" قال: بلى ولا أعود إن شاء الله...
وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها" قلت: بلى قال: "فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت معه فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب قال فذكرته فقلت: يا رسول الله السورة التي قلت لي، قال "فكيف تقرأ إذا قمت تصلي" فقرأ بفاتحة الكتاب قال: "هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُ بعد
أهم ملامح شخصيته
عميد قرّاء الصحابة وأحد علمائهم
الله عز وجل يأمر رسوله العظيم صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن على أبي بن كعب:
روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ "لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" قَالَ: وَسَمَّانِي قَالَ: "نَعَمْ" فَبَكَى.
فكان رضي الله ممن جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري بسنده عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.
وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أقرأ الأمة فعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"
بل وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يستقرأوا القرآن عليه ففي البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول استقرئوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل قال لا أدري بدأ بأبي أو بمعاذ بن جبل.
وعند الإمام أحمد بسنده عن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْفَجْرِ فَتَرَكَ آيَةً فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "أَفِي الْقَوْمِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ" قَالَ أُبَيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ: نُسِخَتْ آيَةُ كَذَا وَكَذَا أَوْ نُسِّيتَهَا قَالَ: "نُسِّيتُهَا"
ففي صحيح مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" قال: قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" قال: فضرب في صدري وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر".
قال النووي في شرح مسلم: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لِأُبَيِّ بْن كَعْب لِيَهْنِكَ الْعِلْم أَبَا الْمُنْذِر ) فِيهِ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِأُبَيٍّ وَدَلِيل عَلَى كَثْرَة عِلْمه. وَفِيهِ تَبْجِيل الْعَالِم فُضَلَاء أَصْحَابه وَتَكْنِيَتهمْ ، وَجَوَاز مَدْح الْإِنْسَان فِي وَجْهه إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة ، وَلَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ إِعْجَاب وَنَحْوه ; لِكَمَالِ نَفْسه وَرُسُوخه فِي التَّقْوَى.
وقد أخذ عن أُبي قراءة القرآن ابنُ عباس وأبو هريرة وعبدُ الله بن السائب وعبدُ الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي، وحدث عنه سويد بن غفلة وعبد الرحمن بن أبزى وأبو المهلب وآخرون...
فقد عرف الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا له حقه، وأنزلوه المنزلة التي يستحقها وعرفوا له علمه وفضله، وكان يسألونه عما لا يعرفون، روى البخاري بسنده عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى قال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال هل تعلم أحدا أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى بلى عبدنا خضر فسأل موسى السبيل إليه فجعل الله له الحوت آية وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه وكان يتبع أثر الحوت في البحر فقال لموسى فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره قال ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا خضرا فكان من شأنهما الذي قص الله عز وجل في كتابه.
يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان قال: وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فكتب.
وعن زرّ بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر فقال: رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.
وكان رضي الله عنه أول من أمّ الناس في صلاة التراويح فعن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.
وعن أبي بن كعب قال: أما أنا فأقرأ القرآن في ثماني ليال.
وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أتى على هذه الآية "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ" فأتى أبي بن كعب فسأله: أينا لم يظلم؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إنما ذاك الشرك أما سمعت قول لقمان لابنه: "يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
إلى بيته يُؤتى الحكم
عن ابن سيرين قال: اختصم عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء فحكما أبي بن كعب فأتياه فقال عمر بن الخطاب إلى بيته يؤتى الحكم فقضى على عمر باليمين فحلف ثم وهبها له معاذ.
جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت له:إني وضعت بعد وفاة زوجي قبل انقضاء العدة فقال عمر: أنت لآخر الأجلين، فمرت بأبي بن كعب فقال لها: من أين جئت؟ فذكرت له وأخبرته بما قال عمر فقال: اذهبي إلى عمر وقولي له إن أبي بن كعب يقول قد حللت فإن التمستيني فإني ها هنا فذهبت إلى عمر فأخبرته فقال: ادعيه فجاءته فوجدته يصلي فلم يعجل عن صلاته حتى فرغ منها ثم انصرف معها إليه فقال له عمر: ما تقول هذه؟ فقال أبي: أنا قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم"وأولات الأحمال اجلهن أن يضعن حملهن" فالحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم نعم فقال عمر للمرأة: اسمعي ما تسمعين.
وخطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني خازنا
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا قال: فخرجنا فكنت أنا و أبي بن كعب في مؤخرة الناس فهاجت سحابة فقال أبي: اللهم اصرف عنا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رجالهم فقال عمر: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله أن يصرف عنا أذاها فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم؟
وعن ابن عباس قال: كان للعباس دار إلى جنب المسجد وفي المسجد ضيق فأراد عمر أن يدخلها في المسجد فأبى فقال: اجعل بيني وبينك رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا بينهما أبي بن كعب فقضى للعباس على عمر فقال عمر: ما أحد من أصحاب محمد أجرأ علي منك فقال أبي: أو أنصح لك مني قال: يا أمير المؤمنين أما بلغك حديث داود أن الله عز وجل أمره ببناء بيت المقدس فأدخل فيه بيت امرأة بغير إذنها فلما بلغ حجز الرجال منعه الله بناءه قال داود: يا رب منعتني بناءه فاجعله في عقبي فقال العباس: أليس قد صارت لي وقضى لها بها؟ قال: فإني أشهدك أني قد جعلتها لله عز وجل.
وعن ابن سيرين قال: تسلف أبي بن كعب من عمر بن الخطاب مالا قال: أحسبه عشرة آلاف ثم إن أبيا أهدى له بعد ذلك من تمرته وكانت تبكر وكان من أطيب أهل المدينة تمرة فردها عليه عمر فقال أبي: ابعث بمالك فلا حاجة لي في شيء منعك طيب تمرتي، فقبلها، وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسىء
أثره في الآخرين
روى البخاري بسنده عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى قال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال هل تعلم أحدا أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى بلى عبدنا خضر فسأل موسى السبيل إليه فجعل الله له الحوت آية وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه وكان يتبع أثر الحوت في البحر فقال لموسى فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره قال ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا خضرا فكان من شأنهما الذي قص الله عز وجل في كتابه.
وكان رضي الله ممن جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري بسنده عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.
وقد أخذ عن أُبي قراءة القرآن ابنُ عباس وأبو هريرة وعبدُ الله بن السائب وعبدُ الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي، وحدث عنه سويد بن غفلة وعبد الرحمن بن أبزى وأبو المهلب وآخرون...
وعن زرّ بن حبيش قال:سألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر فقال: رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.
وعن أسلم المنقري قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى يحدث عن أبيه قال: لما وقع الناس في أمر عثمان رضي الله عنه قلت لأبي بن كعب: أبا المنذر ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه ما استبان لكم فاعملوا به وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه
بعض ما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم
في سنن أبي داود عن عن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الصبح فقال " أشاهد فلان؟ " قالوا لا قال " أشاهد فلان؟ " قالوا لا قال " إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الركب وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل
وعنه رضي الله عنه قال: كان رجل لا أعلم أحدا من الناس ممن يصلي القبلة من أهل المدينة أبعد منزلا من المسجد من ذلك الرجل وكان لا تخطئه صلاة في المسجد فقلت لو اشتريت حمارا تركبه في الرمضاء والظلمة فقال ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن قوله ذلك فقال أردت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت فقال " أعطاك الله ذلك كله أعطاك الله جل وعز ما احتسبت كله أجمع. قال الألباني: صحيح
عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم في الوتر قال "سبحان الملك القدوس
بعض كلماته
من أقواله رضي الله عنه: تعلموا العربية كما تعلمون حفظ القرآن.
وقوله: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن قوله تعالى: "وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ" ولكن قولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به
وقوله رضي الله عنه: الشهداء في قباب من رياض بفناء الجنة يبعث لهم حوت وثور يعتركان فيلهون بهما فإذا اشتهوا الغداء عقر أحدهما صاحبه فأكلوا من لحمه يجدون في لحمه طعم كل طعام في الجنة وفي لحم الحوت طعم كل شراب.
وقوله رضي الله عنه: الصلاة الوسطى صلاة العصر
وقوله رضي الله عنه: ما ترك عبد شيئا لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به فأخذه من حيث لا ينبغي له إلا أتاه الله بما هو أشد عليه.
وقال رضي الله عنه: إن مطعم ابن آدم ضرب للدنيا مثلا وإن قزحه وملحه فقد علم إلى ما يصير
وعن أبي العالية قال: قال رجل لأبي بن كعب: أوصني قال: اتخذ كتاب الله إماما وأرض به حكما وقاضيا؛ فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم شفيع مطاع، وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم.
