Bestout
03-02-2006, 03:53
لا شك أن السواد الأعظم من الشعوب العربية كفر بحكامه وأنظمته الحاكمة، ولو جرت استفتاءات أو انتخابات حقيقية لفاز معظم الزعماء العرب بتسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين بالمئة تحت الصفر من أصوات الناخبين. لقد أصبحت أغلبية الحكام العرب في نظر الشعوب رموزاً للهوان والعجز والاستبداد والديكتاتورية والتخلف والجمود والفساد والسقوط والتفسخ بعد أن أوصلوا أوطانهم إلى الحضيض سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وحتى أخلاقياً وجعلوا دولهم في مؤخرة الأمم. قلما تجد زعيماً عربياً هذه الأيام ترنو عيون الشعوب إليه، فحسبُ زعمائنا الآن النجاة بجلودهم من السخرية والتهكم والتقريع واللعنات، فقد أصبح من المستحيل أن تجد ولو إطراء بسيطاً حقيقياً على حاكم عربي إلا طبعاً في صحف الحكام وجرائدهم وإذاعاتهم وتلفزيوناتهم المختصة في تزوير وتزييف كل شئ حتى درجات الحرارة. ولم يعد النظر شزراً إلى الأنظمة الحاكمة مقتصراً على المثقفين والمفكرين والعارفين ببواطن الأمور بل امتد إلى كل فرد من أفراد المجتمع مهما تدنى مستواه العلمي أو الثقافي. لم تعد حكوماتنا قادرة على إخفاء عاهاتها وسوءاتها وقبحها مهما استخدمت من مساحيق وألوان تجميلية. لقد غدت مكشوفة للجميع. وبالتالي إذا سألت مواطناً أو صحفياً عربياً عن زعيمه المفضل فإنه سيذكر دون أي تردد زعيماً أجنبياً. وفيما يلي الدليل.
قبل أن أجري لقاء خاصاً مع الرئيس الفنزويلي قبل أيام بدأت بتجميع مادة عن الرجل من الصحف والمجلات والانترنت كي تساعدني في توجيه الأسئلة إليه. وتمكنت في النهاية من تكديس عشرات المقالات والدراسات والبحوث عن الرئيس الفنزويلي. لكنني لم أجد في كل تلك المواد ضالتي المنشودة أو ما يشفي غليلي. فقد كنت أبحث عن انتقادات لاذعة كي استخدمها ضده في المقابلة خاصة وأن الصحفيين يستهدفون عادة مساوئ الضيف كي يستفزوه ويستنبطوا منه أجوبة قوية. لكن المفاجأة أنني لم أستطع أن أضع سؤالاً قوياً واحداً يمكن أن استفز به الرئيس شافيز إلا بصعوبة. فكل المقالات التي جمعتها عنه كانت تبجل الرجل وتثني على سياساته ومواقفه المشرفة ورجولته النادرة. ولو استخدمنا تلك المقالات كمعيار للتصويت على أداء الرئيس الفنزويلي فإن شافيز كان سيحصل على مائة بالمائة حقيقية من أصوات الذين كتبوها.
لكنني لم أكتف بالمادة الصحفية التي جمعتها عن شافيز خوفاً من أن تكون أحادية الجانب، فبدأت أجري اتصالات مع بعض العرب الذين أعرفهم في فنزويلا فجاءت الردود أكثر تحمساً للرئيس وسياساته. وقد بدا أحد المغتربين العرب هناك متحمساً للغاية لشافيز كما لو كان الرئيس بطلاً عربياً إذ راح يمتدح مواقفه العظيمة تجاه القضايا العربية. واللافت للنظر أن الثناء العربي كان على سياساته الخارجية والداخلية على حد سواء على عكس بعض حكامنا الذين كانوا يتفاخرون ببعض الإنجازات الهزيلة جداً على صعيد السياسة الخارجية ويصدعون رؤوسنا في وسائل إعلامهم بتلك الإنجازات المزعومة بينما كل سياساتهم الداخلية لم تحقق إلا الخراب والدمار لشعوبهم.
