smilest
29-03-2007, 10:46
1 - مع وفدِ اليمن :
قدِم على النبي عليه الصلاة والسلام وفدٌ من اليمن ، وهم ثلاثة عشر رجلاً ، ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم ؛ فسُرّ النبيّ عليه الصلاة والسلام بهم ، وأكرم منزلهم ، وقالوا : يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا ، فقال عليه الصلاة والسلام ردوها على فقرائكم ، فقالوا : يا رسول الله ، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ما وفَدَ مِن العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من اليمن ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الهدى بيد الله عز وجل ، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان ، وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أشياء كثيرة .
بين الإضلال الجزائي والضلال الاختياري :
تعليق : إن الهدى بيد الله عز وجل ، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان ، وإذا عزي الإضلال إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، من أجل أن تكون العبارة عميقة بالفهم هؤلاء الذين شرح الله قلوبهم للهدى ، لأنهم طلبوا الهدى .
عودة إلى وفد اليمن :
وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أشياء فكتب لهم بها ، فجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن ، فازداد النبي عليه الصلاة والسلام بهم رغبة ، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم ، فأقاموا أياماً ، ولم يطيلوا المكث ، فقيل لهم : ما يعجلكم ؟ قالوا : نرجع إلى مَن وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلامنا إياه ، وما رد علينا ، ثم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يودعونه ، فأرسل إليهم بلالاً ، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود ، قال : هل بقي منكم أحد ؟ قالوا : نعم ، غلام خلفناه على رحالنا ، هو أحْدَثُنا سناً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرسلوه إلي ، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقضِ حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه .
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام تفقد امرأة كانت تَقُمُّ المسجد ، وما في السُّلّم الاجتماعي عمل أقلّ من هذا العمل ، فعن أبي هريرة
(( أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد ، أو شاب ، فَفَقَدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عنها أو عنه ، فقالوا : مات ، قال : أفلا كنتم آذنتموني ؟ ، قال : فكأنهم صغروا أمرها ، أو أمره ، فقال : دلوني على قبره ، فدلوه فصلى عليها ، قال : إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم )) .
( متفق عليه)
لا تفلت من قلبه الذكي شاردة ولا واردة ، فقال عليه الصلاة والسلام : هل بقي منكم أحد ، قالوا : نعم ، غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سناً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرسلوه إلي ، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا وودّعناه ، فأقبل الغلام حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله ، إني امرؤ من بني أبذى ، يقول من الرهط الذين أتوا آنفاً ، فقد قضيت حوائجنا ، يعني أنا من الرهط الذين أتوا آنفاً فقضيت حوائجهم ، فاقضَ حاجتي يا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : وما حاجتك ؟ قال : إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي ، وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام ، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم ، وإني والله يا رسول الله ما أقدمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ، ويرحمني ، وأن يجعل غناي في قلبي ، فقال عليه الصلاة والسلام ، وقد أقبل على الغلام : اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه ، ثم أمر بمثل ما أمر لرجل من أصحابه ، فانطلقوا راجعين إلى أهلهم ، ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر ، فقالوا : نحن بنو أبذى يا رسول الله ، قال : ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ قالوا : ما رأينا مثله قط ، ولا سمعنا بأقنع منه فيما رزقه الله عز وجل ، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوهم ، وما التفت إليهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني لأرجو أن يموت جميعاً ، ما فهموا عليه ، فقال أحدهم : يا رسول الله ، أو ليس يموت الرجل جميعاً ؟ قال عليه الصلاة والسلام : تتشعب أهواءه وهمومه في أودية الدنيا ، فلعل أجله يدركه في بعض تلك الأودية ، فلا يبالي الله عز وجل في أوديتها هلك ، فقالوا : فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا ، وأقنعه بما رزق ، فلما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكرهم بالله وبالإسلام ، فلم يرجع منهم أحد ، وجعل أبو بكر رضي الله عنه يذكره ، ويسأل عنه حتى بلغه حاله ، وما قام به ، فكتب إلى زياد بن لبيب يوصيه به خيراً .
هذا الشاب الذي كان في مؤخرة القافلة والذي وضعه قومه ليحرس الإبل ، لكن النبي تفقد كل من جاء من هذا الوفد فلعل هذا الشاب كان أفضلهم عند الله عز وجل .
