Aghalation
24-09-2006, 11:52
العجوز وزوجها المقعد وابنتهما المعاقة ... رحلة النصف ساعة استغرقت 13 يوما
من قصص المعاناة في أيام الحرب الأخيرة:
نظفت شريفة السيد ما تبقى من أثاثها وركنته في زاوية وسط حطام ما تبقى من منزلها في قرية عيترون في جنوب لبنان. بعد ذلك انصرفت الى إعداد مؤونة الشتاء: صعتر وسماق في وعاء واسع، وقمح مسلوق نثرته على شرشف ابيض ووضعته تحت أشعة الشمس على السطح ليجف. طاقة شريفة على العمل مذهلة، لاسيما اذا علمنا أنها تجاوزت السبعين. لكن الذهول يصبح أكبر من القدرة على التصور عندما تخبرنا كيف خاضت مغامرة النزوح مع ابنتها المعاقة عقليا وزوجها الذي يفوقها سنا وعجزا، حاملة إياه على كتفيها حينا وفي عربة صغيرة لجر الخضار حينا آخر، فأنقذت حياته بعد إصابته بشظايا العدوان الاسرائيلي، لتعبر به من عيترون الى تبنين في رحلة استغرقت 13 يوما بالتمام والكمال، في حين ان المسافة بين القريتين يستغرق اجتيازها بالسيارة نصف ساعة.
«الشرق الأوسط» تعرفت على شريفة وزوجها علي محمود الأخرس خلال جولة في جنوب لبنان برفقة «صندوق الامم المتحدة للسكان» اثناء تفقد المسؤولين فيه حاجات الجنوبيين في رحلة العودة الى الديار.
يقول الزوج: «حملتني الحاجة وتحملتني. لولاها لما كنت على قيد الحياة. طلبت إليها أكثر من مرة أن تتركني أموت وتنجو بنفسها مع ابنتنا زينب، ليس مرجلة وانما عجزا، لكنها رفضت وصبرت حتى أوصلتني الى المستشفى».
تمسك شريفة بناصية الكلام فتقول: «في اليوم الرابع للقصف الاسرائيلي بدأت القذائف تسقط بغزارة على البلدة. أصيب المنزل المجاور وقتل فيه أكثر من 14 شخصا. لم نقوَ على التحمل. خرجت مع ابنتي وزوجي من البيت بثيابنا. كان الحاج (علي الاخرس) ينتعل خفين. لم يستطع السير بهما، مشى حافيا حتى وصلنا الى وسط البلدة. اقتادنا شاب الى المدرسة المهنية. هناك تجمع الاهالي مع عناصر الجيش اللبناني. أخذ جندي هاتفي المحمول وأغلقه خوفا من رصد طائرات «أم.ك» الاسرائيلية. بعد يومين أصيبت المدرسة. سارع الاهالي الى الهرب بسياراتهم وكذلك الجنود. بقينا وحدنا والطائرات الاسرائيلية تحلق فوق رؤوسنا».
تتحدث شريفة وكأنها تروي فيلما سينمائيا. أقول لها هذه الملاحظة، فتضحك وتضيف: «مسلسل تلفزيوني. ما حدث معنا هو أشبه بمسلسل». تكمل الحكاية فتقول: «كانت الساعة تقارب السابعة صباحا. قررنا الذهاب الى قرية عيناتا المجاورة. كنت أسند زوجي وأجرّه. وزينب تمشي الى جانبنا. عندما أتعب يقعد على الارض ويبدأ بالزحف والدبدبة ليتنقل. وهكذا حتى وصلنا الى طرف البلدة عند الساعة 11. حاولنا الاحتماء بأول منزل صادفناه. كانت ثيابه قد تمزقت من الزحف. فتحت خزانة ووجدت لباسا للنوم. استبدلت به ما كان يرتديه. اشتد القصف وطاول البيت. قال لي: إذهبا واتركاني. رفضت بالطبع. جررته من جديد ثم احتمينا تحت درج أحد الابنية، ليعثر علينا رجل ويصطحبنا الى منزله القريب قائلا: ادخلوا فأنتم أسوة بنا. بقينا خمسة أيام في منزل الرجل الذي لا نعرفه مع أفراد عائلته». لكن هدنة عيناتا انتهت. ووجهت القوات الاسرائيلية انذارا الى السكان لمغادرتها. وعادت شريفة وزوجها وابنتها الى العراء ليسيروا خمس ساعات وسط القصف برفقة طائرة الـ«أم.ك»، حتى وصلوا الى مستشفى بنت جبيل. «حملته قليلا ودبدب قليلا ثم ارتمى أرضا. تركته واقتربت من شابين كانا عند المدخل وطلبت اليهما أن يساعداني فيحملاه الى الداخل. قال لي أحدهما: هل تقبلين أن أموت لأنقذ زوجك. أجبته: بالطبع لا. لكن أعطني عربة جرحى لأنقله الى الداخل. أخذت العربة التي لم تصمد فوق الركام. تكسرت فعدت وحملته كيفما تيسر ودخلنا مبنى المستشفى الخالي من الاطباء والممرضين. نمنا هناك حتى الصباح. قبل مغادرتهما، نصحنا الشابان أن ننزل الى ملجأ المستشفى تحت الأرض وننتظر فرج الله. رفضت، فالمكان كان مقفرا ورطبا ومعتما. عدنا الى العراء وقررنا التوجه الى كونين. وكانت حالة زوجي تسوء من دون ماء أو طعام. كما أنه أصيب بجروح نتيجة الزحف والدبدبة في دروب خالية من البشر والسيارات».