لقد توجهت للقاء شافيز وأنا مليء بالإعجاب والتقدير لذلك الرجل مع أنه من المفترض أن أكون، كصحفي، متحفزاً لمواجهته بقوة وإحراجه إذا تطلب الأمر كي أحصل منه على أجوبة قوية. لكنني لم أجد ما يحفزني كي أتحداه. كيف بإمكانك أن تهاجم شافيز الذي يذكرك بأبطال التاريخ الصالحين الذين نذروا أنفسهم لنصرة الفقراء والمسحوقين؟ فقد أطلق خططاً طموحة لمكافحة الأمية التي حرر منها أكثر من مليون شخص. كما وفر آلاف المدارس الجديدة، لا بل إنه عمل على توفير الطعام الرخيص للملايين ونشر الخدمات الصحية في الريف بمساعدة عشرة آلاف طبيب كوبي إضافة إلى تحويل العديد من مباني شركات النفط إلى جامعة للفقراء وإقامة قناة فضائية ثقافية لمقارعة الإعلام الأميركي الاستهلاكي التجاري في كل أنحاء أميركا اللاتينية. إنه اشتراكي بقلب مؤمن كما وصفه كاسترو. ليس هناك أدنى شك بأن الرجل يحمل في داخله بعضاً من صفات المخلـّص بمعناه الديني. لا عجب أن تراه يحمل الصليب في جيبه أينما ذهب. كما يحمل أيضاً الدستور الفنزويلي هذا في الوقت الذي أصبحت فيه دساتيرنا العربية في بطن الحمار كما قال دريد لحام ذات مرة.
لم يرفع شافيز شعارات الحرية والاشتراكية للضحك على ذقون الجماهير بل كانت أقواله متطابقة تماماً مع أفعاله على عكس بعض أنظمتنا التي رفعت شعار الاشتراكية والحرية بينما كانت تمارس أبشع أنواع الاستغلال والرأسمالية وقمع أبسط الحريات بحجة مواجهة الأعداء. والأجمل من كل ذلك أن شافيز لم يقايض الانجازات الاقتصادية العظيمة التي حققها لشعبه بقوانين طوارئ أو تكميم للأفواه أو دوس للكرامات كما فعلت وتفعل بعض حكوماتنا التي لم تقدم لنا سوى الشعارات الفارغة من أي مضمون حقيقي فبصقت عليها شعوبها وتمنت لو يجرفها الشيطان فما بالك بالأميركان. إن إنجازات شافيز على الصعيد الشعبي تجعلك تذرف الدموع فرحاً بوجود زعماء أتقياء خيرين طيبين صادقين في هذا العالم المتوحش. إنه روبن هود لاتيني بجدارة.
لقد بنى شافيز سياساته الاقتصادية على انتزاع جزء من ثروات الأغنياء الفاحشين وتحويلها إلى المعدمين خاصة وأنه جاء إلى حكم بلد يتحكم بثرواته أقل من عشرة بالمائة من السكان بينما يرزح السواد الأعظم من الشعب في فقر مدقع بالرغم من أن فنزويلا تمتلك أكثر من ألف وخمسين نهراً وتعتبر خامس أكبر منتج للنفط في العالم. وبينما يتصدق بعض الحكام العرب (النفطيين) بالفتات لمدن الصفيح والأحياء المعدمة في بلادهم ذهب شافيز إلى حد تأميم شركات النفط الفنزويلية كي تكون في خدمة الأكثرية وهي خطوة جبارة في هذا الوقت تذكرنا بتأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس. لا عجب أن ثارت ثائرة أميركا وعملائها في فنزويلا على شافيز وحاولوا التخلص منه بشتى الطرق. لكن سواعد ملايين الفقراء الذين انتشلهم شافيز من قاع الفقر أعادوه إلى السلطة خلال ثمان وأربعين ساعة بعد الانقلاب الفاشل الذي رعته الاستخبارات الأميركية الشهيرة وكنسوا الانقلابيين كما نكنس القاذورات. لكن الجميل في الأمر أن تشافيز لم يضعهم في السجون ولم يطردهم خارج البلاد ولم يمح ذريتهم عن وجه البسيطة ولم يغلق تلفزيوناتهم وجرائدهم الكثيرة بل تسامح معهم ومازالوا يهاجمونه في وسائل إعلامهم. هل كانت الشعوب العربية ستحرك ساكناً لو تم إسقاط حكوماتها، أم أنها سترقص في الشوارع فرحاً بنفوقها؟ كم ذكرتني أفعال شافيز الطيبة بالحكايا التي كانت تقصها لنا جدتي وأمي في الصغر عن الأولياء الصالحين الذين جاءوا لإصلاح هذا العالم وتخليصه من الأشرار!