2 - الأنس والتلطف والمداعبة مع جابر بن عبد الله :
لقطة ثانية وومضة ثانية من وضمات سيرة النبي عليه الصلاة والسلام : جابر بن عبد الله الصحابي الشاب ، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال جابر : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع مرتحلا على جمل لي ضعيف ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق ، أي أصحاب رسول الله تمضي ، أي تسبقني ، وجعلت أتخلف ، لأن جملي ضعيف ، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : مالَكَ يا جابر ؟ قلت : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا ، قال : أَنِخْهُ ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمله ، ثم قال : أعطني هذه العصا مِن يدك ففعلت ، فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فنخس بها الجمل نخسات ، أي وخزه بها وخزات ، ثم قال : اركب ، فركبت فانطلق جملي ، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله ، وتحدث معي النبي الكريم بأنس وتلطف وتواضع ، فقال : يا جابر ، أتبيعني جملك ؟ قلت : يا رسول الله ، بل أهبه لك ، قال : لا ، ولكن بِعنِيهِ ، قلت : فسُمْني به ، يعني ادفع الثمن ، قال : أخذته بدرهم ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام مداعباً له ، قال : إذاً يغبنني رسول الله ، قال : درهم قليل ، قال : فبِدِرهمين ، قلت : لا ، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية ، فقلت : قد رضيت يا رسول الله ، قال : يا جابر ، هو لك ، قلت : نعم ، هو لك يا رسول الله ، قال : قد أخذته ، هذا الإيجاب والقبول ، ثم قال لي : يا جابر ، هل تزوجت ؟ قلت : نعم يا رسول ، قال : ثيباً أم بكراً ؟ قلت : بل ثيباً ، قال : أفلا تزوجت بكراً ، قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد ، وترك بنات له سبعاً ، فتزوجت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن ، وتقوم عليهن ، فقال : قد أصبت إن شاء الله تعالى .
أخبر جابر امرأته بما حدث ، وكيف أنه باع الجمل ، طبعاً أيّة امرأة أخرى تقيم عليه الدنيا ، ولا تقعد ، أخبرتُ امرأتي بما حدث ، أي أنني بعت الجمل لرسول الله ، فقالت : سمعاً وطاعة ، قال : فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، لأنه باعه ، فأقبلت به حتى أنخته على باب النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم جلست في المسجد قريباً منه ، قال : وخرج النبي ، فرأى الجمل ، قال : ما هذا ؟ قال : هذا جمل جاء به جابر ، قال : فأين جابر ؟ فدعيت له ، قال : تعال يا ابن أخي ، خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالاً ، فقال : اذهب بجابر ، وأعطه الأوقية ، فذهبت معه ، وأعطاني ثمن الجمل ، وزادني شيئاً يسيراً ، قال : فوالله مازال ينمو هذا المال عندنا ، ونرى مكانه في بيتنا .
هذه ملاطفة النبي للشباب ، شاب فقير ترك له أبوه سبع أخوات ، وكان مع النبي في غزوة ، فتأخر بجمله الضعيف ، فأناخ النبي جمله النبي وقال لجابر : أَنِخْ جملك النبي ووخزه وخزتين النبي فأصبح جمله يسبق ناقة رسول الله ، وآنسه ، وسأله عن زواجه ، وعن بيع الجمل ، وساومه على بيع الجمل ، وكأنه صديق له .
3 - قصة عثمان بن مظعون مع زوجته :
قصة مع أصحابه الذين تقدمت بهم السن ، كان بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام صحابي جليل هو عثمان بن مظعون ، وكان عثمان متبتلاً غير مشفق على نفسه ، حتى لقد هم ذات يوم أن يتخلص كلياً من نداء غريزته ، وذات يوم دخلت زوجته على السيدة عائشة رضي الله عنها فوجدتها عائشة رثة الهيئة ، مكتئبة المحَيّا ، فسألتها عن أمرها ، انظروا إلى الأدب ، فقالت : إن زوجي عثمان صوّام قوّام ، في النهار صائم ، وفي الليل قائم ، ولا شأن له بي ، يصوم النهار ويقوم الليل ، فأخبرت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة ، فالتقى النبي به ، وقال : يا عثمان ، أما لك بي أسوة ؟ قال عثمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، وماذا ؟ قال عليه الصلاة والسلام : تصوم النهار ، وتقوم الليل ؟ قال عثمان : إني لأفعل هذا ، قال عليه الصلاة : لا تفعل ، إن لجسدك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فأعطِ كل ذي حق حقه ، اهتم بهذه الزوجة الشابة ، التي كانت رثة الهيئة كئيبة ، وفي صبيحة اليوم الثاني ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبوة ـ دققوا الآن ـ عطرة نضرة ، كأنها عروس ، واجتمع حولها النسوة اللاتي كانت تجلس بينهن بالأمس رثة بائسة ، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة ، قلن لها : ما هذا يا زوج ابن مظعون ؟ قالت وهي مغتبطة : أصابنا ما أصاب الناس .
هذه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بزوجة شابة بائسة انصرف عنها ، ولازلنا مع الشباب ومضة رابعة .
