الديمقراطية.. منظومة قيم أم نظام حكم؟ [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الديمقراطية.. منظومة قيم أم نظام حكم؟


Bestout
05-02-2006, 03:24
رغم أن العلمانية بمختلف تياراتها وأحزابها لم تعرف في البلدان العربية والإسلامية عموماً إلا أنظمة حكم استبدادية، ما زال فريق من دعاتها يمكن اعتباره (علمانياً أصولياً)، يلصق تهمة (الاستبداد) بالإسلاميين، ويزعم أنهم مهما قالوا فلن يكونوا ديمقراطيين أبداً، فهم يخادعون، وإن وصلوا إلى السلطة سيمارسون الاستبداد قطعاً.

ومنطقيا تبدو هذه المقولات فجة لا تحتاج إلى بحث وبيان، وإلا بدأت المزايدات وقيل إنّ التجربة العملية -الأقوى دلالة- تضع العلمانيين في قفص الاتهام، والحجة ثابتة على الأقل على من مارس الاستبداد منهم بصورة مباشرة، ليس في تجربة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، بل في جميع حالات وصولهم إلى السلطة، في جميع البلدان العربية والإسلامية، وعلى امتداد عدة أجيال متعاقبة.

وفي حالة القبول بقول مفكرين علمانيين إن أصحاب السلطة المستبدين لم ينطلقوا من (العلمانية الحقة) يفترض إذن الإقرار بضعف الاستشهاد بأقوال ما (وليس ممارسات عبر سلطة الدولة) صادرة عن (إسلاميين) يمكن القول أيضا إنهم لم ينطلقوا من (الإسلام الحق)، لا سيما أن نسبة عالية من الإسلاميين أصبحوا يدعون إلى الديمقراطية من منطلق انها نظام للحكم، فيه الكثير مما يتفق مع الشورى فلا يوجد تعارض (جذري) بينه وبين الإسلام.

لقد تجدد الحديث عن هذه الإشكالية في الوقت الحاضر، مع تجدد الحديث عن نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية، بغض النظر عن خواء قول من ينادي بذلك من منطلق فرض الهيمنة الصهيونية الأميركية، مقابل من يتحدث عن الإصلاح باتجاه ديمقراطي.

ولكن سواء في الجولات الفكرية والإعلامية القديمة أيام (العهد الذهبي) للقومية والاشتراكية، أم في الجولات الحالية الساخنة في ظل مرحلة متقدمة من مساعي هيمنة (إمبراطورية أميركية عالمية) يبقى ثابتاً أن طرح موضوع (الديمقراطية) وعلاقتها بالإسلام على وجه التحديد، كان وما يزال موضع (تمويه) ربما غير مقصود في بعض الأحيان، ولكنه متعمد في أغلب الأحوال.

الخلاف على القيم

إن الأنظمة الغربية التي يستشهد بها كلما دار الحديث عن الديمقراطية تقوم حياة وحكما على منظومة القيم الغربية ونظام الحكم الديمقراطي معا، وهنا يجب تثبيت أمرين اثنين:

1-(منظومة القيم) في الغرب مختلفة اختلافا كبيرا في الجذور والتفاصيل نظرياً وتطبيقياً عن (منظومة القيم) في الإسلام.

2- تطبيقات (نظام الحكم) في الغرب وفق النهج الديمقراطي، قريبة للغاية من (نظام الحكم) الذي يدعو إليه الإسلام، وإن اختلفت الضوابط الضرورية كي لا يشذ الواقع بعيدا عن النظرية كما هو الحال في الغرب حاليا.
إن نقطة الخلاف الحقيقي هي في ميدان القيم وليس في نظام الحكم، فعندما يرفض مفكر إسلامي قديما أو حديثا (الديمقراطية الغربية) فهو يرفض (منظومة القيم) القائمة عليها واللاصقة بها في الغرب، ولا يرفض فصل السلطات، فهو مما قرره الإسلام، ولا محاسبة السلطة، ولا استقلال القضاء وسيادة القانون، ولا الرجوع المنظم إلى إرادة الشعب، فجميع ذلك مما قرره الإسلام.. ولا يرفض أسلوبا فنيا تنفيذيا للتعبير عن إرادة الأغلبية، في استفتاء أو انتخاب وفق ضوابط قانونية مشروعة، ففي الهياكل التنظيمية والتسميات فسحة كبيرة تركها الإسلام، وكونها كذلك يعني أن عدم تحديدها جزء من تشريع الإسلام.
وبالمقابل عندما يعود مفكر علماني إلى (الديمقراطية الغربية) حقيقة أو ادعاء، قديماً أو حديثاً، فقد كان ولا يزال يدعو -للأسف- إلى ما هو أبعد من (نظام أو نهج للحكم)، فالمطلوب عنده هو الأخذ بمنظومة القيم الغربية، على صعيد الفرد وتربيته، والأسرة وموقعها الاجتماعي، والأخلاق وإخضاعها للأغراض المادية، وغير ذلك مما لا يمكن القبول به إسلامياً.

وليس الإسلاميون أو المجتمع الإسلامي في هذا الرفض (متنطعين)، أم هل نتصور أهل الغرب على استعداد للقبول بأخذ القيم الإسلامية وتطبيقها -دون التخلي عن النظام الديمقراطي نفسه- بدلاً مما يعتبرونه قيمهم هم؟.

إن الخلط الكبير، قصدا أو دون قصد، بين تنظيم شؤون الحكم بمعنى الطريقة الأفضل لتحقيق الغرض منه ومنظومة القيم، هو الذي يحول كل حوار إلى ما يوصف بحوار الطرشان بعيداً عن جوهر الحوار.
تعدد القيم ومخاطر انحرافها
الغربيون يستشهدون في دعوتهم لنظام الحكم الديمقراطي بأنه النظام الوحيد الذي وجد التطبيق بصورة أفضل من سواه -كما يقولون- في مجتمعات مختلفة، ويعني الاختلاف هنا وجود فروق ما على صعيد القيم بين تلك المجتمعات. وهذا مما يبين مجانبةَ الصواب عند من يريد أن يفرض على المسلمين بالذات النظام الديمقراطي ومنظومة القيم الغربية معاً.

فالاختلاف المشار إليه دليل على قابلية الفصل بين القيم والنظام، ويعززه الواقع بمزيد من الأدلة، فليس ما يسري من القيم في الولايات المتحدة الأميركية كالذي يسري في اليابان، رغم وجوه التشابه في بعض أساليب الحياة اليومية، أو في الهند التي يصفونها بأكبر ديمقراطيات العالم باعتبار عدد السكان، أو حتى في دول متحالفة سياسياً متقاربة جغرافيا، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.. ناهيك عن الاختلاف القائم أيضاً في هياكل الأنظمة القائمة باسم الديمقراطية.

ومن وجوه الخطر أن منظومة القيم في الغرب باتت -مع تطور الفكر الغربي - منظومة (تُصنع صنعاً) ولا تقوم على ثوابت، فما كان صالحاً بالأمس بات طالحا اليوم، والعكس صحيح، وقد يتبدل وضعه غدا، وذاك ما يفسر مثلاً النقلة النوعية الكبيرة على صعيد موقع الأسرة والعلاقات الجنسية في العلاقات الاجتماعية، الذي أدى في هذه الأثناء إلى عواقب واسعة النطاق، إذا قورن الوضع قبل جيل أو جيلين مع ما أصبحت عليه الأوضاع الاجتماعية في الغرب حالياً


نبيل شبيب