lucifer
14-02-2006, 21:44
قدم مركز "جافي" في جامعة تل أبيب من زمن تقريره عن "التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط"، أشار التقرير إلى أن التوازن الاستراتيجي في هذه المنطقة المتقلبة جداً يرجح كفة إسرائيل بشكل واضح. وبناء على ذلك فقد ناقش مدير المركز "شاي فيلدمان" كاتب التقرير فكرة أن هجمات العنف الفلسطينية لن تصعد الحال في المنطقة لتقودها إلى حرب إقليمية.
حجة جيدة، مبنية على استعارة جيدة. ولعدة قرون فإن فكرة التوازن بين الدول تم قبولها كحقيقة وحاجة بين الدول . لطالما تعلمنا أو "قيل لنا" أنه عندما يوجد توازن قوى فسيؤدي ذلك إلى استقرار نسبي، خصوصا في صالح من ترجح كفته في القوة.
يقول لويس رينيه بيريز في رد على تلك الدراسة أيضاً
(( هناك مشكلة واحدة في هذه الحجة،. وهي أنها خاطئة تماماً ولا علاقة لها بالاستقرار بأي شكل من الأشكال، بل الأسوأ من ذلك أنها تخلق فهما خاطئاً لما هو مهم فعلاً في عملية تجنب حرب وتقود دولاً معينة (وفي هذه الحالة دولة إسرائيل) إلى المبالغة في الوثوق بأمنها.
إسرائيل – وكما يقول فيلدمان – تستمتع الآن بتوازن قوى في صالحها في مواجهة خصومها. إن قوة إسرائيل الرادعة - كما نقرأ في التقرير – تبقى هي السلاح الفعال الرادع لتجنب أي حرب اقليمية بل الأكثر من ذلك أن الفرق في القوى بين إسرائيل وخصومها في ازدياد متسارع في مجالات تكنولوجية مهمة للقوة العسكرية. أقوى تلك القدرات هي القدرات الجوية، وقدرات الاستخبارات (بما فيها أبحاث الفضاء) وأنظمة الدفاع الصاروخية البالستية. تلك القدرات التي تتميز بها قوة إسرائيل الدفاعية (IDF) عن الجيوش العربية التي تتخلف بشكل كبير في المسير عن إسرائيل في مجالات التجسس الأرضي والعمليات البحرية والجوية.
للأسف فإن هذا الكلام المتفائل العقلاني (كما يبدو) يعطي إحساسا خاطئا ومزيفاً بالأمان لإسرائيل، هذا المقال يظهر القليل من الفهم لطبيعة المنطقة الإستراتيجية، إن أعداء إسرائيل لا يفكرون كما يقول تقرير مركز جافي. وكنتيجة فإنهم لن يبنوا حساباتهم على خياراتهم العسكرية المبنية على "توازن فيلدمان الإستراتيجي". الحقيقة أن قوة إسرائيل الدفاعية هي بالفعل الأقوى على جميع الأصعدة، وهي تصل إلى حد التفوق على القدرات العسكرية الإسلامية والعربية مجتمعة، لكن إن لم يدرك العدو هذه النقطة أو إن قام العدو بحسابات خاطئة فإنه سيهاجم حتماً، وإن كان فيلدمان محقاً (وهو محق في الفرق في القوى بين إسرائيل وأعدائها) فلن يحقق العدو الكثير لكن ذلك لن يأتي بالعزاء لآلاف الجرحى الإسرائيليين والذين قد يلقون حتفهم إن رفضت الدول العربية التفكير على طريقة فيلدمان.