4 – مع عمير بن سعد الصحابي الصغير الفقير اليتيم :
إنه غلام صغير ، اسمه عمير بن سعد الأنصاري ، تجرّع كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره ، تزوجت أمّه من ثري من أثرياء الأوس ، يدعى الجلاس بن سويد ، أحب عمير عمه الجلاس حب الابن لأبيه ، وأولع الجلاس بعمير ولع الوالد بولده ، وكان عمير لا يتخلف عن صلاة خلف رسول الله ، غلام صغير لا يتخلف عن صلاة مع رسول الله ، في السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عن عزمه على غزو الروم في تبوك ، وأمر المسلمين بأن يستعدوا ، ورأى عمير كيف أن المسلمين يبذلون كل ما بوسعهم لتجهيز هذا الجيش الغازي ، ورأى عثمان بن عفان يأتي بجراب فيه ألف دينار ذهباً ، ويقدِّمه للنبي عليه صلوات الله وسلامه ، وهذا عبد الرحمن بن عوف يحمل مئتي أوقية من الذهب ، ويضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد رأى نساء الأنصار والمهاجرين يقبِلْن على رسول الله ، وينزعن حليِّهنَّ ، ويلقينه في يديه ليجهز بثمنه الجيش الغازي في سبيل الله ، وهذا رجل يعرض فراشه للبيع ، فراشه الوحيد الذي ينام عليه يعرضه للبيع ليشتري بثمنه سيفاً ليقاتل به مع رسول الله ، وهؤلاء النفر الذين سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يضمهم إلى الجيش فردهم ، لأنه لم يجد ما يحملهم عليه ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ، وعجب عمير الفتى الأنصاري من تباطؤ عمه الجلاس عن البذل والتضحية ، وعرض عليه هذه الصور المشرقة من بذل الصحابة الأغنياء والفقراء على حد سواء ، فما كان من الجلاس إلا أن قال : إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه من النبوة فنحن شر من الحمر ...
صعق هذا الطفل ، ورأى أن في السكوت عن الجلاس ، وهو عمه وزوج أمه وسيد نعمته ويحبه ، لكن محبة الغلام لله عز وجل أبلغ من محبته لعمه ، رأى هذا الغلام أن التستر على عمه الجلاس خيانة لله ورسوله ، وأن في إذاعة ما سمع عقوقاً للرجل ، فقال لعمه : والله يا عم ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحب إلي منك ، ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك ، وإن أخفيتها خنت أمانتي ، وأهلكت نفسي ، وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قلت قبل أن ينزل وحي يشركني في إثمك ، فكن على بينة من أمرك ، ما فعل شيئًا وراء ظهره ، كل شيء على الوضوح ، مضى عمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بما سمع من الجلاس ، فاستدعى النبي الجلاس ، وقال له : ما مقالة سمعها منك عمير ابن سعد ؟ فقال : كذب عليَّ يا رسول الله وافترى ، فما تفوهت بشيء من ذلك ، فقال بعض الحاضرين : فتى عاق أبى إلا أن يسيء لمن أحسن إليه ، وقال آخرون : بل إنه غلام نشأ في طاعة الله ، والتفت رسول الله إلى عمير فرأى وجهه قد احتقن بالدم ، والدموع تنحدر من عينيه ، وهو يقول : اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به ، قال الجلاس : إني أحلف بالله ، إني ما قلتُ شيئاً مما نقله لك عمير ، ثم غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فعرف أصحابه أنه الوحي ، فلزموا أماكنهم حتى سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سري عنه تلا الآية ، وهنا ظهر الخوف على وجه الجلاس ، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : بل أتوب يا رسول الله ، صدق عمير ، وكنت مع الكاذبين ، اسأل الله أن يقبل توبتي ، جعلت فداك يا رسول الله ، ثم توجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمير بن سعد ، فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق ، فمد يده الشريفة إلى أذنه فأمسكها برفق ، وقال : وفّت أذنُك يا غلام ما سمعت ، وصدقك ربك ، وعاد الجلاس إلى حظيرة الإسلام .
الشيء الغريب أن الصحابة عرفوا صلاح حاله مما كان يغدقه على عمير من بر ، فقد كان يقول كلما ذكر عمير : جزاه الله عني كل خير ، لقد أنقذني من الكفر ، وأعتق رقبتي من النار ، طفل صغير جاء وحي السماء ليصدق مقالته .
5 – حرصُه على مصالِح أصحابه الكرام :
الآن مع مصالح أصحابه : قدم على النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح خيبر قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر الحجاجُ بن علاط السلمي فأسلم ، وكان غنياً كثير المال فقال : يا رسول الله ، إن مالي عند امرأتي أم شيبة بمكة ، ومتفرق في تجار مكة ، فأْذَن لي يا رسول الله أن آتي مكة لأخذ مالي ، قبل أن يعلموا بإسلامي ، عندئذ لا أقدر على أخذ شيء منه ، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الحجاج : يا رسول الله ، لابد من أن أقول ، أي أتقول عليك بخلاف الواقع ، فقال عليه الصلاة والسلام : قل ما شئت ، فقال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يستمعون الأخبار ، ويسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر ، وهي من أقوى قرى الحجاز ، وهم يتجسسون الأخبار من الركبان ، وكان بينهم تراهن عظيم على مئة بعير حول من سيغلب أهل خيبر ، فلما رأوا الحجاج ، ولم يكونوا قد علموا بإسلامه قالوا : الحجاج واللهِ عنده الخبر اليقين ، يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع ـ يعنون به رسول الله ، قديماً وحديثاً ـ قد سار إلى خيبر فقال الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم ، فاجتمعوا عليه يقولون : إيه يا حجاج ؟ فقال الحجاج : فقلت لهم : لم يلقَ محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قوماً يحسنون القتل مثلهم ، فهزم هزيمةً لم يسمع بمثلها ، وأسر محمد ، وقالوا : لا نقتله حتى نبعث فيه إلى مكة ، فنقتله بين أظهرهم بما كان أصاب من رجالهم ، فانطلق هؤلاء الرجال فرحين أشد الفرح إلى أهل مكة ، فقيل لهم قد جاءكم الخبر ، هذا محمد ، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم ، ثم قال لهم الحجاج : أعينوني على غرمائي ، أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك ، فاجمعوا إلي مالي على أحسن ما يكون ، ففشا ذلك بمكة ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر من كان بمكة من المسلمين وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، وكان مسلماً ، فجعل لا يستطيع أن يقوم من شدة حزنه بهذا الخبر ، ثم بعث العباس إلى الحجاج غلاماً يقول له : يا حجاج ، الله أعلى وأجلّ من أن يكون الذي جئت به حقاً .
