الحوار المبتور ...عن المرأة والدين والسياسة [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحوار المبتور ...عن المرأة والدين والسياسة


bigbaby
18-05-2006, 12:51
[align=justify:25cb783b33]تلقيتُ دعوة لاجراء حوار في إحدى القنوات التلفزيونية. قال لي مسؤول البرنامج: "ستدير الحوار معك امرأة غاية في الذكاء, قرأتْ كل كتبك, وأعدتْ نفسها لحوار شجاع جداً وصريح جداً, وسيذاع الحوار كاملاً من دون حذف أو رقابة من أي نوع".

ولأن الإنسان عندي بريء حتى تثبت إدانته, ولأنني لم أتخلص من البراءة الطفولية على رغم تجاوزي السبعين من العمر, صدقت كلام الرجل.

ذهبت في الموعد المحدد فلم أجد أحداً, ثم بدأ عمال النظافة يظهرون, من بعدهم العاملون في الدرجات الادنى, ثم العاملون الأعلى قليلاً, حتى ظهر مسؤول البرنامج والمخرج.

أخيراً جداً ظهرت السيدة المذيعة التي ستدير الحوار معي. لم تعتذر عن التأخير (فهذه عادة الحكام والنجوم) تتحرك مثل الاميرة أو السيدة الأولى, توزع الابتسامات على جمهور العاملين والعاملات, تحرك رأسها بشعرها الاصفر المصبوغ هنا وهناك, "تبربش" برموشها الصناعية الغزيرة مثل عروس المولد, يختفي وجهها الحقيقي تحت حجاب كثيف من المساحيق والألوان وظلال الجفون وخطوط الحواجب والعيون, أحمر الشفاه يتجاوز حدود الشفتين ليزيد حجمهما ضعفاً, الحلق الضخم يتدلى من اذنيها, الثوب اللامع الضاغط على صدرها يكشف عن بداية الشق العميق بين النهدين.

قلت لنفسي, أحياناً لا يتعارض ذكاء المرأة أو الرجل مع الشكل الخارجي الذي ينم عن الغباء, وبقيت في مقعدي أتحلى بالهدوء والصبر الجميل.

كان الاستديو معداً كي يكون مقعد المذيعة هو مركز الكون, ومن سواها في الاطراف, بمن فيهم الضيفة محور الحوار, التي نعتوها بالاستاذة الدكتورة المفكرة العظيمة... الخ, ثم تسليط الاضواء على وجه المذيعة حتى يبدو مضيئاً متألقاً من كل الزوايا, وكذلك ابراز المفاتن واخفاء عيوب الأنف والفكين.

بدأت المذيعة تسألني بجرأة منقطعة النظير, وشهقة انثوية ناعمة: يا ترى أنت مستعدة لحوار شجاع جداً وصريح جداً؟

إلا أن هذه الجرأة المفتعلة سرعان ما تساقطت أثناء الحوار, مع تساقط حبات العرق على وجهها, أدركت أنها في مأزق, ربما لعجزها عن مواصلة الحوار, أو لأن العرق أغرق وجهها, وذابت المساحيق والألوان الحمر والبيض والظلال الزرق على الجفون, والكحل ايضاً ساح بلون أسود باهت على الألوان الأخرى.

وأشار المخرج بيده لإيقاف التصوير, أخذنا استراحة بضع دقائق حتى أعادت المذيعة الى الماكياج ما افسده الحوار.

بعد أسبوع او أكثر عُرض البرنامج على الشاشة, بعد أن امتدت يد الرقيب بالمقص, باترة كلّ الاجزاء التي تحدثت فيها عن التناقضات في حياتنا, خصوصاً في ما يتعلق بالمرأة والدين والسياسة. وأهم ما بُتر من الحوار هو الجزء الخاص بالمذيعة نفسها, كانت تؤكد لي أن حجاب المرأة فرضٌ في القرآن, وأحد أركان الإسلام مثل الصلاة والصوم والحج. أدهشتني حماستها لتحجيب النساء على رغم أنها غير محجبة, وسألتها لماذا لا ترتدين إذاً الحجاب؟

تلعثمت لحظة وترددت, مسحت حبات العرق بسرعة وخفة بمنديل كلينكس, عثرت على الجواب اخيراً, فتنفست الصعداء, كغريق يطل برأسه من تحت الماء وقالت: الله سبحانه وتعالى لم يُرد لي بعد أن أتحجب, حين يريد الله لي أن أتحجب سأتحجب على الفور, الإنسان مُسير وخاضع لإرادة الله!.