إن الخطر الذي يهدد إسرائيل لا يزال قائما إن اعتبرنا أن العدو سيعمل كثيراً من المنطق أثناء اتخاذه القرارات، إن استخدام العنف في الشرق أوسط الإسلامي (حتى داخل الدولة الواحدة) يكون أحياناً بلا دوافع خارجية وقد ثبت ذلك أكثر من مرة وهم بذلك خلفاء كلاوزويتز – دي ساد. لقد وصف ميلان كونديرا تلك القوة بكونها عارية تماماً، لا تحتاج إلى دوافع.. عنفها يجعلها لا تهتم للعواقب،و بلا محرضات محددة وإرادتها بهدف العنف هي الإرادة الوحيدة التي تقودها، لا عقلانية في حساباتها، وقد أثبت الشرق الأوسط العربي والإسلامي ذلك لأنها غالبا ما تكون ذاتية التدمير تقتل نفسها،وأحداث لبنان الطائفية أكبر مثال على ذلك، لكن المشكلة أن تدميرها لذاتها سيدمر من حولها أيضاً
وضمن أعداء إسرائيل توجد شهوة خاصة، هي شهوة (الحرب على الدولة اليهودية)، على إسرائيل أن لا تزيح ببصرها عن تلك الشهوة الغير واضحة أبداً، سيكون ذلك أفضل بكثير من التفكير بالتوازن الإستراتيجي، إن أعداء إسرائيل لا تقودهم طريقة كلاوزويتز بشكل مستقيم، لأنهم أنفسهم لا يملكون طريقا أو هدفا واضحا أمامهم،تحركهم حاجات ودوافع غير محدودة، غير معروفة حتى من قبلهم أنفسهم أحياناً.
"البشر بطبيعتهم يؤمنون بما يريدوا أن يؤمنوا به" هكذا قال يوليوس قيصر، وبالنسبة لإسرائيل فإن نظرة قيصر كانت مثبتة تماماً في حرب 1973، فحتى ذلك الوقت كان الفكر الشائع في ذلك القرن هو أن العرب فقدوا الرغبة بتفجير العداء ضد الدولة اليهودية.. وكان ذلك مبنيا على حسابات التوازن الإستراتيجي والتفوق في قوة إسرائيل الدفاعية.. إلى أن انفجرت الحرب في ذلك العام. وهي وإن انتهت لصالح إسرائيل في ذلك الوقت، لكنها كانت مسببة لخسائر لا تحتاجها دولة حديثة العهد، لأنها خسائر معنوية مزعجة للدولة، إننا إن أخذنا بتقارير كتقرير مركز جافي الإستراتيجي فسيقودنا ذلك إلى مشكلة أكبر، لأن التقرير يتحدث عن "التوازن" و "القوة" لكنه لا يستطيع فهمهما أو الربط بينهما، لأن قوى إسرائيل العسكرية ورغم تفوقها الشاسع فهي لن تستطيع منع "الهجمة الأولى".
وبالعكس.. فإن قوى إسرائيل العسكرية المسلحة القوية قد تخيل للعدو فعلاً أن خسائره ستتجاوز مكاسبه بكثير، لكن الاختلاف لا علاقة له بالقوة، وهذا لا يعني أن تقارير التوازن الإستراتيجي صالحة لسلامة إسرائيل لأن أصلح القياسات والحسابات السياسية العالمية لا تكون واضحة ومنطقية بالدرجة التي تكون بها الحسابات العسكرية. لقد فشل فيلدمان في تمييز الفرق الخادع بين فكرة "الحرب العربية ضد إسرائيل" و"الإرهاب العربي ضد إسرائيل". وفقاً لذلك التقرير فإن الصعوبات التي تواجهها إسرائيل في الهجمات الفلسطينية لا تؤثر على استقرارها وتفوقها الإستراتيجي.
وإن أردنا إلقاء الضوء بشكل واضح على الصورة فإن الهجمات الإرهابية على إسرائيل ولو أنها تحمل منهجاً ذاتي التدمير فإنها تفقد ثقة الدولة اليهودية بقيادتها تدريجياً، الأكثر من ذلك فإن تلك الإستراتيجية العربية العمياء هي منهكة لثقة إسرائيل بنفسها إلى أن تدمر معنويات الدولة في النهاية. في تلك اللحظة ستتحول إستراتيجية الإستنزاف (الإرهاب) العربية إلى إستراتيجية الإبادة (الحرب)، وهو تحول أهملته إستراتيجيات إسرائيل القديمة ودراساتها السياسية بسبب تركيزها على فكرة (التوازن الإستراتيجي) التقليدية)).
ولويس رينيه بيريز يحمل دكتوراه ودرجة بروفيسور في قسم العلوم السياسية وهو محاضر وناشر للعديد من المقالات السياسية والإستراتيجية. دراساته مشهورة ومعروفة في الوسط الأكاديمي والعسكري الإسرائيلي. مستشار في مركز فريمان للدراسات الإستراتيجية في هيوستن.