أرأيتم إلى حسن الظن بالله ؟ فقال الحجاج للغلام : اقرأ على أبي الفضل السلام ، وقل له ليخلِّ لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عني ، فأقبل الغلام ، وقال : أبشر يا أبا الفضل ، فوثب العباس فرحاً ، كأنه لم يمسه شيء ، وأخبره بذلك ، فأعتقه العباس رضي الله عنه لوجه الله فرحاً بهذا الخبر ، وقال : لله علي عتق عشر رقاب على هذا الخبر السار ، فلما كان الظهر جاءه الحجاج ، وأخبره بالخبر الصحيح ، وناشد العباس أن يكتم عليه ثلاثة أيام ، فقال : إني أخشى الطلب ، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك ، وطالت على العباس تلك الأيام الثلاثة ، فعمد العباس رضي الله عنه إلى حلة فلبسها ، وتخلق بخَلوق ، أي تطيب بنوع من الطيب ، وأخذ بيده قضيباً ، ثم أقبل يخطر ، حتى أتى مجالس قريش ، وهم يقولون إذا مرّ بهم : لا يصيبك إلا الخير يا أبا الفضل ، هذا والله من التجلد بحرّ المصيبة ، قال : كلا والله ، الذي حلفتم به لم يصبني إلا خير بحمد الله ، أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجرت فيها سهام الله ، وسهام رسوله ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت مَلِكهم ، ، وإنما قال لكم ذلك ليخلص ماله منكم ، وإلا فهو ممن أسلم ، ورد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين ، فقال المشركون : ألا يا عباد الله ، انفلت عدو الله ، يعنون حجاجاً ، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر الصحيح .
كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على مصالح أصحابه ، وسمح له أن يقول ما يقول لينال ماله كله من أهل مكة .
6 – مع عمير بن وهب : صورة من الحكمة والرحمة والعفو :
النبي عليه الصلاة والسلام جاءه عمير بن وهب ، وقد قتل ابنه في معركة بدر ، فقال له صفوان في ظاهر مكة : لولا ديون عليّ ليس عندي ما أقضيها ، ولولا عيال أخشى عليهم الضياع من بعدي ، لمضيتُ إلى محمد وقتلتُه وأرحتكم منه ، فقال صفوان : ديونك علي بلغت ما بلغت ، وأولادك هم أولادي ما امتد بهم العمر ، فاذهب ، وافعل ما أردت ، فسقى سيفه سماً ، وركب ناقته ، وتوجه إلى المدينة تحت غطاء فك ابنه من الأسر ، فلقيه عمر بن الخطاب ، قال : هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً ، فقيّده بحمالة سيفه ، وانطلق به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عمر أطلقه ؛ وفكَّ عنه هذا القيد ، فأطْلَقه ؛ ثم قال : يا عمر ، استأخر عنه ؛ فتأخر عنه ، قال : ادنُ يا عمير ؛ فدنا ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ فقال : جئت أرجو فكاكَ هذا الأسير الذي في أيديكم ؛ قال النبي : فما بالُ هذا السيف الذي في عنقك ؛ أنت قادم لتفك الأسير ، قال له : قبّحها الله من سيوف ؛ وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر ؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام : ألم تقل لصفوان : لولا دَيْن علَيَّ ، وعيال عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً ؛ فوقف عمير ، وقال : أشهد أنك رسول الله ، لأن الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله ، وأنت رسوله وحسن إسلامه .
الشاهد أيها الإخوة الكرام ، كان صفوان يقف في ظاهر مكة ينتظر أخبارًا سيئة عن رسول الله ، وعن مقتله ، فإذا بالخبر الذي صعق له ، أنه أسلم ، وأصبح من أصحاب رسول الله ، كان عليه الصلاة والسلام خبيراً بتحويل أعدائه إلى أصدقاء ، وهناك خبراء الآن يحولون الحيادي والصديق إلى عدو بحمقهم وتطاولهم وقسوتهم ، ودعوتهم بشكل غير لائق .
شاهد آخر في القصة أن سيدنا عمر يقول دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إلي منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أبنائي ، أنت لا تكره الكافر ، تكره كفره فقط ، فإذا دخل في دين الله صار أخاك .