وقلت لها: بهذا المنطق يا سيدتي يمكن إعفاؤك من مسؤولية أعمالك كلها, بل يمكن إعفاء أي إنسان من مسؤوليته. مثلاً يمكن إعفاء جورج بوش وآرييل شارون من جرائم القتل في العراق وفلسطين, بدعوى أن الله أراد لهما أن يقتلا الشعبين العراقي والفلسطيني. وحين يريد الله لهما أن يكفا عن القتل فسيكفان. وأيضاً يمكن إعفاء أي حاكم عربي من مسؤوليته, بدعوى أن إرادة الله تحكم كل شيء, فالله يريد لنا الهزيمة, ويريد لنا التخلف والفقر والجهل وكل ما نعيشه من مشاكل, ومنها البطالة والهجرة الى بلاد أخرى... كل ذلك لأن الانسان مُسيّر وليست له إرادة! مع أن الإسلام في جوهره يؤكد على مسؤولية الإنسان, إذ أن كل إنسان مسؤول عن أعماله, ومعنى ذلك أن الإنسان له حرية اختيار ما يفعل, وبالتالي مسؤول عما يفعله. وتزيد المسؤولية بازدياد السلطة, فالحاكم أكثر مسؤولية من المحكوم, والقوي أكثر مسؤولية من الضعيف, والسيد اكثر مسؤولية من العبد, لكن هذا المبدأ الأخلاقي والسياسي المهم اندثر تحت عهود الاستبداد السياسي والديني, فانفصلت السلطة عن المسؤولية, وظهر شيء اسمه "الحصانة" لأصحاب السلطة والقوة من الحكام وأعضاء المجالس العليا (البرلمان - مجلس الشورى... الخ). وبهذه الحصانة يتم اعفاء ذوي النفوذ من مسؤولياتهم فلا تمكن محاسبتهم على أخطائهم, ويمكن محاسبة الضعفاء فقط وعقابهم وإن كانوا أبرياء. هذا هو جوهر الفكر العبودي السائد الذي يُعاقب الضحية ويُطلق سراح الجاني (لأنه الأقوى).

لم يُقدم جورج بوش وآرييل شارون للمحاكمة كمجرمي حرب, على رغم الدماء التي تغرق ايديهما, ولم يقدم أي حاكم عربي للمحاكمة كشريك للاستعمار القديم أو الجديد, وكشريك في الحرب العسكرية او الاقتصادية التي تسبب الموت والجوع للملايين في بلادنا.

بتر الرقيب كل هذا الجزء من كلامي, فظهرت المذيعة بعد أن اصلحت الماكياج في أبهى صورة, تلوك ما سبق ان قالته عن أن الحجاب فرض وواجب في الاسلام, ثم استعانت برجل دين (أو امراة دين) لتؤكد كلامها, وانتهى الحوار بآيات من القرآن الكريم, وصوت المذيعة يتردد عالياً وكأنها أم كلثوم, وأصبح وجهي خلف الكاميرا في الظل, بلون أسود يكاد يشبه وجه ابليس.

وسألت الأصدقاء والصديقات الذين شاهدوا البرنامج معي بعد عرضه, أليس من الأفضل أن نرفض المشاركة في هذه البرامج الزائفة؟

وقالوا جميعاً, لا! لا بد من المشاركة, لأن الحقيقة على رغم الزيف تظهر, وتكفي عبارة واحدة صادقة لكشف مئات بل آلاف العبارات الزائفة. ومهما بتر الرقيب من اجزاء فإن الجزء الذي ظهر يكفي, فنقطة الضوء الواحدة كافية في السماء المظلمة السوداء.

***

كنت في نيويورك حين شاهدت على الشاشة الحوار الذي دار بين جورج بوش وجون كيري خلال تشرين الاول (اكتوبر) الماضي. رأيت الاثنين يتباريان حول أيهما اكثر ايماناً بالله والمسيح والانجيل, أيهما اكثر قدرة على استعمارنا وقتلنا من أجل اميركا, "فليبارك الله اميركا, الله مع اميركا في كل خطوة, الله يريد لأميركا أن تنتصر ولهذا تنتصر".

بعد انتصار جورج بوش على خصمه في الانتخابات أعلن أن الله معه في حربه على الإرهاب الإسلامي. فالله يحارب معه ضد أعدائه, والنصر من عند الله (وليس بسبب الترسانة العسكرية النووية التي تملكها اميركا وإسرائيل).

هذه هي الفلسفة السياسية الجديدة للاستبداد الدولي والمحلي التي أصبحت سائدة في اجهزة الإعلام, تحت اسم الدين والإيمان. تنتقل جراثيم هذه الفلسفة بسرعة الالكترونيات من الشمال الى الجنوب ومن الغرب الى الشرق, تحت اسم العودة الى المسيحية او اليهودية او الإسلام, وتنخدع الشعوب بهذا الإعلام الموجه ومن ضمنها الشعب الأميركي, وقد نجح جورج بوش في الانتخابات من طريق الإعلام الموجه الخادع, إلا أنه نجح بنسبة 51 في المئة فقط, وليس بنسبة 98 في المئة (أو أكثر) كما يحدث في بلادنا.

