Aghalation
03-07-2006, 10:35
في عام 1894 جاء الرحالة والصحافي والمصور الفرنسي «جيل ـ جرفيه كورتلمون» إلى الأراضي المقدسة، وقد جاء تحت غطاء اسم مستعار هو عبد الله بن البشير، في مهمة يرى البعض أنه قد تم تكليفه بها من قبل الحكومة الفرنسية، وتتعلق بدراسة الأثر الروحي الذي يحدثه الحج في نفوس الحجاج المغاربة القادمين من مناطق السيطرة الفرنسية.
ويعتبر كتابه «رحلتي إلى مكة» الذي ترجمه الدكتور محمد محمد أحمد الحناش، وصدر عن دار التراث، من أبرز كتب الرحالة الغربيين لاحتوائه على صور نادرة لمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة.. وقد جاء كورتلمون إلى جدة قادما من الجزائر عبر قناة السويس، وقضى في جدة أياما مكنته من وصف سور المدينة العتيق الذي بني في مطلع القرن السادس عشر بأمر من السلطان المملوكي قنصوه الغوري للتصدي لأطماع البرتغاليين، وقد أجبر القائد حسين كردي ـ المكلف بالإشراف على البناء ـ جميع سكان المدينة بتجارها وأثريائها على العمل لسرعة إنجاز بناء السور، حتى ليقال بأنه قد أمر أن يبنى على أحدهم حيا في جوف السور لأنه قد تأخر عن الحضور بضع ساعات!.. وقد لعب السور بعد ذلك في عام 1541 دورا حاسما في صد القوة البرتغالية التي حاولت غزو جدة، ومما يؤسف له أن «التراكتورات» قد تغلبت على القيمة التاريخية للسور، فتمت إزالته في النصف الثاني من عقد الأربعينات من القرن الماضي.
ويصف كورتلمون أسواق جدة ومبانيها فيقول: «أما الشوارع والبازارات فمملوءة بالحيوية لأن المدينة مركز تجاري كبير، والبيوت محكمة البناء، جدرانها من الحجر مزينة بأجمل أنواع المشربيات»، كما يصف أرصفة ميناء جدة في عهده بأنها ملأى بالبضائع القادمة من جميع البلدان، وأسواق جدة التقليدية قد استوقفت أيضا غيره من الرحالة الغربيين أمثال: الرحالة السويسري بوركهارت الذي زار جدة عام 1814، والرحالة الفرنسي ديديه الذي زارها عام 1857، إذ أكد كلاهما على ما اتسمت به أسواق جدة من تنوع وثراء».
وقد التقط «كورتلمون» صورة لمقبرة المسيحيين في جدة التي كانت تقع خارج سور المدينة، ولعلها نفس المقبرة الحالية الموجودة بحي الشاطئ جنوب المدينة، والتي جاء قبل بضعة أعوام صحافي فرنسي إلى جدة يستفسر عن الحقيقة بعدما أشيع أنه قد تم إزالة تلك المقبرة، فاصطحبته إلى هناك ليتأكد بنفسه من وجودها.
تلك صور عابرة للمنطقة التاريخية من مدينة جدة التقطتها عيون أوروبية زرقاء غدت تشكل جزءا من شواهد تاريخية كثيرة في سجل هذه المنطقة العتيقة التي تغتالها الحرائق والخرائب والنسيان.. وهذا أنا كما يقول محمود درويش: «أنأى عن زماني حين أدنو من تضاريس المكان»، فلا شيء أفدح ـ كما يقول الشاعر الفلسطيني محمد القيسي ـ من وقوف العاشق على طلله.
محمد صادق دياب
ويعتبر كتابه «رحلتي إلى مكة» الذي ترجمه الدكتور محمد محمد أحمد الحناش، وصدر عن دار التراث، من أبرز كتب الرحالة الغربيين لاحتوائه على صور نادرة لمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة.. وقد جاء كورتلمون إلى جدة قادما من الجزائر عبر قناة السويس، وقضى في جدة أياما مكنته من وصف سور المدينة العتيق الذي بني في مطلع القرن السادس عشر بأمر من السلطان المملوكي قنصوه الغوري للتصدي لأطماع البرتغاليين، وقد أجبر القائد حسين كردي ـ المكلف بالإشراف على البناء ـ جميع سكان المدينة بتجارها وأثريائها على العمل لسرعة إنجاز بناء السور، حتى ليقال بأنه قد أمر أن يبنى على أحدهم حيا في جوف السور لأنه قد تأخر عن الحضور بضع ساعات!.. وقد لعب السور بعد ذلك في عام 1541 دورا حاسما في صد القوة البرتغالية التي حاولت غزو جدة، ومما يؤسف له أن «التراكتورات» قد تغلبت على القيمة التاريخية للسور، فتمت إزالته في النصف الثاني من عقد الأربعينات من القرن الماضي.
ويصف كورتلمون أسواق جدة ومبانيها فيقول: «أما الشوارع والبازارات فمملوءة بالحيوية لأن المدينة مركز تجاري كبير، والبيوت محكمة البناء، جدرانها من الحجر مزينة بأجمل أنواع المشربيات»، كما يصف أرصفة ميناء جدة في عهده بأنها ملأى بالبضائع القادمة من جميع البلدان، وأسواق جدة التقليدية قد استوقفت أيضا غيره من الرحالة الغربيين أمثال: الرحالة السويسري بوركهارت الذي زار جدة عام 1814، والرحالة الفرنسي ديديه الذي زارها عام 1857، إذ أكد كلاهما على ما اتسمت به أسواق جدة من تنوع وثراء».
وقد التقط «كورتلمون» صورة لمقبرة المسيحيين في جدة التي كانت تقع خارج سور المدينة، ولعلها نفس المقبرة الحالية الموجودة بحي الشاطئ جنوب المدينة، والتي جاء قبل بضعة أعوام صحافي فرنسي إلى جدة يستفسر عن الحقيقة بعدما أشيع أنه قد تم إزالة تلك المقبرة، فاصطحبته إلى هناك ليتأكد بنفسه من وجودها.
تلك صور عابرة للمنطقة التاريخية من مدينة جدة التقطتها عيون أوروبية زرقاء غدت تشكل جزءا من شواهد تاريخية كثيرة في سجل هذه المنطقة العتيقة التي تغتالها الحرائق والخرائب والنسيان.. وهذا أنا كما يقول محمود درويش: «أنأى عن زماني حين أدنو من تضاريس المكان»، فلا شيء أفدح ـ كما يقول الشاعر الفلسطيني محمد القيسي ـ من وقوف العاشق على طلله.
محمد صادق دياب