حلقات المسلسل تتتابع. بيت الدرج عاد الى الصورة مأوى متاحا للعائلة المشردة. دخلت شخصية جديدة على المشهد. عجوز تاهت وحيدة بعدما تركتها ابنتها وهربت. كان المكان ضيقا. أرادت شريفة توسيعه. زحزحت برميلا فيه شتلة زرع فوجدت تحته مفتاح البيت. دخل الاربعة وجلسوا على فراش صغير وتركوا الباب نصف مغلق. قصف المنزل. غطى اللاجئون رؤوسهم بغطاء. فتح الباب على مصراعيه بقذيفة عنيفة. ترك الثلاثة العجوز الطارئة وعادوا الى الطريق في الخامسة فجرا. توجهوا الى قرية كونين باتجاه بلدة تبنين. طائرة الـ«أم.ك» لحقت بهم وتابعت قصفها حولهم. أصيب علي بشظايا في أنحاء جسمه وبدأ ينزف. تقول شريفة: «حملته على ظهري وتابعت السير. أصابته شظية في يده، فعجز عن التمسك بكتفيّ. وضعته على جانب الطريق وقصدت رجلا اعرف ان لديه حمارا عله يعيرني اياه. لكن نازحين غيري سبقوني اليه واستعاروه ليهربوا. اكتفيت بعربة صغيرة لنقل الخضار من الحقل. قلبت العربة ووضعته فيها وحاولت جره. وقع مرتين. اعدته اليها وقيدته بثيابه ووضعت تحت رأسه حذائي وسادة ومشيت حافية. خفت أن يموت عطشا. لم يشرب منذ أيام، فتشت عن الماء لأسقيه. لم أجد. فقد وعيه. لكني تابعت المسير حتى أسعفني الحظ فعثر علي رجل يعمل ابنه في منظمة الصليب الأحمر. طلبت نجدته فقال لي: انتظري حتى يتصل بي ويأتي لنجدتك». وهكذا كان. انتظرت شريفة قليلا. غسلت وجه زوجها ويديه وقدميه فانتعش وسقته فشرب ليترين. حضر الشاب مع سيارة إسعاف ونقلهم الى مستشفى تبنين وانهى معاناة استمرت 13 يوما.
ـ ألم يساعدك أحد شباب «حزب الله» خلال تلك الفترة؟
تجيب شريفة: «مش وقتي. وقت القصف. الحزب كان مشغولا بحربه وليس بالأهالي. عندما قصف صواريخه حيث كنا نحتمي، قرب تبنين، تركنا تحت رحمة الطائرات. ولو أراد الاسرائيليون لقتلونا لأننا بقينا معظم الوقت في العراء. كانوا يلحقون بنا وكنا نقف حتى يشاهدونا عندما يبدأون القصف ويعرفوا اننا مدنيون».
ـ واليوم ألم يتولَّ الحزب أو الحكومة مساعدتكم؟
أشارت شريفة الى غطاء صوفي وقالت ساخرة: «ألم تشاهدي أثاثي الجديد. لكنه قصير لا يغطي قدمي. صدقيني لولا أن الوطن غالٍ ما كنت لأعود. فأنا أعيش في قلق. أخاف وارتجف اذا أغلق الباب بقوة لا أنام ليلا. استعيد في ذاكرتي ما عانيته وارتعب. ما حصل في هذه الحرب لا يستوعبه العقل. لم أعد أملك شهية للطعام والكلام. أفضل أن أصمت ويصمت الجميع حولي. لا أتحمّل أي حديث».
لكن روح النكته لا تغيب عن شريفة التي أصيبت العام الماضي بسرطان في معدتها واستؤصل بعملية جراحية. تقول ضاحكة: «يبدو أن الله أطال عمري حتى انقذ زوجي العاجز. لأن النخوة تفرض علي ذلك. لكن لو كنت أنا العاجزة ربما كان تركني وفتش عن غيري»...
منقول
من قصص المعاناة في أيام الحرب الأخيرة:
نظفت شريفة السيد ما تبقى من أثاثها وركنته في زاوية وسط حطام ما تبقى من منزلها في قرية عيترون في جنوب لبنان. بعد ذلك انصرفت الى إعداد مؤونة الشتاء: صعتر وسماق في وعاء واسع، وقمح مسلوق نثرته على شرشف ابيض ووضعته تحت أشعة الشمس على السطح ليجف. طاقة شريفة على العمل مذهلة، لاسيما اذا علمنا أنها تجاوزت السبعين. لكن الذهول يصبح أكبر من القدرة على التصور عندما تخبرنا كيف خاضت مغامرة النزوح مع ابنتها المعاقة عقليا وزوجها الذي يفوقها سنا وعجزا، حاملة إياه على كتفيها حينا وفي عربة صغيرة لجر الخضار حينا آخر، فأنقذت حياته بعد إصابته بشظايا العدوان الاسرائيلي، لتعبر به من عيترون الى تبنين في رحلة استغرقت 13 يوما بالتمام والكمال، في حين ان المسافة بين القريتين يستغرق اجتيازها بالسيارة نصف ساعة.
«الشرق الأوسط» تعرفت على شريفة وزوجها علي محمود الأخرس خلال جولة في جنوب لبنان برفقة «صندوق الامم المتحدة للسكان» اثناء تفقد المسؤولين فيه حاجات الجنوبيين في رحلة العودة الى الديار.
يقول الزوج: «حملتني الحاجة وتحملتني. لولاها لما كنت على قيد الحياة. طلبت إليها أكثر من مرة أن تتركني أموت وتنجو بنفسها مع ابنتنا زينب، ليس مرجلة وانما عجزا، لكنها رفضت وصبرت حتى أوصلتني الى المستشفى».
تمسك شريفة بناصية الكلام فتقول: «في اليوم الرابع للقصف الاسرائيلي بدأت القذائف تسقط بغزارة على البلدة. أصيب المنزل المجاور وقتل فيه أكثر من 14 شخصا. لم نقوَ على التحمل. خرجت مع ابنتي وزوجي من البيت بثيابنا. كان الحاج (علي الاخرس) ينتعل خفين. لم يستطع السير بهما، مشى حافيا حتى وصلنا الى وسط البلدة. اقتادنا شاب الى المدرسة المهنية. هناك تجمع الاهالي مع عناصر الجيش اللبناني. أخذ جندي هاتفي المحمول وأغلقه خوفا من رصد طائرات «أم.ك» الاسرائيلية. بعد يومين أصيبت المدرسة. سارع الاهالي الى الهرب بسياراتهم وكذلك الجنود. بقينا وحدنا والطائرات الاسرائيلية تحلق فوق رؤوسنا».
تتحدث شريفة وكأنها تروي فيلما سينمائيا. أقول لها هذه الملاحظة، فتضحك وتضيف: «مسلسل تلفزيوني. ما حدث معنا هو أشبه بمسلسل». تكمل الحكاية فتقول: «كانت الساعة تقارب السابعة صباحا. قررنا الذهاب الى قرية عيناتا المجاورة. كنت أسند زوجي وأجرّه. وزينب تمشي الى جانبنا. عندما أتعب يقعد على الارض ويبدأ بالزحف والدبدبة ليتنقل. وهكذا حتى وصلنا الى طرف البلدة عند الساعة 11. حاولنا الاحتماء بأول منزل صادفناه. كانت ثيابه قد تمزقت من الزحف. فتحت خزانة ووجدت لباسا للنوم. استبدلت به ما كان يرتديه. اشتد القصف وطاول البيت. قال لي: إذهبا واتركاني. رفضت بالطبع. جررته من جديد ثم احتمينا تحت درج أحد الابنية، ليعثر علينا رجل ويصطحبنا الى منزله القريب قائلا: ادخلوا فأنتم أسوة بنا. بقينا خمسة أيام في منزل الرجل الذي لا نعرفه مع أفراد عائلته». لكن هدنة عيناتا انتهت. ووجهت القوات الاسرائيلية انذارا الى السكان لمغادرتها. وعادت شريفة وزوجها وابنتها الى العراء ليسيروا خمس ساعات وسط القصف برفقة طائرة الـ«أم.ك»، حتى وصلوا الى مستشفى بنت جبيل. «حملته قليلا ودبدب قليلا ثم ارتمى أرضا. تركته واقتربت من شابين كانا عند المدخل وطلبت اليهما أن يساعداني فيحملاه الى الداخل. قال لي أحدهما: هل تقبلين أن أموت لأنقذ زوجك. أجبته: بالطبع لا. لكن أعطني عربة جرحى لأنقله الى الداخل. أخذت العربة التي لم تصمد فوق الركام. تكسرت فعدت وحملته كيفما تيسر ودخلنا مبنى المستشفى الخالي من الاطباء والممرضين. نمنا هناك حتى الصباح. قبل مغادرتهما، نصحنا الشابان أن ننزل الى ملجأ المستشفى تحت الأرض وننتظر فرج الله. رفضت، فالمكان كان مقفرا ورطبا ومعتما. عدنا الى العراء وقررنا التوجه الى كونين. وكانت حالة زوجي تسوء من دون ماء أو طعام. كما أنه أصيب بجروح نتيجة الزحف والدبدبة في دروب خالية من البشر والسيارات».