منقول بتصرف
قدِم على النبي عليه الصلاة والسلام وفدٌ من اليمن ، وهم ثلاثة عشر رجلاً ، ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم ؛ فسُرّ النبيّ عليه الصلاة والسلام بهم ، وأكرم منزلهم ، وقالوا : يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا ، فقال عليه الصلاة والسلام ردوها على فقرائكم ، فقالوا : يا رسول الله ، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ما وفَدَ مِن العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من اليمن ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الهدى بيد الله عز وجل ، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان ، وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أشياء كثيرة .
بين الإضلال الجزائي والضلال الاختياري :
تعليق : إن الهدى بيد الله عز وجل ، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان ، وإذا عزي الإضلال إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري ، من أجل أن تكون العبارة عميقة بالفهم هؤلاء الذين شرح الله قلوبهم للهدى ، لأنهم طلبوا الهدى .
عودة إلى وفد اليمن :
وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أشياء فكتب لهم بها ، فجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن ، فازداد النبي عليه الصلاة والسلام بهم رغبة ، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم ، فأقاموا أياماً ، ولم يطيلوا المكث ، فقيل لهم : ما يعجلكم ؟ قالوا : نرجع إلى مَن وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلامنا إياه ، وما رد علينا ، ثم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يودعونه ، فأرسل إليهم بلالاً ، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود ، قال : هل بقي منكم أحد ؟ قالوا : نعم ، غلام خلفناه على رحالنا ، هو أحْدَثُنا سناً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرسلوه إلي ، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقضِ حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه .
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام تفقد امرأة كانت تَقُمُّ المسجد ، وما في السُّلّم الاجتماعي عمل أقلّ من هذا العمل ، فعن أبي هريرة
(( أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد ، أو شاب ، فَفَقَدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عنها أو عنه ، فقالوا : مات ، قال : أفلا كنتم آذنتموني ؟ ، قال : فكأنهم صغروا أمرها ، أو أمره ، فقال : دلوني على قبره ، فدلوه فصلى عليها ، قال : إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم )) .
( متفق عليه)
لا تفلت من قلبه الذكي شاردة ولا واردة ، فقال عليه الصلاة والسلام : هل بقي منكم أحد ، قالوا : نعم ، غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سناً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرسلوه إلي ، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا وودّعناه ، فأقبل الغلام حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله ، إني امرؤ من بني أبذى ، يقول من الرهط الذين أتوا آنفاً ، فقد قضيت حوائجنا ، يعني أنا من الرهط الذين أتوا آنفاً فقضيت حوائجهم ، فاقضَ حاجتي يا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : وما حاجتك ؟ قال : إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي ، وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام ، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم ، وإني والله يا رسول الله ما أقدمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ، ويرحمني ، وأن يجعل غناي في قلبي ، فقال عليه الصلاة والسلام ، وقد أقبل على الغلام : اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل غناه في قلبه ، ثم أمر بمثل ما أمر لرجل من أصحابه ، فانطلقوا راجعين إلى أهلهم ، ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر ، فقالوا : نحن بنو أبذى يا رسول الله ، قال : ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ قالوا : ما رأينا مثله قط ، ولا سمعنا بأقنع منه فيما رزقه الله عز وجل ، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوهم ، وما التفت إليهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني لأرجو أن يموت جميعاً ، ما فهموا عليه ، فقال أحدهم : يا رسول الله ، أو ليس يموت الرجل جميعاً ؟ قال عليه الصلاة والسلام : تتشعب أهواءه وهمومه في أودية الدنيا ، فلعل أجله يدركه في بعض تلك الأودية ، فلا يبالي الله عز وجل في أوديتها هلك ، فقالوا : فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا ، وأقنعه بما رزق ، فلما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكرهم بالله وبالإسلام ، فلم يرجع منهم أحد ، وجعل أبو بكر رضي الله عنه يذكره ، ويسأل عنه حتى بلغه حاله ، وما قام به ، فكتب إلى زياد بن لبيب يوصيه به خيراً .
هذا الشاب الذي كان في مؤخرة القافلة والذي وضعه قومه ليحرس الإبل ، لكن النبي تفقد كل من جاء من هذا الوفد فلعل هذا الشاب كان أفضلهم عند الله عز وجل .