وما سبق هو الترجمة الحرفية لمقال الكاتب، وهو مقال مكتوب منذ بضعة سنين وتحديدا قبل الحرب الأمريكية على العراق، ولهذا السبب بالذات قمت بنقله، إن إسرائيل تنظر إلى العمليات الإرهابية وعمليات المقاومة بعين واحدة، وبغض النظر عن آراء الكاتب في نواح معينة، فقد أصبح بعد النظر الإسرائيلي الإستراتيجي قويا، وهو وإن يظهر قلقاً إسرائيليا فإنما يظهر فكراً وإستراتيجية جاهزين للتعامل مع كل الاحتمالات، وجهود فعالة للبقاء والاستمرار لأنهم يتجاوبون مع أحداث متوقعة في المستقبل باستباقها، خصوصاً خلال السنين الأخيرة الماضية، وقد ظهر ذلك بحملة إسرائيل العنيفة على ناشطي حركات المقاومة في السنين الأخيرة، إنهم لا يقبلون حتى (بأهون الشرين في نظرهم) وهم جاهزون للتعامل مع أي احتمال.
إن إسرائيل ورغم قلقها من دخول حركة حماس إلى الحكم الفلسطيني فإنها تأمل بشكل أو بآخر أن يتحول اتجاه حماس إلى السياسة، لكنها لا تستطيع التصريح بذلك علانية فكأنها تقول لشعبها (أوافق على أن يحكم الدولة الفلسطينية من يريد إبادتكم)، خصوصاً وأن حماس أثبتت أنها تتمتع بشعبية فلسطينية.... لكنها تراهن على ترك أو على الأقل تقليل حركات مثل حماس لاستخدامها للمقاومة بالشكل الذي يشكل إرهاباً معنوياً قبل أن يكون عسكرياً على إسرائيل، فهي تحاول بشكل واضح الضغط على حماس سياسياً إضافة إلى ضغطها العسكري، إن من يعتقد أن حماس قد ربحت معركة سيكون مخطئ، لأن الحرب الحقيقية بدأت الآن على حركات مثل حماس في فلسطين.
لقد تأكد لإسرائيل فشلنا السياسي الذريع من عقود، وحماس هي نجاح سياسي مبني على السلاح... وإسرائيل تخشى أن تؤدي الفوضى السياسية وحركات العنف التي بدأت تظهر على شكل "جهاد" أو "تحرير" بسبب فشلنا السياسي والاستراتيجي السابق إلى توليد نظام ضاغط على إسرائيل بشكل مقصود أو غير مقصود،. وهو وضع ليس بصالحنا أيضاً، لأن الفوضى التي نقدم عليها هي نتاج سياسات متخلفة وأنظمة حكم متخبطة تماماً أنجبت عنفاً إلى المنطقة، إن الشارع العربي لازال يجد صعوبة في التفريق بين المقاومة والإرهاب بسبب أداء تلك المجموعات الموجه ضد العرب أحياناً... لكننا متفقون على الأقل على أن حماس هي مقاومة فعلاً وليست إرهاباً.
لكن إسرائيل ترى المقاومة إرهاباً ولا تفرق بينهما أينما وجدا طالما أنهم عرب أو مسلمون... وعلى ذلك فهي تخشى أن يولد العنف الناتج عن الفوضى نظاماً شعرت إسرائيل بخطره من زمن ولم نشعر نحن به وهو في أحضاننا. إنهم يحسبون نتائج فشلنا كما يحسبون نتائج نجاحنا.
ويقول قائل، إن فوضانا التي نعيشها هي حالة ضاغطة على إسرائيل بشكل أو بآخر كما يدعون فأين المشكلة في ذلك، وهم أنفسهم يخشون أن تولد تلك الفوضى مرحلة جديدة ليست في صالحهم، أين الخطأ في نظرة كتلك؟
الخطأ أن إسرائيل في الواقع ستعاني من المقاومة كما عانت من الحرب المنظمة لسبب بسيط لا يد لنا به بشكل مباشر، وهو أنها لا تزال جسم غريب في المنطقة، وأي خلل سيؤثر عليها كما يؤثر على العرب أوالمسلمين. وهذا لا يعني أن الفوضى في صالحنا،.إنهم وبكل بساطة مدركون لطبيعة المنطقة بشكل أفضل منا، وبعد نظرهم يسبقنا. وهم ليسوا على استعداد للمجازفة بأي احتمال، لأنهم لازالوا يدركون هشاشة وحساسية الدولة اليهودية.
