تداعيات الزمن المر [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تداعيات الزمن المر


Bestout
05-02-2006, 04:26
قصة قصيرة


تبغ.. وسعال.. وقيح.. صدأ الزمن المبعثر كأحجار كاهنة تميم. سعل طويلاً ربما هي اللحظة الأخيرة التي انتظرها.. أو ربما تكون امتداد نوبات سعال تجاوزها بسيكارة وقدح كحول من صنع محلي.. عجل من مشيته لتتلاءم مع النشوة التي بدأ يشعر بها..رجع بذاكرته لعشرين عاماً خلت.. فتر القمر المتلالي في العلو من فوق السحب لتحجب بعض ضيائه.. ربما استفاقت للحظة حين بدأت أشجار اليوكالبتوس المتراصة تبدو كأنها رعية لكاهن صارم. على جانبي الطريق الإسفلتي المعقم.. تقترب الأشجار رويداً باطمئنان ملتقية مع بعضها بعضاً مكونة كومة سوداء متناهية الدقة أو رقماً يتيماً للاشيء مع خط الأفق..أو ربما كومة لعظام جند مروا من هنا ورحلوا متلاشين مع الزمن جذلين بأحلامهم كي يقال عنهم لاحقاً ما يقال.. قطع أفكاره سرب إوز طار توا باضطراب واضح كرد فعل لعواء ثعلب موتور.. كلب ينبح عن بعد.. وغيداء التي ودعها منذ عشرين عاماً لا زالت تلتهم ذاكرته يومياً.. يومها شيعها في آخر لحظة عند انتهاء حفلة التخرج ليخطفها رجل قيل عنه انه ثري من دول الخليج النفطية.. نام لأربعة أيام متتالية.

ربما تكون غيداء تستذكره الآن أو ربما تكون متقهقة في حضن ذلك الثري البائس.. أو قد تكون في حفلة ماضية كعادتها.

قطع استرساله المفزع نقيق ضفدعة استجابت لنداء الطيبة.. فاستذكاره لغيداء في هذا إليك أو ذاك لا يقطعه عادة إلا نداء للقلب المتعب.. أو حفيف أشجار اليوكالبتوس التي اعتاد السير بينها أو فزع طير خر بتمرد واضح.. سمفونية مجنونة تقذف في ذاكرته لعالم يدور بجنون كنواعير الحصينة التي حدثه عنها جده طويلا في أيام الشتاء القاسية وتداعيات الزمن المر.. فكر لبرهة أيكون لهذا النقيق قصد؟ أيجوز أن تكون لغة مفهومة لهذا الكم الهائل من الضفادع أم أنها استجابة لنداء الحياة..؟ هل هناك معنى للحياة دون غيداء..؟

سؤاله طرحه على نفسه مرارا بعد أن شيعها في ذلك اليوم التموزي اللاهب.. همست بأذنه لأول مرة بعد أربع سنوات من التمرد والغنج.. أنها تعشقه.. لا بل إنها قصيدة وأقسمت باغلظ الأيمان أنها سوف لن تتخلى عنه مهما طال الزمن.. حينها فتحت باب سيارتها السبورت وأدارت محركها بعد أن استقرت خلف المقود وأغلقت زجاج النوافذ ملوحة له بيدها بتصابٍ وقلق.. لمح ساعدها وهي تلوح له كقمر في ليل من ليالي تموز الصافية.. تلعثم لم يعد يتذكر ما أجاب حينها تابع سيرة بإصرار البدوي الساذج رغم ما أشيع عن ذكائه..
شيعها وهي في طرقات الجامعة الملتوية حتى البوابة الخارجية لتذوب وسط الزحام.. مشى بتعثر نحو السكن الذي عاش فيه سنواته الأربع ليعيد القميص والسروال الذي استعارهما من غافل وحزم حقائبه ليركب أول سيارة أجرة نحو محطة القطار.

ها هي عجلة الزمن تدور ببطئ وثقل.. وغيداء لا زالت تسكن ذاكرته الخربة عوى ابن آوى عن بعد.. تراجع إلى الخلف قليلاً أسند ظهره إلى شجرة اليوكالبتوس المعمرة..

استذكر انه تجاوز أحد طقوسه.. فلم ينجح لهذا العام ليشيع البوابة التي شيعت غيداء.. منذ اعتاد طول عشرين عاماً خلت أن يشد الرحال ليقف بنفس اليوم والساعة على البوابة.. ترنح قليلاً لكنه أدرك في النهاية فضل محاولته للوصول إلى أعماق الذات. أفاق من تداعياته بصعوبة فوجد نفسه مكوراً فوق سرير المستشفى المطاطي المتسخ.


عزيز الفياض