2 - الأنس والتلطف والمداعبة مع جابر بن عبد الله :
لقطة ثانية وومضة ثانية من وضمات سيرة النبي عليه الصلاة والسلام : جابر بن عبد الله الصحابي الشاب ، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال جابر : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع مرتحلا على جمل لي ضعيف ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق ، أي أصحاب رسول الله تمضي ، أي تسبقني ، وجعلت أتخلف ، لأن جملي ضعيف ، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : مالَكَ يا جابر ؟ قلت : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا ، قال : أَنِخْهُ ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمله ، ثم قال : أعطني هذه العصا مِن يدك ففعلت ، فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فنخس بها الجمل نخسات ، أي وخزه بها وخزات ، ثم قال : اركب ، فركبت فانطلق جملي ، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله ، وتحدث معي النبي الكريم بأنس وتلطف وتواضع ، فقال : يا جابر ، أتبيعني جملك ؟ قلت : يا رسول الله ، بل أهبه لك ، قال : لا ، ولكن بِعنِيهِ ، قلت : فسُمْني به ، يعني ادفع الثمن ، قال : أخذته بدرهم ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام مداعباً له ، قال : إذاً يغبنني رسول الله ، قال : درهم قليل ، قال : فبِدِرهمين ، قلت : لا ، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية ، فقلت : قد رضيت يا رسول الله ، قال : يا جابر ، هو لك ، قلت : نعم ، هو لك يا رسول الله ، قال : قد أخذته ، هذا الإيجاب والقبول ، ثم قال لي : يا جابر ، هل تزوجت ؟ قلت : نعم يا رسول ، قال : ثيباً أم بكراً ؟ قلت : بل ثيباً ، قال : أفلا تزوجت بكراً ، قلت : يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد ، وترك بنات له سبعاً ، فتزوجت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن ، وتقوم عليهن ، فقال : قد أصبت إن شاء الله تعالى .
أخبر جابر امرأته بما حدث ، وكيف أنه باع الجمل ، طبعاً أيّة امرأة أخرى تقيم عليه الدنيا ، ولا تقعد ، أخبرتُ امرأتي بما حدث ، أي أنني بعت الجمل لرسول الله ، فقالت : سمعاً وطاعة ، قال : فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، لأنه باعه ، فأقبلت به حتى أنخته على باب النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم جلست في المسجد قريباً منه ، قال : وخرج النبي ، فرأى الجمل ، قال : ما هذا ؟ قال : هذا جمل جاء به جابر ، قال : فأين جابر ؟ فدعيت له ، قال : تعال يا ابن أخي ، خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالاً ، فقال : اذهب بجابر ، وأعطه الأوقية ، فذهبت معه ، وأعطاني ثمن الجمل ، وزادني شيئاً يسيراً ، قال : فوالله مازال ينمو هذا المال عندنا ، ونرى مكانه في بيتنا .
هذه ملاطفة النبي للشباب ، شاب فقير ترك له أبوه سبع أخوات ، وكان مع النبي في غزوة ، فتأخر بجمله الضعيف ، فأناخ النبي جمله النبي وقال لجابر : أَنِخْ جملك النبي ووخزه وخزتين النبي فأصبح جمله يسبق ناقة رسول الله ، وآنسه ، وسأله عن زواجه ، وعن بيع الجمل ، وساومه على بيع الجمل ، وكأنه صديق له .
3 - قصة عثمان بن مظعون مع زوجته :
قصة مع أصحابه الذين تقدمت بهم السن ، كان بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام صحابي جليل هو عثمان بن مظعون ، وكان عثمان متبتلاً غير مشفق على نفسه ، حتى لقد هم ذات يوم أن يتخلص كلياً من نداء غريزته ، وذات يوم دخلت زوجته على السيدة عائشة رضي الله عنها فوجدتها عائشة رثة الهيئة ، مكتئبة المحَيّا ، فسألتها عن أمرها ، انظروا إلى الأدب ، فقالت : إن زوجي عثمان صوّام قوّام ، في النهار صائم ، وفي الليل قائم ، ولا شأن له بي ، يصوم النهار ويقوم الليل ، فأخبرت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال هذه المرأة ، فالتقى النبي به ، وقال : يا عثمان ، أما لك بي أسوة ؟ قال عثمان : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، وماذا ؟ قال عليه الصلاة والسلام : تصوم النهار ، وتقوم الليل ؟ قال عثمان : إني لأفعل هذا ، قال عليه الصلاة : لا تفعل ، إن لجسدك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فأعطِ كل ذي حق حقه ، اهتم بهذه الزوجة الشابة ، التي كانت رثة الهيئة كئيبة ، وفي صبيحة اليوم الثاني ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبوة ـ دققوا الآن ـ عطرة نضرة ، كأنها عروس ، واجتمع حولها النسوة اللاتي كانت تجلس بينهن بالأمس رثة بائسة ، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة ، قلن لها : ما هذا يا زوج ابن مظعون ؟ قالت وهي مغتبطة : أصابنا ما أصاب الناس .
هذه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بزوجة شابة بائسة انصرف عنها ، ولازلنا مع الشباب ومضة رابعة .
4 – مع عمير بن سعد الصحابي الصغير الفقير اليتيم :
إنه غلام صغير ، اسمه عمير بن سعد الأنصاري ، تجرّع كأس اليتم والفاقة منذ نعومة أظفاره ، تزوجت أمّه من ثري من أثرياء الأوس ، يدعى الجلاس بن سويد ، أحب عمير عمه الجلاس حب الابن لأبيه ، وأولع الجلاس بعمير ولع الوالد بولده ، وكان عمير لا يتخلف عن صلاة خلف رسول الله ، غلام صغير لا يتخلف عن صلاة مع رسول الله ، في السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عن عزمه على غزو الروم في تبوك ، وأمر المسلمين بأن يستعدوا ، ورأى عمير كيف أن المسلمين يبذلون كل ما بوسعهم لتجهيز هذا الجيش الغازي ، ورأى عثمان بن عفان يأتي بجراب فيه ألف دينار ذهباً ، ويقدِّمه للنبي عليه صلوات الله وسلامه ، وهذا عبد الرحمن بن عوف يحمل مئتي أوقية من الذهب ، ويضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد رأى نساء الأنصار والمهاجرين يقبِلْن على رسول الله ، وينزعن حليِّهنَّ ، ويلقينه في يديه ليجهز بثمنه الجيش الغازي في سبيل الله ، وهذا رجل يعرض فراشه للبيع ، فراشه الوحيد الذي ينام عليه يعرضه للبيع ليشتري بثمنه سيفاً ليقاتل به مع رسول الله ، وهؤلاء النفر الذين سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يضمهم إلى الجيش فردهم ، لأنه لم يجد ما يحملهم عليه ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ، وعجب عمير الفتى الأنصاري من تباطؤ عمه الجلاس عن البذل والتضحية ، وعرض عليه هذه الصور المشرقة من بذل الصحابة الأغنياء والفقراء على حد سواء ، فما كان من الجلاس إلا أن قال : إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه من النبوة فنحن شر من الحمر ...
صعق هذا الطفل ، ورأى أن في السكوت عن الجلاس ، وهو عمه وزوج أمه وسيد نعمته ويحبه ، لكن محبة الغلام لله عز وجل أبلغ من محبته لعمه ، رأى هذا الغلام أن التستر على عمه الجلاس خيانة لله ورسوله ، وأن في إذاعة ما سمع عقوقاً للرجل ، فقال لعمه : والله يا عم ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحب إلي منك ، ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك ، وإن أخفيتها خنت أمانتي ، وأهلكت نفسي ، وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قلت قبل أن ينزل وحي يشركني في إثمك ، فكن على بينة من أمرك ، ما فعل شيئًا وراء ظهره ، كل شيء على الوضوح ، مضى عمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بما سمع من الجلاس ، فاستدعى النبي الجلاس ، وقال له : ما مقالة سمعها منك عمير ابن سعد ؟ فقال : كذب عليَّ يا رسول الله وافترى ، فما تفوهت بشيء من ذلك ، فقال بعض الحاضرين : فتى عاق أبى إلا أن يسيء لمن أحسن إليه ، وقال آخرون : بل إنه غلام نشأ في طاعة الله ، والتفت رسول الله إلى عمير فرأى وجهه قد احتقن بالدم ، والدموع تنحدر من عينيه ، وهو يقول : اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به ، قال الجلاس : إني أحلف بالله ، إني ما قلتُ شيئاً مما نقله لك عمير ، ثم غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فعرف أصحابه أنه الوحي ، فلزموا أماكنهم حتى سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سري عنه تلا الآية ، وهنا ظهر الخوف على وجه الجلاس ، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : بل أتوب يا رسول الله ، صدق عمير ، وكنت مع الكاذبين ، اسأل الله أن يقبل توبتي ، جعلت فداك يا رسول الله ، ثم توجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمير بن سعد ، فإذا دموع الفرح تبلل وجهه المشرق ، فمد يده الشريفة إلى أذنه فأمسكها برفق ، وقال : وفّت أذنُك يا غلام ما سمعت ، وصدقك ربك ، وعاد الجلاس إلى حظيرة الإسلام .
الشيء الغريب أن الصحابة عرفوا صلاح حاله مما كان يغدقه على عمير من بر ، فقد كان يقول كلما ذكر عمير : جزاه الله عني كل خير ، لقد أنقذني من الكفر ، وأعتق رقبتي من النار ، طفل صغير جاء وحي السماء ليصدق مقالته .
5 – حرصُه على مصالِح أصحابه الكرام :
الآن مع مصالح أصحابه : قدم على النبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح خيبر قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر الحجاجُ بن علاط السلمي فأسلم ، وكان غنياً كثير المال فقال : يا رسول الله ، إن مالي عند امرأتي أم شيبة بمكة ، ومتفرق في تجار مكة ، فأْذَن لي يا رسول الله أن آتي مكة لأخذ مالي ، قبل أن يعلموا بإسلامي ، عندئذ لا أقدر على أخذ شيء منه ، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الحجاج : يا رسول الله ، لابد من أن أقول ، أي أتقول عليك بخلاف الواقع ، فقال عليه الصلاة والسلام : قل ما شئت ، فقال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يستمعون الأخبار ، ويسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر ، وهي من أقوى قرى الحجاز ، وهم يتجسسون الأخبار من الركبان ، وكان بينهم تراهن عظيم على مئة بعير حول من سيغلب أهل خيبر ، فلما رأوا الحجاج ، ولم يكونوا قد علموا بإسلامه قالوا : الحجاج واللهِ عنده الخبر اليقين ، يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع ـ يعنون به رسول الله ، قديماً وحديثاً ـ قد سار إلى خيبر فقال الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم ، فاجتمعوا عليه يقولون : إيه يا حجاج ؟ فقال الحجاج : فقلت لهم : لم يلقَ محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قوماً يحسنون القتل مثلهم ، فهزم هزيمةً لم يسمع بمثلها ، وأسر محمد ، وقالوا : لا نقتله حتى نبعث فيه إلى مكة ، فنقتله بين أظهرهم بما كان أصاب من رجالهم ، فانطلق هؤلاء الرجال فرحين أشد الفرح إلى أهل مكة ، فقيل لهم قد جاءكم الخبر ، هذا محمد ، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم ، ثم قال لهم الحجاج : أعينوني على غرمائي ، أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك ، فاجمعوا إلي مالي على أحسن ما يكون ، ففشا ذلك بمكة ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر من كان بمكة من المسلمين وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، وكان مسلماً ، فجعل لا يستطيع أن يقوم من شدة حزنه بهذا الخبر ، ثم بعث العباس إلى الحجاج غلاماً يقول له : يا حجاج ، الله أعلى وأجلّ من أن يكون الذي جئت به حقاً .