الخط الفاصل الموجود بين الإرهاب والمقاومة موجود رغم تجاهل الإسرائيليين والعالم له... إن استطعنا الحفاظ عليه وأمسكنا السكين من جهة آمنة بالنسبة لنا... فهو أضعف الإيمان... وأسلمه وأهمه لنا في وضعنا الراهن.
حجة جيدة، مبنية على استعارة جيدة. ولعدة قرون فإن فكرة التوازن بين الدول تم قبولها كحقيقة وحاجة بين الدول . لطالما تعلمنا أو "قيل لنا" أنه عندما يوجد توازن قوى فسيؤدي ذلك إلى استقرار نسبي، خصوصا في صالح من ترجح كفته في القوة.
يقول لويس رينيه بيريز في رد على تلك الدراسة أيضاً
(( هناك مشكلة واحدة في هذه الحجة،. وهي أنها خاطئة تماماً ولا علاقة لها بالاستقرار بأي شكل من الأشكال، بل الأسوأ من ذلك أنها تخلق فهما خاطئاً لما هو مهم فعلاً في عملية تجنب حرب وتقود دولاً معينة (وفي هذه الحالة دولة إسرائيل) إلى المبالغة في الوثوق بأمنها.
إسرائيل – وكما يقول فيلدمان – تستمتع الآن بتوازن قوى في صالحها في مواجهة خصومها. إن قوة إسرائيل الرادعة - كما نقرأ في التقرير – تبقى هي السلاح الفعال الرادع لتجنب أي حرب اقليمية بل الأكثر من ذلك أن الفرق في القوى بين إسرائيل وخصومها في ازدياد متسارع في مجالات تكنولوجية مهمة للقوة العسكرية. أقوى تلك القدرات هي القدرات الجوية، وقدرات الاستخبارات (بما فيها أبحاث الفضاء) وأنظمة الدفاع الصاروخية البالستية. تلك القدرات التي تتميز بها قوة إسرائيل الدفاعية (IDF) عن الجيوش العربية التي تتخلف بشكل كبير في المسير عن إسرائيل في مجالات التجسس الأرضي والعمليات البحرية والجوية.
للأسف فإن هذا الكلام المتفائل العقلاني (كما يبدو) يعطي إحساسا خاطئا ومزيفاً بالأمان لإسرائيل، هذا المقال يظهر القليل من الفهم لطبيعة المنطقة الإستراتيجية، إن أعداء إسرائيل لا يفكرون كما يقول تقرير مركز جافي. وكنتيجة فإنهم لن يبنوا حساباتهم على خياراتهم العسكرية المبنية على "توازن فيلدمان الإستراتيجي". الحقيقة أن قوة إسرائيل الدفاعية هي بالفعل الأقوى على جميع الأصعدة، وهي تصل إلى حد التفوق على القدرات العسكرية الإسلامية والعربية مجتمعة، لكن إن لم يدرك العدو هذه النقطة أو إن قام العدو بحسابات خاطئة فإنه سيهاجم حتماً، وإن كان فيلدمان محقاً (وهو محق في الفرق في القوى بين إسرائيل وأعدائها) فلن يحقق العدو الكثير لكن ذلك لن يأتي بالعزاء لآلاف الجرحى الإسرائيليين والذين قد يلقون حتفهم إن رفضت الدول العربية التفكير على طريقة فيلدمان.
إن الخطر الذي يهدد إسرائيل لا يزال قائما إن اعتبرنا أن العدو سيعمل كثيراً من المنطق أثناء اتخاذه القرارات، إن استخدام العنف في الشرق أوسط الإسلامي (حتى داخل الدولة الواحدة) يكون أحياناً بلا دوافع خارجية وقد ثبت ذلك أكثر من مرة وهم بذلك خلفاء كلاوزويتز – دي ساد. لقد وصف ميلان كونديرا تلك القوة بكونها عارية تماماً، لا تحتاج إلى دوافع.. عنفها يجعلها لا تهتم للعواقب،و بلا محرضات محددة وإرادتها بهدف العنف هي الإرادة الوحيدة التي تقودها، لا عقلانية في حساباتها، وقد أثبت الشرق الأوسط العربي والإسلامي ذلك لأنها غالبا ما تكون ذاتية التدمير تقتل نفسها،وأحداث لبنان الطائفية أكبر مثال على ذلك، لكن المشكلة أن تدميرها لذاتها سيدمر من حولها أيضاً
وضمن أعداء إسرائيل توجد شهوة خاصة، هي شهوة (الحرب على الدولة اليهودية)، على إسرائيل أن لا تزيح ببصرها عن تلك الشهوة الغير واضحة أبداً، سيكون ذلك أفضل بكثير من التفكير بالتوازن الإستراتيجي، إن أعداء إسرائيل لا تقودهم طريقة كلاوزويتز بشكل مستقيم، لأنهم أنفسهم لا يملكون طريقا أو هدفا واضحا أمامهم،تحركهم حاجات ودوافع غير محدودة، غير معروفة حتى من قبلهم أنفسهم أحياناً.
