queen
30-06-2006, 18:33
إذا سألنا أنفسنا عن معنى كلمة الحرية فإن معظم الإجابات ستكون من مثل: "الحرية عكس العبودية", أو "الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يريد دون قيد أو شرط".
فإذا فكرنا بهذه المعاني وتمعّنا جيداً في معنى كلمة الحرية, لوجدنا أنه من الظلم والإجحاف تحويل معنى هذه الكلمة وحصرها في نطاق مخالف, أو في أحسن الأحوال قاصر عن التعبير عن مدلول هذه الكلمة, ومحتواها الكبير.
نحن نستخدم كلمة الحرية كمعاكس لكلمة العبودية, وهذا الاستخدام هو استخدام اصطلاحي, بمعنى أنه لا يعبّر بصورة دقيقة عن معنى كلمة الحرية. لأن هذه الكلمة العربية اُستخدمت للتعبير عن الرجل الشريف النبيل, وليس المقصود بالشرف هنا المعنى الذي نتعارف عليه بيننا وهو العِرض, ولكنّ الشرف هو كلمة تعبّر عن مجموعة الصفات التي تؤهلك لتتبؤ مركز الصدارة بين الناس. وكذلك الحرية, فالرجل الحرّ هو الرجل الشريف النبيل الذي لا تشوبه شائبة نقص في أخلاقه ومروءته, وهو ما يجعله مؤهّلاً ليكون من أشراف الناس.
وفي استخداماتنا اللغوية, نصف الشيء بأنه حرّ للدلالة على خلّوه من الشوائب التي قد تغيّر من صفاته المميزة, فنقول مثلاً: "ذهبٌ حرّ" أي خالي من الشوائب الأخرى التي تختلط بمعدن الذهب فتنقص من قيمته وتغير من صفاته.
بعد هذه المقدمة اللغوية, نعود إلى ما بدأنا به حديثنا, وهو فهمنا اليوم لمعنى كلمة الحرية؛ إننا نستخدم كلمة الحرية استخداماً ملتبساً, فعندما نستخدم معنى الحرية للتعبير عن حالة الإنفلات من القيد, فإننا بهذا نحوّل معنى الكلمة إلى وجهة جديدة تفتقر إلى جوهر معنى الكلمة, فهي هنا تصبح مجرد كلمة تعبّر عن تفلّت من حالة حبس معينة, مجرد إرسال غير منظم, بينما معنى الكلمة الدقيق يحمل في طياته معنى ايجابياً من عدة وجوه, فهي تحمل معنى النقاء والتميز, فالحر من أي شيء هو من لا تشوبه شائبة تؤثّر على كيانه فتغير فيه. وهي من جهة أخرى تحمل معنى الفاعلية, فإذا اتجهنا للإنسان ووصفناه بالحر, فنحن نعني أنه الانسان الذي استطاع أن يتخلّص من كلّ الصفات التي تخرجه عن إنسانيته. ولاحظوا أننا نستخدم معنى الحرية في سياق ايجابي وللدلالة على صفات ايجابية حسنة.
وبهذا فإننا إذا استخدمنا كلمة الحرية عكساً للعبودية فإننا نستخدمها بشكل اصلاحي, فكأننا نقول إن العبودية هي صفة سلبية إذا دخلت على الإنسان أخرجته عن إنسانيته وجعلته مخلوقاً آخر لا يستطيع القيام بما توجبه عليه صفته الإنسانية, ووظيفته التي خلقه الله من أجلها. ولذلك فقد كان للعبيد في الإسلام أحكام خاصة, ليس احتقاراً لهم, ولكن مراعاة للحالة التي شابت إنسانيتهم, ومن أجل ذلك فقد حث الإسلام على "تحرير" العبيد, وهنا مفارقة, فالله تعالى خاطب الناس على أنهم عبيد, وفي هذا "تحرير" لهم من ذل الانقياد لغير الله.
الحرية وعي:
إذا دققنا النظر فيما سبق فإننا سنصل إلى فكرة أخرى, وهي أن التحرر كفعل, يستلزم شعوراً بالشائبة أو المعوق الذي دخل على الشيء فمنعه أو أعاقه عن القيام بما وُجد من أجله, أي وظيفته التي كُلّف بها. فإذا أردنا أن نحرر الإنسان مثلاً, فيجب أولاً أن نعي المعوّقات التي تمنعه من القيام بمهمته ووظيفته, ولا يكون هذا بشكل اعتباطي, بل إنه يتطلب منا معرفة تامة وحقيقة بالمعوّق, ومعرفة عملية وواقعية بكيفية التخلص منه.