وفاته رضي الله عنه
ثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا فيها؟ قال: كفارات فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قَلّت؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، فدعا أبي ألا يفارقه الوعك حتى يموت، وألا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات.
عن جندب قال: أتيت المدينة... خرجت لبعض حاجتي فإذا الطرق مملوءة من الناس لا آخذ في سكة إلا استقبلني الناس، قال، فقلت ما شأن الناس؟ قالوا: إنا نحسبك غريبا قال: قلت أجل قالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب.
وقد اختلف في سنة وفاته رضي الله عنه وأرضاه فقيل توفي في خلافة عمر سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، قال في المستدرك: وهذا أثبت الأقاويل لأن عثمان أمره بأن يجمع القرآن
بتصرف
النعمان بن المقرن
هو النعمان بن عمرو بن مقرن بن عائذ بن مزينة.
قصة إسلامه
كان يوم إسلامه يوما مشهودا إذ أسلم معه عشرة أخوة له ومعهم أربعمائة فارس بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال فيهم (ان للإيمان بيوتا و للنفاق بيوتا وان بيـت بني مقرن من بيوت الايمان)بعض المواقف من حياته مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
ولقد شهد النعمان الغزوات كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان له ولقبيلته دور بارز في محاربة المرتدين
وأخرج ابن شاهين من طريق يحيى بن عطية، عن أبيه، عن عمرو بن النعمان بن مقرن قال: قدم رجال من مزينة فاعتلوا على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنهم لا أموال لهم يتصدقون منها، وقدم النعمان بن مقرن بغنم يسوقها إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فنزلت فيه( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ )
بعض المواقف من حياته مع الصحابة
وكان النعمان بطل معركة نهاوند يوم أن ندبه أمير المؤمنين عمر لهذه المهمة الجليلة اذ كتب اليه قائل:(فانه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فاذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقا فتكفرهم ولا تدخلهم غيضة فان رجلا من المسلمين أحب الي من مئة ألف دينار والسلام عليكم) فسار النعمان بالجيش والتقى الجمعان، ودارت المعركة حتى ألجـأ المسلمون الفـرس الى التحصـن فحاصروهم وطال الحصـار عدة أسابيع وفكر المسلمون في طريقة يستخرجون فيها الفرس من حصونهم لمناجزتهم، فبعثوا عليهم خيـلا تقاتلهم بقيـادة القعقاع حتى اذا خرجـوا من خنادقهم تراجـع القعقاع فطمعوا وظنوا أن المسلمين قد هزمو، وكان النعمان قد أمـر جيش المسلمين ألا يقاتلوا حتى يأذن لهم وخاطبهم قائل:(اني مكبر ثلاثا فاذا كبرت الثالثة فاني حامل فاحملو، وان قتلت فالأمر بعدي لحذيفة فان قتل ففلان ) حتى عد سبعة آخرهم المغيرة، ثم دعا ربه قائلا: (اللهم أعزز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم، اللهم اني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الاسلام واقبضني شهيدا )فبكى الناس من شدة التأثر ودارت المعركة على مشارف نهاوند، وقاد النعمان المعركة بشجاعة نادرة وظفر بالشهادة التي كان يتمناه، وتحقق الفتح العظيم الذي طلبه من الله، فأخذ أخوه نعيم بن مقرن الراية وسلمها لحذيفة، فكتم أمر استشهاده حتى تنتهي المعركة وذهب البشير يخبر أمير المؤمنين عمر و يقول له:( فتح الله عليك، وأعظم الفتح، واستشهد الأمير ) فقال عمر:( انا لله وانا اليه راجعون ) واعتلى المنبر ونعى الى المسلمين النعمان بن المقرن أمير نهاوند وشهيدها وبكى وبكى حتى علا صوته بالبكاء رضي الله عن النعمان القائد المنتصر شهيد معركة فتح الفتوح
بعض الأحاديث التي نقلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم
عن النعمان بن عمرو بن مقرن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
وعن معقل بن يسار، عن النعمان بن مقرن أنه قال: شهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس صححه الترمذي.
وعن أبي خالد الوالبي عن النعمان بن مقرن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب رجل رجلا عنده قال فجعل الرجل المسبوب يقول عليك السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ملكا بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا قال له بل أنت وأنت أحق به وإذا قال له عليك السلام قال لا بل لك أنت أحق به..
