princeoflaw
03-05-2007, 10:45
الرسول يصلي الفجر في القاهرة...
أعترف أن الحزن اجتاحني عندما قرأت نبأ ايـهام الإمام للمصلين بحضور الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الحامدية الشاذلية بالقاهرة، في أواخر شهر رمضان الماضي، ومخاطبته على الملأ وكأنه يراه صلى الله عليه وسلم،
ثم إطالة الصلاة حتى الشروق لدرجة أن الركعة الثانية استغرقت وحدها 75 دقيقة!!!.
والذي لا يفهمه الكثيرون أننا – في الحقيقة – أمام صناعة من نوع شديد الخطر، ألا وهي صناعة المعجزات، فهناك زبون متعطش إلى السلعة حتى لو كانت زائفة!!، وهناك منتج يمتلك خطوط إنتاج لصناعتها بالجملة، وهناك من يقوم بالدعاية للسلعة على نطاق واسع، وهناك من يمارس التسويق لها.
بالضبط مثلما يحدث في صناعة التفسير العلمي للقرآن الكريم، والعلاقة وثيقة جدًّا بين الصناعتين، فكلها وجوه مختلفة لأصل واحد وتنويعات متنوعة على مقام صناعة المعجزة.
لماذا يطلبون الخارقة بكل هذا الإلحاح؟!!
أسئلة مؤلمة
لماذا لا يتوقف سيل الرسائل الإلكترونية التي تمتلئ بصور ملفقة عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية؟!!.
هل تذكرون صورة موجة كارثة تسونامي، والمكتوب عليها لفظ الجلالة؟!!.
هل تذكرون صورة تلك الغابة التي كوَّنت أشجارها عبارة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وانتشرت في طول مصر وعرضها، وعلقها الناس في كل مكان، رغم أنها مجرد لوحة مرسومة؟!!
هل تذكرون يوم خرجت علينا بعض الصحف بصور مزعومة منسوبة لوكالة ناسا الفضائية الأمريكية (!!!!!) تُظهر الكوكب الأرضي في ظلام تام باستثناء الحرمين الشريفين، المكي والمدني؟!!.
لماذا هذا الإلحاح والإصرار على افتعال الخارقة والمعجزة؟!!.
المشكلة الكبرى، أن أقصى درجات تغييب العقل لا بد أن توجد حيثما وُجد تسويق لصناعة المعجزة؛ لأن "الزبون" يجب أن يعطِّل كل ملكاته النقدية ليستطيع ابتلاع المعجزة، فالأمر لا يحتاج لنظر طويل في القرآن الكريم والحديث الشريف، حتى نرفض منطق الخارقة، خاصة وسورة البقرة تبدأ بوصف المؤمنين بأنهم هؤلاء الذين (يؤمنون بالغيب)، وليت شعري أين الغيب مع كل هذه الخوارق والمعجزات؟!!.
لماذا لم نقرأ في كتب التاريخ الإسلامي موقفا مشابها لموقف الحامدية الشاذلية؟ هل زعم صحابي أو واحد من السلف أن الرسول حضر الصلاة معه يوما، أو هل حدث أن خاطب أحد الصحابة أو السلف رسول الله وكأنه حي يرزق أمامه؟!
ولكي أكون واضحا، أنا لا أتهم أحدا بالنصب الصريح بقدر ما أتهم من يختلقون هذه الخوارق بخداع النفس وتعطيل الملكات النقدية للعقل البشري، الذي هو نعمة الله ومناط التكليف.
إن أغلب المنتمين للفرق الصوفية نحسبهم صادقي الحب لله وللرسول، مرهفي المشاعر إلى حد كبير، شعراء حتى لو لم يكتبوا الشعر، وفنانون حتى ولو لم يمارسوا الفن، ولا عجب أن يستثير التراث الصوفي وجدان الغربيين؛ لأنه وعر حقا، شديد الكثافة والعنفوان.
حتى هؤلاء الذين يتلاعبون بعواطف المريدين فإنهم يصدِّقون أنفسهم في نهاية الأمر، وتختلط الحقائق بالأمنيات، والوقائع بالأحلام، والهواء النقي بالبخور الكثيف!!.