"البشر بطبيعتهم يؤمنون بما يريدوا أن يؤمنوا به" هكذا قال يوليوس قيصر، وبالنسبة لإسرائيل فإن نظرة قيصر كانت مثبتة تماماً في حرب 1973، فحتى ذلك الوقت كان الفكر الشائع في ذلك القرن هو أن العرب فقدوا الرغبة بتفجير العداء ضد الدولة اليهودية.. وكان ذلك مبنيا على حسابات التوازن الإستراتيجي والتفوق في قوة إسرائيل الدفاعية.. إلى أن انفجرت الحرب في ذلك العام. وهي وإن انتهت لصالح إسرائيل في ذلك الوقت، لكنها كانت مسببة لخسائر لا تحتاجها دولة حديثة العهد، لأنها خسائر معنوية مزعجة للدولة، إننا إن أخذنا بتقارير كتقرير مركز جافي الإستراتيجي فسيقودنا ذلك إلى مشكلة أكبر، لأن التقرير يتحدث عن "التوازن" و "القوة" لكنه لا يستطيع فهمهما أو الربط بينهما، لأن قوى إسرائيل العسكرية ورغم تفوقها الشاسع فهي لن تستطيع منع "الهجمة الأولى".
وبالعكس.. فإن قوى إسرائيل العسكرية المسلحة القوية قد تخيل للعدو فعلاً أن خسائره ستتجاوز مكاسبه بكثير، لكن الاختلاف لا علاقة له بالقوة، وهذا لا يعني أن تقارير التوازن الإستراتيجي صالحة لسلامة إسرائيل لأن أصلح القياسات والحسابات السياسية العالمية لا تكون واضحة ومنطقية بالدرجة التي تكون بها الحسابات العسكرية. لقد فشل فيلدمان في تمييز الفرق الخادع بين فكرة "الحرب العربية ضد إسرائيل" و"الإرهاب العربي ضد إسرائيل". وفقاً لذلك التقرير فإن الصعوبات التي تواجهها إسرائيل في الهجمات الفلسطينية لا تؤثر على استقرارها وتفوقها الإستراتيجي.
وإن أردنا إلقاء الضوء بشكل واضح على الصورة فإن الهجمات الإرهابية على إسرائيل ولو أنها تحمل منهجاً ذاتي التدمير فإنها تفقد ثقة الدولة اليهودية بقيادتها تدريجياً، الأكثر من ذلك فإن تلك الإستراتيجية العربية العمياء هي منهكة لثقة إسرائيل بنفسها إلى أن تدمر معنويات الدولة في النهاية. في تلك اللحظة ستتحول إستراتيجية الإستنزاف (الإرهاب) العربية إلى إستراتيجية الإبادة (الحرب)، وهو تحول أهملته إستراتيجيات إسرائيل القديمة ودراساتها السياسية بسبب تركيزها على فكرة (التوازن الإستراتيجي) التقليدية)).
ولويس رينيه بيريز يحمل دكتوراه ودرجة بروفيسور في قسم العلوم السياسية وهو محاضر وناشر للعديد من المقالات السياسية والإستراتيجية. دراساته مشهورة ومعروفة في الوسط الأكاديمي والعسكري الإسرائيلي. مستشار في مركز فريمان للدراسات الإستراتيجية في هيوستن.
وما سبق هو الترجمة الحرفية لمقال الكاتب، وهو مقال مكتوب منذ بضعة سنين وتحديدا قبل الحرب الأمريكية على العراق، ولهذا السبب بالذات قمت بنقله، إن إسرائيل تنظر إلى العمليات الإرهابية وعمليات المقاومة بعين واحدة، وبغض النظر عن آراء الكاتب في نواح معينة، فقد أصبح بعد النظر الإسرائيلي الإستراتيجي قويا، وهو وإن يظهر قلقاً إسرائيليا فإنما يظهر فكراً وإستراتيجية جاهزين للتعامل مع كل الاحتمالات، وجهود فعالة للبقاء والاستمرار لأنهم يتجاوبون مع أحداث متوقعة في المستقبل باستباقها، خصوصاً خلال السنين الأخيرة الماضية، وقد ظهر ذلك بحملة إسرائيل العنيفة على ناشطي حركات المقاومة في السنين الأخيرة، إنهم لا يقبلون حتى (بأهون الشرين في نظرهم) وهم جاهزون للتعامل مع أي احتمال.
إن إسرائيل ورغم قلقها من دخول حركة حماس إلى الحكم الفلسطيني فإنها تأمل بشكل أو بآخر أن يتحول اتجاه حماس إلى السياسة، لكنها لا تستطيع التصريح بذلك علانية فكأنها تقول لشعبها (أوافق على أن يحكم الدولة الفلسطينية من يريد إبادتكم)، خصوصاً وأن حماس أثبتت أنها تتمتع بشعبية فلسطينية.... لكنها تراهن على ترك أو على الأقل تقليل حركات مثل حماس لاستخدامها للمقاومة بالشكل الذي يشكل إرهاباً معنوياً قبل أن يكون عسكرياً على إسرائيل، فهي تحاول بشكل واضح الضغط على حماس سياسياً إضافة إلى ضغطها العسكري، إن من يعتقد أن حماس قد ربحت معركة سيكون مخطئ، لأن الحرب الحقيقية بدأت الآن على حركات مثل حماس في فلسطين.
لقد تأكد لإسرائيل فشلنا السياسي الذريع من عقود، وحماس هي نجاح سياسي مبني على السلاح... وإسرائيل تخشى أن تؤدي الفوضى السياسية وحركات العنف التي بدأت تظهر على شكل "جهاد" أو "تحرير" بسبب فشلنا السياسي والاستراتيجي السابق إلى توليد نظام ضاغط على إسرائيل بشكل مقصود أو غير مقصود،. وهو وضع ليس بصالحنا أيضاً، لأن الفوضى التي نقدم عليها هي نتاج سياسات متخلفة وأنظمة حكم متخبطة تماماً أنجبت عنفاً إلى المنطقة، إن الشارع العربي لازال يجد صعوبة في التفريق بين المقاومة والإرهاب بسبب أداء تلك المجموعات الموجه ضد العرب أحياناً... لكننا متفقون على الأقل على أن حماس هي مقاومة فعلاً وليست إرهاباً.
لكن إسرائيل ترى المقاومة إرهاباً ولا تفرق بينهما أينما وجدا طالما أنهم عرب أو مسلمون... وعلى ذلك فهي تخشى أن يولد العنف الناتج عن الفوضى نظاماً شعرت إسرائيل بخطره من زمن ولم نشعر نحن به وهو في أحضاننا. إنهم يحسبون نتائج فشلنا كما يحسبون نتائج نجاحنا.
ويقول قائل، إن فوضانا التي نعيشها هي حالة ضاغطة على إسرائيل بشكل أو بآخر كما يدعون فأين المشكلة في ذلك، وهم أنفسهم يخشون أن تولد تلك الفوضى مرحلة جديدة ليست في صالحهم، أين الخطأ في نظرة كتلك؟
الخطأ أن إسرائيل في الواقع ستعاني من المقاومة كما عانت من الحرب المنظمة لسبب بسيط لا يد لنا به بشكل مباشر، وهو أنها لا تزال جسم غريب في المنطقة، وأي خلل سيؤثر عليها كما يؤثر على العرب أوالمسلمين. وهذا لا يعني أن الفوضى في صالحنا،.إنهم وبكل بساطة مدركون لطبيعة المنطقة بشكل أفضل منا، وبعد نظرهم يسبقنا. وهم ليسوا على استعداد للمجازفة بأي احتمال، لأنهم لازالوا يدركون هشاشة وحساسية الدولة اليهودية.
الخط الفاصل الموجود بين الإرهاب والمقاومة موجود رغم تجاهل الإسرائيليين والعالم له... إن استطعنا الحفاظ عليه وأمسكنا السكين من جهة آمنة بالنسبة لنا... فهو أضعف الإيمان... وأسلمه وأهمه لنا في وضعنا الراهن.