وعن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع مائة من مزينة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره فقال بعض القوم يا رسول الله ما لنا طعام نتزوده فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر زودهم فقال ما عندي إلا فاضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شيئا فقال انطلق فزودهم فانطلق بنا إلى علية له فإذا فيها تمر مثل البكر الأورق فقال خذوا فأخذ القوم حاجتهم قال وكنت أنا في آخر القوم قال فالتفت وما أفقد موضع تمرة وقد احتمل منه أربع مائة رجل
موقف الوفاة
عن معقل بن يسار: أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان فقال: أصبهان: الرأس، وفارس وأذربيجان: الجناحان، فإذا قطعت جناحا فاء الرأس وجناح، وإن قطعت الرأس، وقع الجناحان. فقال عمر للنعمان بن مقرن: إني مستعملك، فقال: أما جابيا، فلا، وأما غازيا، فنعم، قال: فإنك غازٍ. فسرحه، وبعث إلى أهل الكوفة ليمدوه وفيهم حذيفة والزبير والمغيرة، والأشعث، وعمرو بن معدي كرب. فذكر الحديث بطوله. وهو في " مستدرك الحاكم " وفيه: فقال: اللهم ارزق النعمان الشهادة بنصر المسلمين، وافتح عليهم. فأمنوا، وهز لواءه ثلاث. ثم حمل، فكان أول صريع رضي الله عنه. ووقع ذو الحاجبين من بغلته الشهباء، فانشق بطنه، وفتح الله، ثم أتيت النعمان وبه رمق، فأتيته بماء، فصببت على وجهه أغسل التراب، فقال: من ذ؟ قلت: معقل قال ما فعل الناس؟ قلت: فتح الله. فقال: الحمد لله. اكتبوا إلى عمر بذلك، وفاضت نفسه رضي الله عنه.
منقول
معاذ بن جبل
نسبه وإسلامه
هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، يكنى أبا عبد الرحمن، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله، وأردفه رسول الله وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وكان له من الولد عبد الرحمن وأم عبد الله وولد آخر لم يذكر اسمه...
صفته
عن أبي بحرية يزيد بن قطيب السكونى قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت من هذا قالوا معاذ بن جبل. وعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى قال: قلت لجليس لي من هذا؟ قالوا هذا معاذ بن جبل. وعن الواقدي عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلا طَوَالا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا.
ثناء رسول الله على معاذ
عن أنس قال: قال رسول الله: [أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل] رواه الإمام أحمد. وعن عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله إلى اليمن خرج معه رسول الله يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا. وقد بعثه رسول الله ( إلى اليمن قاضيًا، وقال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء)، قــال: أقضـي بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد في كتاب الله)، قال: فبسنة رسول الله (، قال: (فإن لم تجد في سنة رسول الله ( ولا في كتاب الله؟) قال: اجتهد رأيي، فضرب رسول الله ( صدره، وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) [الترمذي وأبو داود وأحمد]. وقابله النبي ( ذات يوم، وقال له: (يا معاذ، إني لأحبك في الله) قال معاذ: وأنا والله يا رسول الله، أحبك في الله. فقال (: (أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). [أبو داود والنسائي والحاكم]. حتى قال عنه النبي (: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل)
ثناء الصحابة عليه
عن الشعبي قال: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدري ما الأمة؟ وما القانت فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله. وعن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له.
وقال عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: عجزت النساء أن يلدن مثله، ولولاه لهلك عمر.قدمه عمر في الفقه، فقال: من أراد الفقه؛ فليأت معاذ بن جبل
عن زهده وعن ورعه
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: الله يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ووصله، الله يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء. وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام والناس في شغل فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر
عن تعبده وإجتهاده وجوده وكرمه
عن ثور بن يزيد قال: كان معاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًّا جميلا سمحًا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى أدان دينا أغلق ماله فكلم رسول الله أن يكلم غرماءه أن يضعوا له شيئا ففعل فلم يضعوا له شيئا، فدعاه النبي فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه فقام معاذ لا مال له قال الشيخ: كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيءًا.
من مواعظه وكلامه
عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون. وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد. وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني موصيك بأمرين إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما فتزول به معك أينما زلت. وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة. وعن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد
مرضه ووفاته
عن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك. واتفق أهل التاريخ أن معاذًا ـ مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة ، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون.
منقول
Powered by vBulletin® Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd