Aghalation
26-09-2006, 13:16
قياس الذكاء من الأمور التي حيّرت العلماء. ولكنني أعتقد أنه كان من الأجدى لهم لو ركزوا على قياس الغباء. فمن الصعب للمرء أن يقيس ذكاءه ولكنه يستطيع أن يقيس غباء غيره. هذا هو السر في اننا نتحسس بسهولة غباء جل حكامنا. فمقاييس الغباء متيسرة. أنا مثلا اعتقد أن تحمل الضوضاء من علامات الغباء.
التفت الى ذلك قدماء العراقيين في العهد السومري. ففي اسطورة الطوفان، التي جاءت في الميثولوجيا البابلية، روى السومريون أن الاله انليل تضايق كثيرا من ضجيج العراقيين ولغوتهم، فقرر إبادة الجنس البشري، مما يدل على ان آلهة بابل كانت ذكية، ولا تتحمل الضوضاء. قرر انليل ان يفتح الماء على الكرة الأرضية ويغرقها، فأنليل كان يعرف أن الأرض كروية وهو ما ينكره أكثر مثقفينا. وبذلك يتخلص من البشر وضوضائهم.
بيد أن مخططه هذا لم يرق للإله انكي. فكر بأنه مثلما يحتاج البشر للآلهة يحتاج الآلهة للبشر. فإذا انقرض البشر، فمن سيقدم النذور للآلهة؟ عرف انكي بحب الخمرة، فكيف سيحصل عليها اذا اختفى العراقيون من الوجود؟ ولكنه لم يشأ أن يحرج زميله انليل ويتحدى قراره. فالآلهة القديمة حسب المعتقدات البابلية، كانوا يختلفون عن سكان العراق في أنهم كانوا يحترمون بعضهم البعض، ولا يتهاوشون فيما بينهم. عز عليه أن يرى البشر ينقرضون كليا من سطح الأرض، فنزل واتصل بالرجل الحكيم اتراهاسس من اهل مدينة شوروباك. ففي ذلك الزمن البعيد كان كثير من الناس في العراق عندهم بالفعل حكمة وعقل. اشار انكي على الحكيم اتراهاسس أن يبادر إلى بناء فلك كبير يحمله وكل أسرته مع زوج اثنين من كل الحيوانات. فلا تنقطع الحياة من الارض بسبب الطوفان. وهو ما حصل كما تقول الأسطورة البابلية التي يرجع تاريخها الى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وظل الفلك يطوف بهذه المخلوقات من بحر الى بحر، حتى انقطع الماء عن الارض وجفت. وما أن انحسر الماء ورسا الفلك على اليابسة، حتى بادر اتراهاسس الى تقديم نذور الحمد والشكر للآلهة. كافأه الاله انكي على حسن صنعه بأن منحه وزوجته حياة أبدية خالدة يقضونها في مكان رخي سعيد من العالم خال من الضوضاء.
ويظهر أن الإله انليل قد استاء كثيرا من هذا المقلب، الذي فعله به زميله الإله انكي وغضب كثيرا عليه. ولمصالحته والأخذ من خاطره، طمأنه انكي بأنه سيتخذ من الخطوات ما يصون العالم من الضوضاء. لاحظ عندئذ أن جل ما في الدنيا من ضجيج وضوضاء يعود للاولاد فقرر الحد من عددهم بتسليط العقم على الكثير من النساء وتجنيد عفاريت وظيفتهم ابتلاع الاطفال حال ولادتهم. وهي مهمة أصبح يقوم بها في أيامنا هذه الخطافون العلاسة. وبهذا يمكننا أن نعتبر انكي المؤسس الاول للسيطرة على النسل. وهذه في الحقيقة مفخرة من مفاخر التراث العراقي اغفل عن ذكرها سائر المؤرخين.
خالد القشطيني
التفت الى ذلك قدماء العراقيين في العهد السومري. ففي اسطورة الطوفان، التي جاءت في الميثولوجيا البابلية، روى السومريون أن الاله انليل تضايق كثيرا من ضجيج العراقيين ولغوتهم، فقرر إبادة الجنس البشري، مما يدل على ان آلهة بابل كانت ذكية، ولا تتحمل الضوضاء. قرر انليل ان يفتح الماء على الكرة الأرضية ويغرقها، فأنليل كان يعرف أن الأرض كروية وهو ما ينكره أكثر مثقفينا. وبذلك يتخلص من البشر وضوضائهم.
بيد أن مخططه هذا لم يرق للإله انكي. فكر بأنه مثلما يحتاج البشر للآلهة يحتاج الآلهة للبشر. فإذا انقرض البشر، فمن سيقدم النذور للآلهة؟ عرف انكي بحب الخمرة، فكيف سيحصل عليها اذا اختفى العراقيون من الوجود؟ ولكنه لم يشأ أن يحرج زميله انليل ويتحدى قراره. فالآلهة القديمة حسب المعتقدات البابلية، كانوا يختلفون عن سكان العراق في أنهم كانوا يحترمون بعضهم البعض، ولا يتهاوشون فيما بينهم. عز عليه أن يرى البشر ينقرضون كليا من سطح الأرض، فنزل واتصل بالرجل الحكيم اتراهاسس من اهل مدينة شوروباك. ففي ذلك الزمن البعيد كان كثير من الناس في العراق عندهم بالفعل حكمة وعقل. اشار انكي على الحكيم اتراهاسس أن يبادر إلى بناء فلك كبير يحمله وكل أسرته مع زوج اثنين من كل الحيوانات. فلا تنقطع الحياة من الارض بسبب الطوفان. وهو ما حصل كما تقول الأسطورة البابلية التي يرجع تاريخها الى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وظل الفلك يطوف بهذه المخلوقات من بحر الى بحر، حتى انقطع الماء عن الارض وجفت. وما أن انحسر الماء ورسا الفلك على اليابسة، حتى بادر اتراهاسس الى تقديم نذور الحمد والشكر للآلهة. كافأه الاله انكي على حسن صنعه بأن منحه وزوجته حياة أبدية خالدة يقضونها في مكان رخي سعيد من العالم خال من الضوضاء.
ويظهر أن الإله انليل قد استاء كثيرا من هذا المقلب، الذي فعله به زميله الإله انكي وغضب كثيرا عليه. ولمصالحته والأخذ من خاطره، طمأنه انكي بأنه سيتخذ من الخطوات ما يصون العالم من الضوضاء. لاحظ عندئذ أن جل ما في الدنيا من ضجيج وضوضاء يعود للاولاد فقرر الحد من عددهم بتسليط العقم على الكثير من النساء وتجنيد عفاريت وظيفتهم ابتلاع الاطفال حال ولادتهم. وهي مهمة أصبح يقوم بها في أيامنا هذه الخطافون العلاسة. وبهذا يمكننا أن نعتبر انكي المؤسس الاول للسيطرة على النسل. وهذه في الحقيقة مفخرة من مفاخر التراث العراقي اغفل عن ذكرها سائر المؤرخين.
خالد القشطيني