وهنا يجب الانتباه إلى أمر هام جداً, وهو الوعي الحقيقي بالمعوق, وهذا يتطلب منا معرفة أمرين أساسين: أولهما معرفتنا بالشيء خالصاً من شوائبه ومعوقاته ومعرفتنا بالمعوق الفعلي, لكيلا تختلط علينا الأمور.
ولتوضيح الصورة نأخذ مثلاً "تحرير" المرأة, هذا المطلب الذي مازلنا نسمع كلاماً كثيراً حوله, وخصوصاً في وقتنا الحالي.
فتحرير المرأة يُستخدم كمصطلح يُقصد به تخليص المرأة من كلّ المعوّقات التي تمنع قيامها بوظيفتها في المجتمع, بصفتها امرأة حرّة. ولكننا إذا نظرنا إلى الدراسات التي اهتمّت ببيان هذه المعوّقات تمهيداً لتخليص المرأة منها, نجد أن معظم الدعوات اتجهت إلى اعتبار الحجاب مثلاً معوّقاً من هذه المعوّقات, فكثرت الكتابات التي هاجمت الحجاب, وحاولت إقناع القارئ بسخفه وعدم ضرورته, بل إن بعض هذه الكتابات جعلت القارئ يظن أن خلع الحجاب سيكون هو المخلّص الوحيد لهذه المرأة المسكينة.
وبالطبع فإن هذا ليس صحيحاً, فأنا كمحجبة لا أشعر مثلاً أن حجابي معوّق لي, يمنعني من أداء عملي وخدمة مجتمعي, ولكنّ المعوّق الذي أشعر به هو تلك النظرة لحجابي على أنه معوّق, فكثير من الوظائف تمنع استخدام المحجبات, وكثير من الناس, وخصوصاً من يدعي التثّقف منهم, ينظر نظرة احتقار واستخفاف للمرأة المحجبة, ومسلسلاتنا خير دليل على هذا, فغالباً نجد أن المحجبة هي امرأة جاهلة متخلفة, متعصبة, بل وراضخة ذليلة. وبهذا تصبح هذه النظرة إلى حجاب المرأة هي المعوّق للمرأة وليس حجابها بحد ذاته.
وحتى نكون منصفين فيجب أن نقول إن النظرة المعاكسة لهذه النظرة, والتي تعتبر المرأة عورة كلها هي أيضاً نظرة معوقة لتحرر المرأة, وليست بأفضل حال من النظرة الأولى, فكثيرون يعتقدون أن المحجبة يجب عليها التزام بيتها, ويجب عليها الانعزال, بل حتى لا يجوّزون لها المشاركة في النشاطات الترفيهية البسيطة, بحجة أنت محجبة وهذا لا يليق بك.
وبسبب هذا التقدير الخاطئ والدراسة السطحية لمعوّقات تحرر المرأة, دخلنا في معارك ثانوية, وابتعدنا عن الموضوع الأساسي, فهل ما نراه من عري من قبل معظم من تمتهن الغناء اليوم, من مؤديات لا يمتلكن من مؤهلات الغناء شيئاً, ولكنّهن يمتلكن استعداداً لكشف أكبر قدر من مفاتن الجسد, وقدرة على التمايل وتمثيل ايحاءات مثيرة, قد ارتقى بهن حتى أصبحن متحررات فعلاً من معوقات تمنعهن من أداء وظيفتهن في المجتمع؟ أعتقد أن جواب كثير من الناس سيكون مطابقاً لقول الشاعر, الذي يمثّل نظرتهم إلى وظيفة المرأة, وهي تأمين المتعة فقط, حين قال:
هُنَّ النساء حبائل الشيطان ِيعنو إليها أشجع الشجعان
يسلبنَ ألباب الرجال بنظرة واللحظ مغناطيس كل جَنانِ
فإذا مشين ومِلن في حَليٍْ وفيحُلَل أثرن مكامن الأشجانِ
وإذا سفرن عن المحاسن للورى فهناك مصرع كل قلب عاني
نحن والحرية
في سياق بحثنا المتواصل عن أسباب انحطاطنا نجد أن جلّ الباحثين والدارسين قد وصلوا إلى أن السبب الرئيس والأهم في انحطاطنا هو فقدنا للحرية. فنحن نفتقد إلى الحرية بكافة أشكالها, سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ........إلخ.