إن الخداع الإعلامي في بلادنا اكثر سطوة, وأشد تأثيراً, لأن وسائل الاستبداد والحبس والقمع في بلادنا أشد ضراوة, ولأن معظم الشعوب العربية (رجالاً ونساء, ومتعلمين وغير متعلمين) لا تزال تعاني من الثالوث المزمن: الفقر, الجهل, المرض. ولا تزال المحظورات مفروضة على العقل العربي, خصوصاً في ما يتعلق بالثالوث المحرم: المرأة والدين والسياسة.[/align:25cb783b33]

نوال السعداوي

ABDO_H
18-05-2006, 13:17
مشكوره بيغ بيبي على النقل الجميل أنا برأيي في قسم كبير من المنطق وخاصه في قولها
(هذه هي الفلسفة السياسية الجديدة للاستبداد الدولي والمحلي التي أصبحت سائدة في اجهزة الإعلام, تحت اسم الدين والإيمان. تنتقل جراثيم هذه الفلسفة بسرعة الالكترونيات من الشمال الى الجنوب ومن الغرب الى الشرق, تحت اسم العودة الى المسيحية او اليهودية او الإسلام) ياريت نرجع للاسلام الحقيقي مو الاسلام المزيف الي يقدم الينا من رجال دين اقل مايقال عنهم انهم رجال سلطه ورجال مناصب وكما قيل بئس العلماء على أبواب الحكام ...

وعفكره أني انا مابحب نوال السعدواي مو لافكارها بس كمان شكلها قوليلا لاتطخو ولاكسير مخو لاتعمل ميك اب بس تسرح شعرها ههههههههههههه.... :shock:

بطريق هع :lol: :lol:

unicorn
18-05-2006, 13:20
شكرا بيغ بيبي على نقلك لهذا الموضوع الرائع

إن الخداع الإعلامي في بلادنا اكثر سطوة, وأشد تأثيراً, لأن وسائل الاستبداد والحبس والقمع في بلادنا أشد ضراوة, ولأن معظم الشعوب العربية (رجالاً ونساء, ومتعلمين وغير متعلمين) لا تزال تعاني من الثالوث المزمن: الفقر, الجهل, المرض. ولا تزال المحظورات مفروضة على العقل العربي, خصوصاً في ما يتعلق بالثالوث المحرم: المرأة والدين والسياسة.

بخصوص وسائل الأعلام فهذا كلام صحيح 100% ولكن للشعب أيضا دور كبير بخدمة الاعلام المخادع
. فعندما يرى الشعب الدانيماركي مثلا سفاراته تحترق كل يوم وضحايا تقع هنا وهناك من أبناء شعبه فلن يحاول أن يجد ما نشرته إحدى الصحف المحلية وأن يخلق المبررات لتصرفات
يعتبرها همجية بحق بلاده بل سيعتبر أن ما سمعه عن الإسلام هو أقل ما يمكن أن يذكر
وبالنسية للقمع والاستبداد فهو أيضا صحيح و متأصل في عالمنا الثالث ..ولكن
لو جلسنا وشكينا حتى الصباح ووبخنا ضمنيا أسباب جهلنا وتخلفنا فهل لذلك أن يغيير شيء
لو أن الاستبداد هو السبب الرئيسي للجهل والظلام لرأينا الصين الشعبية من أجهل البلدان
وأكثرها تخلفا وفقرا
رأيي المتواضع ينضم إلى رأي السيدة الكاتبة لكني أيضا أحمّل الشعب الملامة الأكبر على
النتائج

وشكرا

IMAN
18-05-2006, 14:00
شكراً لك بيغ بيبي على هذا النقل المميز كما عودتنا دائماً.

إن الخداع الإعلامي في بلادنا اكثر سطوة, وأشد تأثيراً, لأن وسائل الاستبداد والحبس والقمع في بلادنا أشد ضراوة, ولأن معظم الشعوب العربية (رجالاً ونساء, ومتعلمين وغير متعلمين) لا تزال تعاني من الثالوث المزمن: الفقر, الجهل, المرض. ولا تزال المحظورات مفروضة على العقل العربي, خصوصاً في ما يتعلق بالثالوث المحرم: المرأة والدين والسياسة.