ومما يزيد المرء إعجاباً بشافيز أن سياساته الخارجية كانت صدى لسياساته الداخلية الشجاعة، فهو يعلن على الملأ أنه ضد العولمة والليبرالية المتوحشة وأن ما يسمى قطار العولمة لن يجتاح العالم كما تروج أميركا وأذنابها بل إن بخاره نفد قبل أن ينطلق. ويدلل شافيز على ذلك بالفشل الذريع لسياسات العولمة في أكبر بلدين في أميركا اللاتينية وهما الأرجنتين والبرازيل فضلاً عن فنزويلا وكوبا وهي دول واقعة في الحديقة الخلفية لقائدة العولمة أميركا. وقد جاءت سياساته الاشتراكية المغمسة بالديمقراطية الحقيقية تأكيداً جلياً على تحديه الصارخ لليبرالية المتوحشة. ولم تتوقف سياسات شافيز النادرة عند فنزويلا بل بدأت تمتد إلى أنحاء أخرى من أميركا اللاتينية، فهو يشكل الآن بالتعاون مع كوبا والبرازيل نواة وحدة لاتينية قد تصبح مضرباً للأمثال.
إن الإعجاب العربي الكبير بالرئيس الفنزويلي، كما أسلفت، ليس مرده إلى سياساته الداخلية الجريئة فحسب بل يعود أيضاً إلى دعمه الرائع للقضايا العربية إلى حد أن أحد العرب في فنزويلا قال لي بالحرف الواحد: (إن مواقف شافيز من قضايانا فيها من الشهامة والمروءة أكثر مما لدى الكثير من الزعماء العرب. إنه أكثر عروبة وحمية وشرفاً من معظم قادتنا)، فهو الزعيم الذي استدعى السفير الأميركي واحتج بشدة على غزو أفغانستان، وهو الذي زار العراق في عز الحصار متحدياً الضغط الأميركي والحظر الجوي الرهيب بينما لم يتجرأ أي زعيم عربي أو حتى الأمين العام للجامعة العربية السابق على زيارة العراق سراً أو مجرد التضامن مع محنة الشعب العراقي وذلك خوفاً من السوط الأميركي أوالكويتي. وعندما غزت أميركا العراق لم يتردد التلفزيون الفنزويلي في عرض مشاهد الهمجية الأميركية في العراق وإدانتها بأقوى العبارات بينما لم يجرؤ أي تلفزيون عربي رسمي أن يعرضها، لا بل إن شافيز وصف الاحتلال الأميركي للعراق بأنه (الإرهاب بعينه) بينما كان يتفرج الزعماء العرب على ذبح الفلوجة وتسويتها بالأرض. وعندما تجاسر أحد وزراء الخارجية العرب على التعليق على ما يحدث في الفلوجة قال بالحرف الواحد: (نأمل ألا يُصاب المدنيون بأذى) وهو يعلم أن آلة القتل والدمار الأميركية حولت الآلاف منهم إلى أشلاء مبعثرة.
أين الزعيم العربي الذي يمكن أن يتماهى معه الشعب العربي كما يتماهى مع شافيز؟ كيف يشعر الزعماء العرب وهم ينظرون إلى هذا القائد الذي ترنو إليه أفئدة شعوبهم وأبصارها؟ لماذا لا يتعلمون كيف التحم شافيز بشعبه واستقوى به على الأعداء ولم يستقو بالأعداء عليه كما يفعل معظم حكامنا فحماه ذلك الشعب وقت الشدة؟ لماذا لم نعد قادرين على إنجاب حكام يمكن لنا أن نتماهى معهم؟ لماذا أصبح القائد البطل الذي نجله ونبجله من خارج الوطن العربي؟ ألا تستورد حكوماتنا من الخارج حتى الفول والحمص والفلافل والطعمية فضلاً عن معظم احتياجاتنا الأساسية، فهل فكرت يوماً باستيراد بعض الحمية والوطنية؟
اليس حرياً بها أن تطلب الشهامة والعزة والكرامة ولو في فنزويلا؟
د. فيصل القاسم
قبل أن أجري لقاء خاصاً مع الرئيس الفنزويلي قبل أيام بدأت بتجميع مادة عن الرجل من الصحف والمجلات والانترنت كي تساعدني في توجيه الأسئلة إليه. وتمكنت في النهاية من تكديس عشرات المقالات والدراسات والبحوث عن الرئيس الفنزويلي. لكنني لم أجد في كل تلك المواد ضالتي المنشودة أو ما يشفي غليلي. فقد كنت أبحث عن انتقادات لاذعة كي استخدمها ضده في المقابلة خاصة وأن الصحفيين يستهدفون عادة مساوئ الضيف كي يستفزوه ويستنبطوا منه أجوبة قوية. لكن المفاجأة أنني لم أستطع أن أضع سؤالاً قوياً واحداً يمكن أن استفز به الرئيس شافيز إلا بصعوبة. فكل المقالات التي جمعتها عنه كانت تبجل الرجل وتثني على سياساته ومواقفه المشرفة ورجولته النادرة. ولو استخدمنا تلك المقالات كمعيار للتصويت على أداء الرئيس الفنزويلي فإن شافيز كان سيحصل على مائة بالمائة حقيقية من أصوات الذين كتبوها.
لكنني لم أكتف بالمادة الصحفية التي جمعتها عن شافيز خوفاً من أن تكون أحادية الجانب، فبدأت أجري اتصالات مع بعض العرب الذين أعرفهم في فنزويلا فجاءت الردود أكثر تحمساً للرئيس وسياساته. وقد بدا أحد المغتربين العرب هناك متحمساً للغاية لشافيز كما لو كان الرئيس بطلاً عربياً إذ راح يمتدح مواقفه العظيمة تجاه القضايا العربية. واللافت للنظر أن الثناء العربي كان على سياساته الخارجية والداخلية على حد سواء على عكس بعض حكامنا الذين كانوا يتفاخرون ببعض الإنجازات الهزيلة جداً على صعيد السياسة الخارجية ويصدعون رؤوسنا في وسائل إعلامهم بتلك الإنجازات المزعومة بينما كل سياساتهم الداخلية لم تحقق إلا الخراب والدمار لشعوبهم.
لقد توجهت للقاء شافيز وأنا مليء بالإعجاب والتقدير لذلك الرجل مع أنه من المفترض أن أكون، كصحفي، متحفزاً لمواجهته بقوة وإحراجه إذا تطلب الأمر كي أحصل منه على أجوبة قوية. لكنني لم أجد ما يحفزني كي أتحداه. كيف بإمكانك أن تهاجم شافيز الذي يذكرك بأبطال التاريخ الصالحين الذين نذروا أنفسهم لنصرة الفقراء والمسحوقين؟ فقد أطلق خططاً طموحة لمكافحة الأمية التي حرر منها أكثر من مليون شخص. كما وفر آلاف المدارس الجديدة، لا بل إنه عمل على توفير الطعام الرخيص للملايين ونشر الخدمات الصحية في الريف بمساعدة عشرة آلاف طبيب كوبي إضافة إلى تحويل العديد من مباني شركات النفط إلى جامعة للفقراء وإقامة قناة فضائية ثقافية لمقارعة الإعلام الأميركي الاستهلاكي التجاري في كل أنحاء أميركا اللاتينية. إنه اشتراكي بقلب مؤمن كما وصفه كاسترو. ليس هناك أدنى شك بأن الرجل يحمل في داخله بعضاً من صفات المخلـّص بمعناه الديني. لا عجب أن تراه يحمل الصليب في جيبه أينما ذهب. كما يحمل أيضاً الدستور الفنزويلي هذا في الوقت الذي أصبحت فيه دساتيرنا العربية في بطن الحمار كما قال دريد لحام ذات مرة.
لم يرفع شافيز شعارات الحرية والاشتراكية للضحك على ذقون الجماهير بل كانت أقواله متطابقة تماماً مع أفعاله على عكس بعض أنظمتنا التي رفعت شعار الاشتراكية والحرية بينما كانت تمارس أبشع أنواع الاستغلال والرأسمالية وقمع أبسط الحريات بحجة مواجهة الأعداء. والأجمل من كل ذلك أن شافيز لم يقايض الانجازات الاقتصادية العظيمة التي حققها لشعبه بقوانين طوارئ أو تكميم للأفواه أو دوس للكرامات كما فعلت وتفعل بعض حكوماتنا التي لم تقدم لنا سوى الشعارات الفارغة من أي مضمون حقيقي فبصقت عليها شعوبها وتمنت لو يجرفها الشيطان فما بالك بالأميركان. إن إنجازات شافيز على الصعيد الشعبي تجعلك تذرف الدموع فرحاً بوجود زعماء أتقياء خيرين طيبين صادقين في هذا العالم المتوحش. إنه روبن هود لاتيني بجدارة.
لقد بنى شافيز سياساته الاقتصادية على انتزاع جزء من ثروات الأغنياء الفاحشين وتحويلها إلى المعدمين خاصة وأنه جاء إلى حكم بلد يتحكم بثرواته أقل من عشرة بالمائة من السكان بينما يرزح السواد الأعظم من الشعب في فقر مدقع بالرغم من أن فنزويلا تمتلك أكثر من ألف وخمسين نهراً وتعتبر خامس أكبر منتج للنفط في العالم. وبينما يتصدق بعض الحكام العرب (النفطيين) بالفتات لمدن الصفيح والأحياء المعدمة في بلادهم ذهب شافيز إلى حد تأميم شركات النفط الفنزويلية كي تكون في خدمة الأكثرية وهي خطوة جبارة في هذا الوقت تذكرنا بتأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس. لا عجب أن ثارت ثائرة أميركا وعملائها في فنزويلا على شافيز وحاولوا التخلص منه بشتى الطرق. لكن سواعد ملايين الفقراء الذين انتشلهم شافيز من قاع الفقر أعادوه إلى السلطة خلال ثمان وأربعين ساعة بعد الانقلاب الفاشل الذي رعته الاستخبارات الأميركية الشهيرة وكنسوا الانقلابيين كما نكنس القاذورات. لكن الجميل في الأمر أن تشافيز لم يضعهم في السجون ولم يطردهم خارج البلاد ولم يمح ذريتهم عن وجه البسيطة ولم يغلق تلفزيوناتهم وجرائدهم الكثيرة بل تسامح معهم ومازالوا يهاجمونه في وسائل إعلامهم. هل كانت الشعوب العربية ستحرك ساكناً لو تم إسقاط حكوماتها، أم أنها سترقص في الشوارع فرحاً بنفوقها؟ كم ذكرتني أفعال شافيز الطيبة بالحكايا التي كانت تقصها لنا جدتي وأمي في الصغر عن الأولياء الصالحين الذين جاءوا لإصلاح هذا العالم وتخليصه من الأشرار!
ومما يزيد المرء إعجاباً بشافيز أن سياساته الخارجية كانت صدى لسياساته الداخلية الشجاعة، فهو يعلن على الملأ أنه ضد العولمة والليبرالية المتوحشة وأن ما يسمى قطار العولمة لن يجتاح العالم كما تروج أميركا وأذنابها بل إن بخاره نفد قبل أن ينطلق. ويدلل شافيز على ذلك بالفشل الذريع لسياسات العولمة في أكبر بلدين في أميركا اللاتينية وهما الأرجنتين والبرازيل فضلاً عن فنزويلا وكوبا وهي دول واقعة في الحديقة الخلفية لقائدة العولمة أميركا. وقد جاءت سياساته الاشتراكية المغمسة بالديمقراطية الحقيقية تأكيداً جلياً على تحديه الصارخ لليبرالية المتوحشة. ولم تتوقف سياسات شافيز النادرة عند فنزويلا بل بدأت تمتد إلى أنحاء أخرى من أميركا اللاتينية، فهو يشكل الآن بالتعاون مع كوبا والبرازيل نواة وحدة لاتينية قد تصبح مضرباً للأمثال.
إن الإعجاب العربي الكبير بالرئيس الفنزويلي، كما أسلفت، ليس مرده إلى سياساته الداخلية الجريئة فحسب بل يعود أيضاً إلى دعمه الرائع للقضايا العربية إلى حد أن أحد العرب في فنزويلا قال لي بالحرف الواحد: (إن مواقف شافيز من قضايانا فيها من الشهامة والمروءة أكثر مما لدى الكثير من الزعماء العرب. إنه أكثر عروبة وحمية وشرفاً من معظم قادتنا)، فهو الزعيم الذي استدعى السفير الأميركي واحتج بشدة على غزو أفغانستان، وهو الذي زار العراق في عز الحصار متحدياً الضغط الأميركي والحظر الجوي الرهيب بينما لم يتجرأ أي زعيم عربي أو حتى الأمين العام للجامعة العربية السابق على زيارة العراق سراً أو مجرد التضامن مع محنة الشعب العراقي وذلك خوفاً من السوط الأميركي أوالكويتي. وعندما غزت أميركا العراق لم يتردد التلفزيون الفنزويلي في عرض مشاهد الهمجية الأميركية في العراق وإدانتها بأقوى العبارات بينما لم يجرؤ أي تلفزيون عربي رسمي أن يعرضها، لا بل إن شافيز وصف الاحتلال الأميركي للعراق بأنه (الإرهاب بعينه) بينما كان يتفرج الزعماء العرب على ذبح الفلوجة وتسويتها بالأرض. وعندما تجاسر أحد وزراء الخارجية العرب على التعليق على ما يحدث في الفلوجة قال بالحرف الواحد: (نأمل ألا يُصاب المدنيون بأذى) وهو يعلم أن آلة القتل والدمار الأميركية حولت الآلاف منهم إلى أشلاء مبعثرة.
أين الزعيم العربي الذي يمكن أن يتماهى معه الشعب العربي كما يتماهى مع شافيز؟ كيف يشعر الزعماء العرب وهم ينظرون إلى هذا القائد الذي ترنو إليه أفئدة شعوبهم وأبصارها؟ لماذا لا يتعلمون كيف التحم شافيز بشعبه واستقوى به على الأعداء ولم يستقو بالأعداء عليه كما يفعل معظم حكامنا فحماه ذلك الشعب وقت الشدة؟ لماذا لم نعد قادرين على إنجاب حكام يمكن لنا أن نتماهى معهم؟ لماذا أصبح القائد البطل الذي نجله ونبجله من خارج الوطن العربي؟ ألا تستورد حكوماتنا من الخارج حتى الفول والحمص والفلافل والطعمية فضلاً عن معظم احتياجاتنا الأساسية، فهل فكرت يوماً باستيراد بعض الحمية والوطنية؟
اليس حرياً بها أن تطلب الشهامة والعزة والكرامة ولو في فنزويلا؟
د. فيصل القاسم