ما يحصل الآن هو أن البحوث والدراسات والتنظيرات المختلفة اتجهت إلى البحث عن الأمور التي سنستطيع بوساطتها الحصول على الحرية بكافة أشكالها رغبة في الرقي والتحضّر والتخلّص من أمراضنا الكثيرة.
ولكننا إذا تمعّنا في الأمر نجد أن البحث في معوّقات تحررنا يتخذ شكلاً خاطئاً, أوصل إلى مسلمات أو نوع من البديهيات الشائعة حول مفهوم المعوّقات تماماً كمثالنا السابق عن الحجاب.
فكثير من البحوث وجدت أن اتباعنا لنظام سياسي معين سيحررنا من الاستبداد الذي يعتبر معوّقاً أساسياً في وجه تحضّرنا. وآراء ودراسات وجدت أن اتباعنا لنظام اقتصادي ما سيحررنا من الفقر الذي هو بدوره معوّق من معوّقات التحضّر, وكذلك الأمر بالنسبة إلى دراسات أخرى وجدت في هويتنا العربية وديننا الإسلامي معوّقاً من معوّقات تحررنا الإجتماعي. فترسخت في حياتنا مجموعة من البديهيات الراسخة سواء عن تصورنا لمشاكلنا أو عن الحلول التي يجب أن نسعى إليها.
فشعارات من مثل "الديمقراطية هي الحل" أو "الإسلام هو الحل".....إلخ, ما هي إلا شعارات جاءت نتيجة لتشخيص متسرّع في بحثنا عن معوّقات تحررنا السياسي. فبنو اسرائيل مثلاً, عندما جاء موسى عليه السلام وخلّصهم من فرعون واستبداده, لم يجعلهم هذا متحررين من معوّقات تحضّرهم ورقيّهم, ذلك أنهم ظلّوا مقيّدين بقيود نفسية انعكست على تصرفاتهم التي أوصلتهم إلى التيه والضياع.
فتغيير النظام السياسي, مهما كان البديل المطروح, لن يكون بالتأكيد, كما يتصور معظم الناس, الوسيلة التي ستحررنا من معوّقات تحضّرنا, ذلك لأن المعوّق الأصلي مازال موجوداً, وسيعمل عمله مع النظام الجديد, ولن نجد تغييراً إلا في بعض المظاهر الشكلية فقط.
وما قلته عن السياسة يُقال عن الإقتصاد والدين واللغة. فنحن نعالج أعراضاً ولا نعالج الأمراض الحقيقة.
معوّقات التحضّر والتحرر:
ترسخت في نفوسنا على مرّ العصور مجموعة من المعوّقات التي منعتنا من أن نصير أحراراً بالمعنى الصحيح للحرية, أحراراً متخلّصين من كل الشوائب السلبية التي تعوق قيامنا بوظيفتنا الإنسانية, سواء على المستوى الشخصي أو العام.
ومن أهم هذه الشوائب والمعوّقات ما نمارسه في مجتمعاتنا من سلوك انحطاطي, يعوق فاعليتنا, ويعوق تحررنا ورقيّنا. هذا السلوك الإنحطاطي الذي نلمسه في أبسط أمورنا الحياتية اليومية, فمن الاستهتار وعدم الإهتمام, إلى الهدر في الوقت والجهد, إلى عدم إتقان العمل, وعدم تحمّل المسؤولية, إلى عدم القدرة على تقبل الآخر, وغيرها من السلوكيات التي جعلت منا أسرى منظومة من الممارسات التي انعكست آثارها السيئة على كل مرافق حياتنا, فأوجدت الاستبداد والتسلط والفقر والجهل والمرض وغيرها من المظاهر التي نعتقد خطأ أنها هي المعوّقات الأساسية التي تمنعنا عن القيام بوظيفتنا الإنسانية الحضارية.