تفسير إمام المسجد كان أكثر من مذهل: هناك من رأى حلما وأخبره به!!! هو شخصيا أحس أن أنوار المسجد أكثر من المعتاد!!! وكذلك إضاءة السماء!!!، كما أن جموع المصلين أحسوا نفس الشيء وكانوا سعداء!!!.
وأعود لأسأل:
لماذا نأخذ ديننا من الأحلام بعد أن تمت النعمة واكتمل التشريع؟!.
وفي أي مذهب نراقب تلألؤ الأنوار ونعتبره مبررا لإيهام العامة بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم؟!.
والذي أود التأكيد عليه هو أن أدنى أنواع اليقين هو اليقين الذاتي غير المستند على حقائق؛ لأنه لا برهان عليه من عقل، كما لا يمكن تكراره واختباره بحال، ومسألة الإحساس واليقين لعبة يمارسها الجميع، فهل مشاعر الوجد التي يستشعرها الأقباط تصلح دليلا مقبولا على تجسد العذراء عليها السلام؟!!.
سل أي هنودسي عن مشاعر التطهر التي يشعر بها بعد طقوس الحج في نهر الجانج كل عام، بل ما ظنك بما كان يشعر به المصري القديم بعد تقديم القرابين لآمون؟!.
الخلاصة: أن مسألة الإحساس بدون سند من عقل ونظر لا يعول عليها على الإطلاق في ميزان الحق واليقين.
وكقاعدة، فإن العقل الجمعي يعطِّل دائما ملكة النقد ونعمة التفكير، عن نفسي فقد اشتريت الترام مرارا فيما سبق، إذ كانت هيبة الشيخ وتهيب المريدين منه تلغي قدراتي العقلية وتدفعني لبلع ما لا يمكن بلعه!!.
المشكلة التي لمستها بنفسي هو أنه يتم على نطاق واسع تمرير فكرة تعليم الرسول للشيخ كمصدر مواز لمصادر التشريع المعروفة!! والساذج من يظن أن الرؤية مقصورة عندهم على الرؤيا المنامية!! فهناك من يزعم أنه يرى الرسول جهرة ويتلقى التعليمات، ربما لا تصدقون ولكنه للأسف يحدث!.
نحن – للأسف - مجتمع لا يؤمن في أعماقه بالعلم، ويفتقر بشدة لثقافة الدليل، وما زال يعتقد أن أي مرض نفسي هو تلبس بالجان!! .
هناك استعداد مذهل لتصديق أي شيء يقال، تكلَّمْ عن علاج السرطان بالماء، وستجد من يستمع إليك بكل جدية، تكلم عن علاج فيروس "سي" بالحمام، سيصدقونك فورا، لا مشكلة على الإطلاق.
لقد مرت المجتمعات الغربية بكل تلك المراحل، لكنها تجاوزتها، وصار خيار التفكير العلمي وطلب البرهان على كل قضية بديهة مستقرة لا يمكن التراجع عنها، المحزن أننا كنا أولى بذلك منهم، فكتابنا يقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
وأصل الداء هو نظام التعليم عندنا؛ لأنه لم يعبأ إلا بحشو المعلومات دون تدريب عقولنا على طريقة التفكير العلمي وثقافة طلب الدليل، وكذلك المهازل التي تحدث في خطب الجمعة في طول مصر وعرضها، وغلبة الطابع الشعبي الموروث والقصص الخرافية عليها، وكل إمام يتحدث كما يروق له دون مراعاة السند والدليل، وكيف يراعيه ولا أحد يطلبه أو حتى يفكر في طلبه من الأساس؟!.
والمؤكد أن هذا السيناريو سيستمر إلى ما لا نهاية، أعني إقحام مقام الرسول صلى الله عليه وسلم واستخدامه في أغراض لا تليق، والتلاعب بمشاعر العامة، وتكريس ثقافة الخارقة، تلك الثقافة التي رفضها القرآن الكريم منذ اللحظة الأولى لنزوله، تقديرا لدور العقل في الحياة البشرية فنزل بكلمة (اقرأ) بالذات دون غيرها من الكلمات.