حلقات المسلسل تتتابع. بيت الدرج عاد الى الصورة مأوى متاحا للعائلة المشردة. دخلت شخصية جديدة على المشهد. عجوز تاهت وحيدة بعدما تركتها ابنتها وهربت. كان المكان ضيقا. أرادت شريفة توسيعه. زحزحت برميلا فيه شتلة زرع فوجدت تحته مفتاح البيت. دخل الاربعة وجلسوا على فراش صغير وتركوا الباب نصف مغلق. قصف المنزل. غطى اللاجئون رؤوسهم بغطاء. فتح الباب على مصراعيه بقذيفة عنيفة. ترك الثلاثة العجوز الطارئة وعادوا الى الطريق في الخامسة فجرا. توجهوا الى قرية كونين باتجاه بلدة تبنين. طائرة الـ«أم.ك» لحقت بهم وتابعت قصفها حولهم. أصيب علي بشظايا في أنحاء جسمه وبدأ ينزف. تقول شريفة: «حملته على ظهري وتابعت السير. أصابته شظية في يده، فعجز عن التمسك بكتفيّ. وضعته على جانب الطريق وقصدت رجلا اعرف ان لديه حمارا عله يعيرني اياه. لكن نازحين غيري سبقوني اليه واستعاروه ليهربوا. اكتفيت بعربة صغيرة لنقل الخضار من الحقل. قلبت العربة ووضعته فيها وحاولت جره. وقع مرتين. اعدته اليها وقيدته بثيابه ووضعت تحت رأسه حذائي وسادة ومشيت حافية. خفت أن يموت عطشا. لم يشرب منذ أيام، فتشت عن الماء لأسقيه. لم أجد. فقد وعيه. لكني تابعت المسير حتى أسعفني الحظ فعثر علي رجل يعمل ابنه في منظمة الصليب الأحمر. طلبت نجدته فقال لي: انتظري حتى يتصل بي ويأتي لنجدتك». وهكذا كان. انتظرت شريفة قليلا. غسلت وجه زوجها ويديه وقدميه فانتعش وسقته فشرب ليترين. حضر الشاب مع سيارة إسعاف ونقلهم الى مستشفى تبنين وانهى معاناة استمرت 13 يوما.
ـ ألم يساعدك أحد شباب «حزب الله» خلال تلك الفترة؟
تجيب شريفة: «مش وقتي. وقت القصف. الحزب كان مشغولا بحربه وليس بالأهالي. عندما قصف صواريخه حيث كنا نحتمي، قرب تبنين، تركنا تحت رحمة الطائرات. ولو أراد الاسرائيليون لقتلونا لأننا بقينا معظم الوقت في العراء. كانوا يلحقون بنا وكنا نقف حتى يشاهدونا عندما يبدأون القصف ويعرفوا اننا مدنيون».
ـ واليوم ألم يتولَّ الحزب أو الحكومة مساعدتكم؟
أشارت شريفة الى غطاء صوفي وقالت ساخرة: «ألم تشاهدي أثاثي الجديد. لكنه قصير لا يغطي قدمي. صدقيني لولا أن الوطن غالٍ ما كنت لأعود. فأنا أعيش في قلق. أخاف وارتجف اذا أغلق الباب بقوة لا أنام ليلا. استعيد في ذاكرتي ما عانيته وارتعب. ما حصل في هذه الحرب لا يستوعبه العقل. لم أعد أملك شهية للطعام والكلام. أفضل أن أصمت ويصمت الجميع حولي. لا أتحمّل أي حديث».
لكن روح النكته لا تغيب عن شريفة التي أصيبت العام الماضي بسرطان في معدتها واستؤصل بعملية جراحية. تقول ضاحكة: «يبدو أن الله أطال عمري حتى انقذ زوجي العاجز. لأن النخوة تفرض علي ذلك. لكن لو كنت أنا العاجزة ربما كان تركني وفتش عن غيري»...
منقول