وللتوضيح سأضرب لكم مثلاً عن عدم اتقان العمل وكيف هو معوّق حقيقي من معوّقات تحررنا وتحضّرنا, والسبب أن عدم اتقان العمل جعلنا لا نهتم بتحسين عملنا وتطويره, لقد صرنا أمة يصدق عليها وصف "أمة ماشي الحال", بمعنى أننا نقبل بالعمل بأقل مواصفات الجودة, ونتغاضى عن سوء التنفيذ, ونقول "ما شي الحال" فنهدر مالنا, ووقتنا وجهدنا, ولا نحصل على عمل متكامل مفيد, والأهم من ذلك أننا لا نسعى نحو التطوير والتحسين وتلافي الأخطاء, فحين أطلب من نجار أن يصنع لي طاولة, ويقوم هو بصنعها بطريقة غير متقنة وأقبلها منه, فإنني بذلك قبلت بهدر مالي, ووقتي, وجهد العامل ووقته, ولم أساعد هذا العامل على تطوير عمله وكسب مهارات جديدة تمكنه من تلافي الأخطاء الذي وقع فيها أولاً, وجعلت عمله غير متقن. بينما لو أنني رفضت استلام عمل غير متقن, واهتم العامل بأن لا يُخرج من ورشته إلا قطعة متقنة, لسعى إلى تحسين مهاراته, فوفر علي مالي ووقتي, ومكنني من استخدام ما أريد على أحسن صورة وبأقصى فائدة. وكلنا يلمس مدى الآثار الكارثية لعدم اتقاننا لعملنا في كافة المجالات الاقتصادية والتعليمية والطبية والحياتية مما جعلنا نهدر كثيراً من إمكاناتنا المادية والمعنوية, التي نحن في أشد الحاجة إليها.
وما يقال عن عدم اتقان العمل يقال عن المظاهر السلوكية الانحطاطية الأخرى, والتي أنتجت آثاراً سلبية خطيرة, ظننا خطأ أنها السبب فيما نعاني منه من انحطاط وموات حضاري. وعلى هذا فإنه من الضروري أن نميّز بين هذه الأمور, حتى نستطيع معرفة المعوّقات الحقيقة التي سلبتنا حريتنا, وجعلتنا أمة مستعبدة, تعاني من مشاكل متعددة وخطيرة, تختصر في تعبير "الانحطاط وعدم الفاعلية".
فنحن عندما خلطنا بين الأعراض والأمراض, وصلنا إلى حالة من الضياع, جعلتنا نحارب هويتنا المميزة الخالصة, والتي من المفترض أن يكون هدف سعينا نحو التحرر هو الوصول إلى أحسن ما فيها, حتى نقوم بوظيفتنا على أكمل وجه, وأحسن صورة
منقول
فإذا فكرنا بهذه المعاني وتمعّنا جيداً في معنى كلمة الحرية, لوجدنا أنه من الظلم والإجحاف تحويل معنى هذه الكلمة وحصرها في نطاق مخالف, أو في أحسن الأحوال قاصر عن التعبير عن مدلول هذه الكلمة, ومحتواها الكبير.
نحن نستخدم كلمة الحرية كمعاكس لكلمة العبودية, وهذا الاستخدام هو استخدام اصطلاحي, بمعنى أنه لا يعبّر بصورة دقيقة عن معنى كلمة الحرية. لأن هذه الكلمة العربية اُستخدمت للتعبير عن الرجل الشريف النبيل, وليس المقصود بالشرف هنا المعنى الذي نتعارف عليه بيننا وهو العِرض, ولكنّ الشرف هو كلمة تعبّر عن مجموعة الصفات التي تؤهلك لتتبؤ مركز الصدارة بين الناس. وكذلك الحرية, فالرجل الحرّ هو الرجل الشريف النبيل الذي لا تشوبه شائبة نقص في أخلاقه ومروءته, وهو ما يجعله مؤهّلاً ليكون من أشراف الناس.
وفي استخداماتنا اللغوية, نصف الشيء بأنه حرّ للدلالة على خلّوه من الشوائب التي قد تغيّر من صفاته المميزة, فنقول مثلاً: "ذهبٌ حرّ" أي خالي من الشوائب الأخرى التي تختلط بمعدن الذهب فتنقص من قيمته وتغير من صفاته.