أرأيتم إلى حسن الظن بالله ؟ فقال الحجاج للغلام : اقرأ على أبي الفضل السلام ، وقل له ليخلِّ لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عني ، فأقبل الغلام ، وقال : أبشر يا أبا الفضل ، فوثب العباس فرحاً ، كأنه لم يمسه شيء ، وأخبره بذلك ، فأعتقه العباس رضي الله عنه لوجه الله فرحاً بهذا الخبر ، وقال : لله علي عتق عشر رقاب على هذا الخبر السار ، فلما كان الظهر جاءه الحجاج ، وأخبره بالخبر الصحيح ، وناشد العباس أن يكتم عليه ثلاثة أيام ، فقال : إني أخشى الطلب ، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك ، وطالت على العباس تلك الأيام الثلاثة ، فعمد العباس رضي الله عنه إلى حلة فلبسها ، وتخلق بخَلوق ، أي تطيب بنوع من الطيب ، وأخذ بيده قضيباً ، ثم أقبل يخطر ، حتى أتى مجالس قريش ، وهم يقولون إذا مرّ بهم : لا يصيبك إلا الخير يا أبا الفضل ، هذا والله من التجلد بحرّ المصيبة ، قال : كلا والله ، الذي حلفتم به لم يصبني إلا خير بحمد الله ، أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجرت فيها سهام الله ، وسهام رسوله ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت مَلِكهم ، ، وإنما قال لكم ذلك ليخلص ماله منكم ، وإلا فهو ممن أسلم ، ورد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين ، فقال المشركون : ألا يا عباد الله ، انفلت عدو الله ، يعنون حجاجاً ، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر الصحيح .
كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على مصالح أصحابه ، وسمح له أن يقول ما يقول لينال ماله كله من أهل مكة .
6 – مع عمير بن وهب : صورة من الحكمة والرحمة والعفو :
النبي عليه الصلاة والسلام جاءه عمير بن وهب ، وقد قتل ابنه في معركة بدر ، فقال له صفوان في ظاهر مكة : لولا ديون عليّ ليس عندي ما أقضيها ، ولولا عيال أخشى عليهم الضياع من بعدي ، لمضيتُ إلى محمد وقتلتُه وأرحتكم منه ، فقال صفوان : ديونك علي بلغت ما بلغت ، وأولادك هم أولادي ما امتد بهم العمر ، فاذهب ، وافعل ما أردت ، فسقى سيفه سماً ، وركب ناقته ، وتوجه إلى المدينة تحت غطاء فك ابنه من الأسر ، فلقيه عمر بن الخطاب ، قال : هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً ، فقيّده بحمالة سيفه ، وانطلق به إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عمر أطلقه ؛ وفكَّ عنه هذا القيد ، فأطْلَقه ؛ ثم قال : يا عمر ، استأخر عنه ؛ فتأخر عنه ، قال : ادنُ يا عمير ؛ فدنا ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ فقال : جئت أرجو فكاكَ هذا الأسير الذي في أيديكم ؛ قال النبي : فما بالُ هذا السيف الذي في عنقك ؛ أنت قادم لتفك الأسير ، قال له : قبّحها الله من سيوف ؛ وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر ؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام : ألم تقل لصفوان : لولا دَيْن علَيَّ ، وعيال عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً ؛ فوقف عمير ، وقال : أشهد أنك رسول الله ، لأن الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله ، وأنت رسوله وحسن إسلامه .
الشاهد أيها الإخوة الكرام ، كان صفوان يقف في ظاهر مكة ينتظر أخبارًا سيئة عن رسول الله ، وعن مقتله ، فإذا بالخبر الذي صعق له ، أنه أسلم ، وأصبح من أصحاب رسول الله ، كان عليه الصلاة والسلام خبيراً بتحويل أعدائه إلى أصدقاء ، وهناك خبراء الآن يحولون الحيادي والصديق إلى عدو بحمقهم وتطاولهم وقسوتهم ، ودعوتهم بشكل غير لائق .
شاهد آخر في القصة أن سيدنا عمر يقول دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إلي منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليَّ من بعض أبنائي ، أنت لا تكره الكافر ، تكره كفره فقط ، فإذا دخل في دين الله صار أخاك .
منقول بتصرف