أعجبني كثيراً إطلاق تسمية الثالوث المحرم على (المرأة والدين والسياسة)... هو فعلاً ثالوث محرم!! حتى وان كانت وسائل الاعلام تناقش هذه المواضيع بكثرة.. ولكن النقاش غالباً ما يكون سطحي ومكرر ومحدد ضمن الكثير من الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها... وإن تجرأ أحد على تجاوزها فهو ينعت بالكفر والخيانة والتواطأ والعلمانية :!:

lucifer
18-05-2006, 19:16
ولكن النقاش غالباً ما يكون سطحي ومكرر ومحدد ضمن الكثير من الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها... وإن تجرأ أحد على تجاوزها فهو ينعت بالكفر والخيانة والتواطأ والعلمانية

نعم إيمان.. من يجرؤ على تخطيها... الويل له.. والإقصاء له...

بس فشرو.. ان يسكت المرء يعني أن يموت...

شكرا لصديقتي الرائعة بيغ بيبي على المقال.

ZAREFAH
18-05-2006, 23:46
كتير حلو المقال يا بيغ بيبي............


و هي الجملة:
وقالت: الله سبحانه وتعالى لم يُرد لي بعد أن أتحجب, حين يريد الله لي أن أتحجب سأتحجب على الفور, الإنسان مُسير وخاضع لإرادة الله!.

بتقولها كل البنات الغير محجبات يلي على اساس مؤمنة بالله و مقتنعة بالإسلام.......يالطيف شو سمعانتها و خصوصاً لما بدها تقنعك بالحجاب آل يعني.........

Engelbert
19-05-2006, 00:18
لأن الحقيقة على رغم الزيف تظهر, وتكفي عبارة واحدة صادقة لكشف مئات بل آلاف العبارات الزائفة. ومهما بتر الرقيب من اجزاء فإن الجزء الذي ظهر يكفي, فنقطة الضوء الواحدة كافية في السماء المظلمة السوداء.




جملة جميلة جدا ...
مشكورة بيغ بيبي ...




سلام ...
Engelbert

Rami
19-05-2006, 03:44
بيغ بيبي, عجبتني كلمة ( المبتور )
و فهمك كفاية [smilie=31.gif]

Ayman syr
19-05-2006, 16:12
[align=right:b5e66d7d94]بصراحة ترددت شوي قبل ما اكتب الرد .. ارجو ان لا يفهم بطريقة خاطئة ..ايضا :

فعلا على الإنسان أن يختار جهة إعلامية موثوقة لطرح أفكاره ..حتى لا يتم تشويه الصورة ..بغض النظر كائنا من كان هذا الكاتب ...
و أنا برأيي أن الجهة الإعلامية التي تحترم نفسها ..يجب أن لا تخجل مما تعرض ..إما أن
تكون على قدر مسؤولية الفكرة التي تريد طرحها ..او أن لا تعرضها من الأساس ما دامت لا
تناسب توجهاتها ...

بالنسبة لقضية الثالثوث المحرم ..فعلا ..هذه العبارة مشهورة من زمان في الوسط الإعلامي .حتى عندما كنت أؤدي الخدمة الإلزامية ..كان معي صديق ..هو صحفي و كاتب..قدم عدة سيناريوهات لعدة جهات إنتاجية ..وكان دائما يتحدث لي عن معاناته لأنه يقابل بالرفض على حد تعبيره بسبب تعرضه لقضايا تتعلق بالثالوث المحرم (الدين المرأة السياسة )..
(اي نعم كان ناقر مخي ) ببطولاته ..ولكن هي فعلا مشكلة تواجه معظم الكتاب عندنا ..

أنا برأيي ..ان المشكلة لا تكمن في المجتمع ..المشكلة هي بطريقة الطرح .الكتاب عندما قرروا أن ينتقدو المجتمع و تحت وطأة الاندفاع العنيف و كم الثغرات التي يحويها مجتمعنا ..اندفعوا للنقد بطريقة ربما لن يستطيع المجتمع تحملها ..يعني الجرعات كانت كبيرة ..لذلك فهي لن تداوي المجتمع بقدر ما ستؤدي إلى اختلال هرموني من الممكن أن يودي بحياة هذا المجتمع الهزيل و المريض أصلا ..لذلك علنا اختيار الدواء المناسب و الجرعات المناسبة ..يعني طريقة نقد يتقبلها المجتمع ..و أظنه سيتعافى ..
مدعي الحداثة دوما يلجؤون إلى الكي مع أنهم ينقدون كل ما يتعلق بالماضي ..وهذا الكي أصبح طريقة قديمة .علينا بدلا عنها الاستعانة بالطب الحديث ..

أخيرا ..تشكرات طبعا لبيغ بيبي على النقل المميز ..

أيمن [/align:b5e66d7d94]