بعد هذه المقدمة اللغوية, نعود إلى ما بدأنا به حديثنا, وهو فهمنا اليوم لمعنى كلمة الحرية؛ إننا نستخدم كلمة الحرية استخداماً ملتبساً, فعندما نستخدم معنى الحرية للتعبير عن حالة الإنفلات من القيد, فإننا بهذا نحوّل معنى الكلمة إلى وجهة جديدة تفتقر إلى جوهر معنى الكلمة, فهي هنا تصبح مجرد كلمة تعبّر عن تفلّت من حالة حبس معينة, مجرد إرسال غير منظم, بينما معنى الكلمة الدقيق يحمل في طياته معنى ايجابياً من عدة وجوه, فهي تحمل معنى النقاء والتميز, فالحر من أي شيء هو من لا تشوبه شائبة تؤثّر على كيانه فتغير فيه. وهي من جهة أخرى تحمل معنى الفاعلية, فإذا اتجهنا للإنسان ووصفناه بالحر, فنحن نعني أنه الانسان الذي استطاع أن يتخلّص من كلّ الصفات التي تخرجه عن إنسانيته. ولاحظوا أننا نستخدم معنى الحرية في سياق ايجابي وللدلالة على صفات ايجابية حسنة.
وبهذا فإننا إذا استخدمنا كلمة الحرية عكساً للعبودية فإننا نستخدمها بشكل اصلاحي, فكأننا نقول إن العبودية هي صفة سلبية إذا دخلت على الإنسان أخرجته عن إنسانيته وجعلته مخلوقاً آخر لا يستطيع القيام بما توجبه عليه صفته الإنسانية, ووظيفته التي خلقه الله من أجلها. ولذلك فقد كان للعبيد في الإسلام أحكام خاصة, ليس احتقاراً لهم, ولكن مراعاة للحالة التي شابت إنسانيتهم, ومن أجل ذلك فقد حث الإسلام على "تحرير" العبيد, وهنا مفارقة, فالله تعالى خاطب الناس على أنهم عبيد, وفي هذا "تحرير" لهم من ذل الانقياد لغير الله.
الحرية وعي:
إذا دققنا النظر فيما سبق فإننا سنصل إلى فكرة أخرى, وهي أن التحرر كفعل, يستلزم شعوراً بالشائبة أو المعوق الذي دخل على الشيء فمنعه أو أعاقه عن القيام بما وُجد من أجله, أي وظيفته التي كُلّف بها. فإذا أردنا أن نحرر الإنسان مثلاً, فيجب أولاً أن نعي المعوّقات التي تمنعه من القيام بمهمته ووظيفته, ولا يكون هذا بشكل اعتباطي, بل إنه يتطلب منا معرفة تامة وحقيقة بالمعوّق, ومعرفة عملية وواقعية بكيفية التخلص منه.
وهنا يجب الانتباه إلى أمر هام جداً, وهو الوعي الحقيقي بالمعوق, وهذا يتطلب منا معرفة أمرين أساسين: أولهما معرفتنا بالشيء خالصاً من شوائبه ومعوقاته ومعرفتنا بالمعوق الفعلي, لكيلا تختلط علينا الأمور.
ولتوضيح الصورة نأخذ مثلاً "تحرير" المرأة, هذا المطلب الذي مازلنا نسمع كلاماً كثيراً حوله, وخصوصاً في وقتنا الحالي.
فتحرير المرأة يُستخدم كمصطلح يُقصد به تخليص المرأة من كلّ المعوّقات التي تمنع قيامها بوظيفتها في المجتمع, بصفتها امرأة حرّة. ولكننا إذا نظرنا إلى الدراسات التي اهتمّت ببيان هذه المعوّقات تمهيداً لتخليص المرأة منها, نجد أن معظم الدعوات اتجهت إلى اعتبار الحجاب مثلاً معوّقاً من هذه المعوّقات, فكثرت الكتابات التي هاجمت الحجاب, وحاولت إقناع القارئ بسخفه وعدم ضرورته, بل إن بعض هذه الكتابات جعلت القارئ يظن أن خلع الحجاب سيكون هو المخلّص الوحيد لهذه المرأة المسكينة.
وبالطبع فإن هذا ليس صحيحاً, فأنا كمحجبة لا أشعر مثلاً أن حجابي معوّق لي, يمنعني من أداء عملي وخدمة مجتمعي, ولكنّ المعوّق الذي أشعر به هو تلك النظرة لحجابي على أنه معوّق, فكثير من الوظائف تمنع استخدام المحجبات, وكثير من الناس, وخصوصاً من يدعي التثّقف منهم, ينظر نظرة احتقار واستخفاف للمرأة المحجبة, ومسلسلاتنا خير دليل على هذا, فغالباً نجد أن المحجبة هي امرأة جاهلة متخلفة, متعصبة, بل وراضخة ذليلة. وبهذا تصبح هذه النظرة إلى حجاب المرأة هي المعوّق للمرأة وليس حجابها بحد ذاته.