منقول : بقلم : د.أيمن محمد الجندي
أعترف أن الحزن اجتاحني عندما قرأت نبأ ايـهام الإمام للمصلين بحضور الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الحامدية الشاذلية بالقاهرة، في أواخر شهر رمضان الماضي، ومخاطبته على الملأ وكأنه يراه صلى الله عليه وسلم،
ثم إطالة الصلاة حتى الشروق لدرجة أن الركعة الثانية استغرقت وحدها 75 دقيقة!!!.
والذي لا يفهمه الكثيرون أننا – في الحقيقة – أمام صناعة من نوع شديد الخطر، ألا وهي صناعة المعجزات، فهناك زبون متعطش إلى السلعة حتى لو كانت زائفة!!، وهناك منتج يمتلك خطوط إنتاج لصناعتها بالجملة، وهناك من يقوم بالدعاية للسلعة على نطاق واسع، وهناك من يمارس التسويق لها.
بالضبط مثلما يحدث في صناعة التفسير العلمي للقرآن الكريم، والعلاقة وثيقة جدًّا بين الصناعتين، فكلها وجوه مختلفة لأصل واحد وتنويعات متنوعة على مقام صناعة المعجزة.
لماذا يطلبون الخارقة بكل هذا الإلحاح؟!!
أسئلة مؤلمة
لماذا لا يتوقف سيل الرسائل الإلكترونية التي تمتلئ بصور ملفقة عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية؟!!.
هل تذكرون صورة موجة كارثة تسونامي، والمكتوب عليها لفظ الجلالة؟!!.
هل تذكرون صورة تلك الغابة التي كوَّنت أشجارها عبارة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وانتشرت في طول مصر وعرضها، وعلقها الناس في كل مكان، رغم أنها مجرد لوحة مرسومة؟!!
هل تذكرون يوم خرجت علينا بعض الصحف بصور مزعومة منسوبة لوكالة ناسا الفضائية الأمريكية (!!!!!) تُظهر الكوكب الأرضي في ظلام تام باستثناء الحرمين الشريفين، المكي والمدني؟!!.
لماذا هذا الإلحاح والإصرار على افتعال الخارقة والمعجزة؟!!.
المشكلة الكبرى، أن أقصى درجات تغييب العقل لا بد أن توجد حيثما وُجد تسويق لصناعة المعجزة؛ لأن "الزبون" يجب أن يعطِّل كل ملكاته النقدية ليستطيع ابتلاع المعجزة، فالأمر لا يحتاج لنظر طويل في القرآن الكريم والحديث الشريف، حتى نرفض منطق الخارقة، خاصة وسورة البقرة تبدأ بوصف المؤمنين بأنهم هؤلاء الذين (يؤمنون بالغيب)، وليت شعري أين الغيب مع كل هذه الخوارق والمعجزات؟!!.
لماذا لم نقرأ في كتب التاريخ الإسلامي موقفا مشابها لموقف الحامدية الشاذلية؟ هل زعم صحابي أو واحد من السلف أن الرسول حضر الصلاة معه يوما، أو هل حدث أن خاطب أحد الصحابة أو السلف رسول الله وكأنه حي يرزق أمامه؟!
ولكي أكون واضحا، أنا لا أتهم أحدا بالنصب الصريح بقدر ما أتهم من يختلقون هذه الخوارق بخداع النفس وتعطيل الملكات النقدية للعقل البشري، الذي هو نعمة الله ومناط التكليف.
إن أغلب المنتمين للفرق الصوفية نحسبهم صادقي الحب لله وللرسول، مرهفي المشاعر إلى حد كبير، شعراء حتى لو لم يكتبوا الشعر، وفنانون حتى ولو لم يمارسوا الفن، ولا عجب أن يستثير التراث الصوفي وجدان الغربيين؛ لأنه وعر حقا، شديد الكثافة والعنفوان.
حتى هؤلاء الذين يتلاعبون بعواطف المريدين فإنهم يصدِّقون أنفسهم في نهاية الأمر، وتختلط الحقائق بالأمنيات، والوقائع بالأحلام، والهواء النقي بالبخور الكثيف!!.