وحتى نكون منصفين فيجب أن نقول إن النظرة المعاكسة لهذه النظرة, والتي تعتبر المرأة عورة كلها هي أيضاً نظرة معوقة لتحرر المرأة, وليست بأفضل حال من النظرة الأولى, فكثيرون يعتقدون أن المحجبة يجب عليها التزام بيتها, ويجب عليها الانعزال, بل حتى لا يجوّزون لها المشاركة في النشاطات الترفيهية البسيطة, بحجة أنت محجبة وهذا لا يليق بك.
وبسبب هذا التقدير الخاطئ والدراسة السطحية لمعوّقات تحرر المرأة, دخلنا في معارك ثانوية, وابتعدنا عن الموضوع الأساسي, فهل ما نراه من عري من قبل معظم من تمتهن الغناء اليوم, من مؤديات لا يمتلكن من مؤهلات الغناء شيئاً, ولكنّهن يمتلكن استعداداً لكشف أكبر قدر من مفاتن الجسد, وقدرة على التمايل وتمثيل ايحاءات مثيرة, قد ارتقى بهن حتى أصبحن متحررات فعلاً من معوقات تمنعهن من أداء وظيفتهن في المجتمع؟ أعتقد أن جواب كثير من الناس سيكون مطابقاً لقول الشاعر, الذي يمثّل نظرتهم إلى وظيفة المرأة, وهي تأمين المتعة فقط, حين قال:
هُنَّ النساء حبائل الشيطان ِيعنو إليها أشجع الشجعان
يسلبنَ ألباب الرجال بنظرة واللحظ مغناطيس كل جَنانِ
فإذا مشين ومِلن في حَليٍْ وفيحُلَل أثرن مكامن الأشجانِ
وإذا سفرن عن المحاسن للورى فهناك مصرع كل قلب عاني
نحن والحرية
في سياق بحثنا المتواصل عن أسباب انحطاطنا نجد أن جلّ الباحثين والدارسين قد وصلوا إلى أن السبب الرئيس والأهم في انحطاطنا هو فقدنا للحرية. فنحن نفتقد إلى الحرية بكافة أشكالها, سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ........إلخ.
ما يحصل الآن هو أن البحوث والدراسات والتنظيرات المختلفة اتجهت إلى البحث عن الأمور التي سنستطيع بوساطتها الحصول على الحرية بكافة أشكالها رغبة في الرقي والتحضّر والتخلّص من أمراضنا الكثيرة.
ولكننا إذا تمعّنا في الأمر نجد أن البحث في معوّقات تحررنا يتخذ شكلاً خاطئاً, أوصل إلى مسلمات أو نوع من البديهيات الشائعة حول مفهوم المعوّقات تماماً كمثالنا السابق عن الحجاب.
فكثير من البحوث وجدت أن اتباعنا لنظام سياسي معين سيحررنا من الاستبداد الذي يعتبر معوّقاً أساسياً في وجه تحضّرنا. وآراء ودراسات وجدت أن اتباعنا لنظام اقتصادي ما سيحررنا من الفقر الذي هو بدوره معوّق من معوّقات التحضّر, وكذلك الأمر بالنسبة إلى دراسات أخرى وجدت في هويتنا العربية وديننا الإسلامي معوّقاً من معوّقات تحررنا الإجتماعي. فترسخت في حياتنا مجموعة من البديهيات الراسخة سواء عن تصورنا لمشاكلنا أو عن الحلول التي يجب أن نسعى إليها.
فشعارات من مثل "الديمقراطية هي الحل" أو "الإسلام هو الحل".....إلخ, ما هي إلا شعارات جاءت نتيجة لتشخيص متسرّع في بحثنا عن معوّقات تحررنا السياسي. فبنو اسرائيل مثلاً, عندما جاء موسى عليه السلام وخلّصهم من فرعون واستبداده, لم يجعلهم هذا متحررين من معوّقات تحضّرهم ورقيّهم, ذلك أنهم ظلّوا مقيّدين بقيود نفسية انعكست على تصرفاتهم التي أوصلتهم إلى التيه والضياع.
فتغيير النظام السياسي, مهما كان البديل المطروح, لن يكون بالتأكيد, كما يتصور معظم الناس, الوسيلة التي ستحررنا من معوّقات تحضّرنا, ذلك لأن المعوّق الأصلي مازال موجوداً, وسيعمل عمله مع النظام الجديد, ولن نجد تغييراً إلا في بعض المظاهر الشكلية فقط.
وما قلته عن السياسة يُقال عن الإقتصاد والدين واللغة. فنحن نعالج أعراضاً ولا نعالج الأمراض الحقيقة.
معوّقات التحضّر والتحرر:
ترسخت في نفوسنا على مرّ العصور مجموعة من المعوّقات التي منعتنا من أن نصير أحراراً بالمعنى الصحيح للحرية, أحراراً متخلّصين من كل الشوائب السلبية التي تعوق قيامنا بوظيفتنا الإنسانية, سواء على المستوى الشخصي أو العام.
ومن أهم هذه الشوائب والمعوّقات ما نمارسه في مجتمعاتنا من سلوك انحطاطي, يعوق فاعليتنا, ويعوق تحررنا ورقيّنا. هذا السلوك الإنحطاطي الذي نلمسه في أبسط أمورنا الحياتية اليومية, فمن الاستهتار وعدم الإهتمام, إلى الهدر في الوقت والجهد, إلى عدم إتقان العمل, وعدم تحمّل المسؤولية, إلى عدم القدرة على تقبل الآخر, وغيرها من السلوكيات التي جعلت منا أسرى منظومة من الممارسات التي انعكست آثارها السيئة على كل مرافق حياتنا, فأوجدت الاستبداد والتسلط والفقر والجهل والمرض وغيرها من المظاهر التي نعتقد خطأ أنها هي المعوّقات الأساسية التي تمنعنا عن القيام بوظيفتنا الإنسانية الحضارية.
وللتوضيح سأضرب لكم مثلاً عن عدم اتقان العمل وكيف هو معوّق حقيقي من معوّقات تحررنا وتحضّرنا, والسبب أن عدم اتقان العمل جعلنا لا نهتم بتحسين عملنا وتطويره, لقد صرنا أمة يصدق عليها وصف "أمة ماشي الحال", بمعنى أننا نقبل بالعمل بأقل مواصفات الجودة, ونتغاضى عن سوء التنفيذ, ونقول "ما شي الحال" فنهدر مالنا, ووقتنا وجهدنا, ولا نحصل على عمل متكامل مفيد, والأهم من ذلك أننا لا نسعى نحو التطوير والتحسين وتلافي الأخطاء, فحين أطلب من نجار أن يصنع لي طاولة, ويقوم هو بصنعها بطريقة غير متقنة وأقبلها منه, فإنني بذلك قبلت بهدر مالي, ووقتي, وجهد العامل ووقته, ولم أساعد هذا العامل على تطوير عمله وكسب مهارات جديدة تمكنه من تلافي الأخطاء الذي وقع فيها أولاً, وجعلت عمله غير متقن. بينما لو أنني رفضت استلام عمل غير متقن, واهتم العامل بأن لا يُخرج من ورشته إلا قطعة متقنة, لسعى إلى تحسين مهاراته, فوفر علي مالي ووقتي, ومكنني من استخدام ما أريد على أحسن صورة وبأقصى فائدة. وكلنا يلمس مدى الآثار الكارثية لعدم اتقاننا لعملنا في كافة المجالات الاقتصادية والتعليمية والطبية والحياتية مما جعلنا نهدر كثيراً من إمكاناتنا المادية والمعنوية, التي نحن في أشد الحاجة إليها.
وما يقال عن عدم اتقان العمل يقال عن المظاهر السلوكية الانحطاطية الأخرى, والتي أنتجت آثاراً سلبية خطيرة, ظننا خطأ أنها السبب فيما نعاني منه من انحطاط وموات حضاري. وعلى هذا فإنه من الضروري أن نميّز بين هذه الأمور, حتى نستطيع معرفة المعوّقات الحقيقة التي سلبتنا حريتنا, وجعلتنا أمة مستعبدة, تعاني من مشاكل متعددة وخطيرة, تختصر في تعبير "الانحطاط وعدم الفاعلية".
فنحن عندما خلطنا بين الأعراض والأمراض, وصلنا إلى حالة من الضياع, جعلتنا نحارب هويتنا المميزة الخالصة, والتي من المفترض أن يكون هدف سعينا نحو التحرر هو الوصول إلى أحسن ما فيها, حتى نقوم بوظيفتنا على أكمل وجه, وأحسن صورة
منقول