تفسير إمام المسجد كان أكثر من مذهل: هناك من رأى حلما وأخبره به!!! هو شخصيا أحس أن أنوار المسجد أكثر من المعتاد!!! وكذلك إضاءة السماء!!!، كما أن جموع المصلين أحسوا نفس الشيء وكانوا سعداء!!!.
وأعود لأسأل:
لماذا نأخذ ديننا من الأحلام بعد أن تمت النعمة واكتمل التشريع؟!.
وفي أي مذهب نراقب تلألؤ الأنوار ونعتبره مبررا لإيهام العامة بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم؟!.
والذي أود التأكيد عليه هو أن أدنى أنواع اليقين هو اليقين الذاتي غير المستند على حقائق؛ لأنه لا برهان عليه من عقل، كما لا يمكن تكراره واختباره بحال، ومسألة الإحساس واليقين لعبة يمارسها الجميع، فهل مشاعر الوجد التي يستشعرها الأقباط تصلح دليلا مقبولا على تجسد العذراء عليها السلام؟!!.
سل أي هنودسي عن مشاعر التطهر التي يشعر بها بعد طقوس الحج في نهر الجانج كل عام، بل ما ظنك بما كان يشعر به المصري القديم بعد تقديم القرابين لآمون؟!.
الخلاصة: أن مسألة الإحساس بدون سند من عقل ونظر لا يعول عليها على الإطلاق في ميزان الحق واليقين.
وكقاعدة، فإن العقل الجمعي يعطِّل دائما ملكة النقد ونعمة التفكير، عن نفسي فقد اشتريت الترام مرارا فيما سبق، إذ كانت هيبة الشيخ وتهيب المريدين منه تلغي قدراتي العقلية وتدفعني لبلع ما لا يمكن بلعه!!.
المشكلة التي لمستها بنفسي هو أنه يتم على نطاق واسع تمرير فكرة تعليم الرسول للشيخ كمصدر مواز لمصادر التشريع المعروفة!! والساذج من يظن أن الرؤية مقصورة عندهم على الرؤيا المنامية!! فهناك من يزعم أنه يرى الرسول جهرة ويتلقى التعليمات، ربما لا تصدقون ولكنه للأسف يحدث!.
نحن – للأسف - مجتمع لا يؤمن في أعماقه بالعلم، ويفتقر بشدة لثقافة الدليل، وما زال يعتقد أن أي مرض نفسي هو تلبس بالجان!! .
هناك استعداد مذهل لتصديق أي شيء يقال، تكلَّمْ عن علاج السرطان بالماء، وستجد من يستمع إليك بكل جدية، تكلم عن علاج فيروس "سي" بالحمام، سيصدقونك فورا، لا مشكلة على الإطلاق.
لقد مرت المجتمعات الغربية بكل تلك المراحل، لكنها تجاوزتها، وصار خيار التفكير العلمي وطلب البرهان على كل قضية بديهة مستقرة لا يمكن التراجع عنها، المحزن أننا كنا أولى بذلك منهم، فكتابنا يقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
وأصل الداء هو نظام التعليم عندنا؛ لأنه لم يعبأ إلا بحشو المعلومات دون تدريب عقولنا على طريقة التفكير العلمي وثقافة طلب الدليل، وكذلك المهازل التي تحدث في خطب الجمعة في طول مصر وعرضها، وغلبة الطابع الشعبي الموروث والقصص الخرافية عليها، وكل إمام يتحدث كما يروق له دون مراعاة السند والدليل، وكيف يراعيه ولا أحد يطلبه أو حتى يفكر في طلبه من الأساس؟!.
والمؤكد أن هذا السيناريو سيستمر إلى ما لا نهاية، أعني إقحام مقام الرسول صلى الله عليه وسلم واستخدامه في أغراض لا تليق، والتلاعب بمشاعر العامة، وتكريس ثقافة الخارقة، تلك الثقافة التي رفضها القرآن الكريم منذ اللحظة الأولى لنزوله، تقديرا لدور العقل في الحياة البشرية فنزل بكلمة (اقرأ) بالذات دون غيرها من الكلمات.
منقول : بقلم : د.أيمن محمد الجندي