lucifer
15-01-2006, 00:16
(( ليلة آخر يوم من العام المنصرم كانت ليلة مشهودة بالنسبة لي، منذ التاسعة مساء بدأ هاتفي الجوال في تلقي الرسائل القصيرة من أصدقاء لا أعرف لهم توجهاً سياسياً ولا اهتماماً بالسياسة، وبعضهم ليسوا من السوريين، كلها تطالبني بمشاهدة (العربية) في العاشرة مساء،
ولم أستطع ذلك لانشغالي، لكنني استمتعت بمشاهدة آخر ثلث ساعة من لقاء سيادة نائب رئيس الجمهورية خلال السنوات العشرين –وزيادة - الماضية، وأسعدني الحظ بمشاهدة طلته البهية لمدة تجاوزت العشرين دقيقة متواصلة – وهو الذي لم يحظ بظهور مباشر لأكثر من خمس دقائق خلال حياة القائد الخالد – وسمعته يتكلم بنغمة أقرب إلى التنويم المغناطيسي منها للحوار.
قال خدام ما قاله، ولم أسمعه كله لحسن الحظ، كما أنني لم أفاجأ بالجزء الذي سمعته، فمنذ سنوات طويلة تولدت لدي قناعة يستحيل أن تتزعزع بأن القابعين في قمة هرم السلطة غارقون في الفساد حتى أعناقهم، وهم ما اختاروا هذا الطريق (الالتزام البعثي أكثر من مؤسس البعث نفسه) إلا دفاعاً عن مصالح خاصة، وبالتالي فمن المفهوم أن يتم التحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين دون إحساس بالخجل (هذا الشعور البدائي المتخلف الذي لا يزال بعض الناس يحسون به في بلادنا) وفقاً لتغير المصالح، وحسب القاعدة البحرية الشهيرة التي تقول (الفئران تترك السفينة الغارقة).
وكما أن كلام السيد خدام لم يكن مفاجأة، جاءت الخطابات النارية لممثلينا الأعزاء في مجلس الشعب الموقر، مماشية لقناعات المراقبين حول الخطاب البعثي المتكلس الذي بقي كما هو طول سنوات (النضال الثوري)، جامداً متمحوراً حول اتهام معارضيه بالعمالة والخيانة والفساد، مغلفة بسيل من الشتائم تليق بتجار مخدرات وخريجي سجون أكثر مما تليق بممثلي شعب.. أي شعب.
إشارات من السلطة لا من خدام
إلا أن مفاجأة النظام بما فعله خدام والذهول الذي رأيناه جميعاً في مستويات السلطة المتعددة، إشارة أخرى إلى مدى الانحطاط الذي وصل إليه مستوى العمل الاستخباراتي في سورية، فبينما تواجه البلاد أقوى خطر تتعرض له على الإطلاق، وبوجود حالة (مفترضة) من الاستنفار ضد أعداء الوطن، أو أعداء النظام على الأقل، ينشغل ضباط المخابرات – على اختلاف مراتبهم وأجهزتهم التي لا نعرف عددها – في مطاردة ناشطي المجتمع المدني، وأد أي محاولات لإحياء روح المبادرة في شعب يكاد يموت، وابتزاز المواطنين العائدين من خارج البلاد مهما بلغت درجات فقرهم، وأخيراً.. تهريب ثرواتهم التي جنوها من دماء التعذيب. انشغالهم هذا أعماهم عن أن خدام قام ببيع أملاكه وغادر وحيداً إلى باريس ثم لحقت به عائلته، وإذا افترضنا أنهم لم يملكوا ما يفعلوه معه، أو أنه اعتمد على موالين له – أو لنقوده، لا فرق – في ترتيب مغادرته، فكان من الأولى أن تعرف الأجهزة الأمنية المنتشرة كالسرطان في بلادنا أنه ينوي (الخيانة)، وبالتالي يكون الاستعداد بردة فعل تختلف قليلاً عن هذا المهرجان من الشتائم الذي أضحك علينا العالم .. ولا يزال.
قوي أم ضعيف؟
بعد أن انتهت جوقة (السباب الوطني) وعاد أعضاء مجلس الشعب الموقرين إلى سباتهم (أو ثرواتهم)، بدأت الردود الأكثر نضجاً، والتي يفترض أنها مخططة ومعدة بعناية في الظهور على الساحة.
السيد عبد القادر قدورة، رئيس مجلس الشعب الذي زامل خدام في أروقة الحزب منذ الخمسينات، تحسر على النهاية المحزنة، والحديث المشؤوم الذي أدلى به رفيق دربه، وأكد أن الخائن المارق كذاب أشر، يظهر أنه كان يدعو إلى الإصلاح ويدعي حرصه على الديمقراطية، بينما كان السبب الرئيسي لوأد ربيع دمشق وضد أي تحرك للإصلاح في البلد، مما أعطى إيحاء بأن الخائن كان يطبق على البلد بقبضة حديدية، بينما الحمائم التي تطير وادعة مسالمة بين أجهزة الاستخبارات على أنواعها كانت تخشى سطوته ولا تجرؤ على عصيانه، لذلك اقترح أحد أعضاء مجلس الشعب (في الحلقة الثانية من مسلسل البراءة) أن يصدر مرسوم بالعفو عن معتقلي ربيع دمشق بعد زوال سبب اعتقالهم، والمعارض القوي للإصلاح الذي كان يخنق البلد، أي (المدعو) عبد الحليم خدام.
طيب.. صدقنا وآمنا، لكن في نفس المقابلة يبرر قدورة انقلاب خدام على أسياده بأنه أصبح يشعر بالتهميش وابتعاده عن دائرة صنع القرار، ولذلك تقدم باستقالته من الدولة والحزب.
يعني لم يكن يطبق على البلد بقبضة حديدية؟ لماذا إذاً لم تطلقوا معتقلي ربيع دمشق حتى عند استحقاق سبب قانوني للإطلاق بمضي ثلثي المدة الجائرة أصلاً؟ ولماذا تعتقلون المزيد؟
طبعاً هذا دون التعرض إلى آراء أخرى من جوقة الشتائم بأنه خان بلده نتيجة لإقالته من مناصبه!!
دفاع أم إدانة؟
اللواء الدكتور الأديب المثقف السياسي المفكر بهجت سليمان، الذي كان يتولى كتابة مقالات للصحف اللبنانية (لأن الصحف السورية لا يقرأها حتى من يصدرها) مبشراً بعهد جديد للدولة السورية تحت قيادة الرئيس بشار الأسد، والذي كان (يتحاور) مع المعارضين أثناء ترأسه لأفرع مختلفة من أجهزة المخابرات، طلع علينا بسبب جديد لنحتقر عبد الحليم خدام، ونعلم أولادنا كيف يقولون له: تفو عليك يا عبدو.. يا ناكر الجميل والإحسان.
فقد صرح سيادة اللواء في اتصال مع تلفزيون المستقبل أن الرئيس بشار كان يعرف بفساد خدام وأولاده منذ زمن بعيد، حتى قبل أن يتسلم السلطة، إلا أنه أبقاه احتراماً لدوره في خدمة والده الراحل.
لنحاول أن نفهم هذه الفقرة جيداً، الرئيس بشار الأسد يعرف منذ أكثر من خمس سنوات أن عبد الحليم خدام وأولاده سرقوا من قوت الشعب السوري أكثر من مليار دولار (تزيد عن خمسين مليار ليرة)، وبالتأكيد سمع بالشائعات (أكدها الأعضاء الموقرون لاحقاً) التي تقول أن أولاده أدخلوا نفايات نووية إلى البلد ودفنوها في صحراء تدمر وما تسببه هذه النفايات من أخطار على الإنسان السوري والبيئة السورية، ومع ذلك تركه يتمتع بما نهب، ينعم بمنصب نائب الرئيس (لأن المناصب لدينا هبات وليست مسؤوليات)، على أساس أن البلد ملك مطلق للسيد الرئيس ومن حقه أن يترك المجرم اللص (ترقى مؤخراً إلى رتبة خائن) يعيث فيها فساداً مع أولاده بحكم سابقته النضالية مع والده !!
ألا يحق لنا أن نتساءل عن صحة ما يقال من تحديث وتطوير وإصلاح؟ إذا كان الرئيس نفسه يتنازل عن حق الشعب لأسباب شخصية، فكيف نطالب بمحاسبة المفسدين؟ الواضح أن المفسدين الذي ستتم محاسبتهم هم من لا يملكون (ظهراً) يحميهم، وبالتالي هم من صغار الفاسدين الذين يراد بهم ذر الرماد في العيون ليبقى كبار الفاسدين أمثال خدام هانئين بما سرقوه منا.
أمثلة أخرى على تخبط النظام، الذي يصر على سياسات القهر والاستبداد في الداخل، والتنازل وراء التنازل للخارج، مع التمترس وراء الشعب، واستخدام أطفالنا ونسائنا سواتر لحماية كبار الفاسدين الذين سرقونا طوال أربعين سنة من النضال، وسمموا أرضنا بنفاياتهم لمائتي سنة قادمة، لكنهم لا يزالون يمثلون رموزاً لكرامتنا وعزتنا.
وآه يا وطن.))
محمود عكل
نشر على موقع سيريا نيوز... ( غريبة :roll: )
ولم أستطع ذلك لانشغالي، لكنني استمتعت بمشاهدة آخر ثلث ساعة من لقاء سيادة نائب رئيس الجمهورية خلال السنوات العشرين –وزيادة - الماضية، وأسعدني الحظ بمشاهدة طلته البهية لمدة تجاوزت العشرين دقيقة متواصلة – وهو الذي لم يحظ بظهور مباشر لأكثر من خمس دقائق خلال حياة القائد الخالد – وسمعته يتكلم بنغمة أقرب إلى التنويم المغناطيسي منها للحوار.
قال خدام ما قاله، ولم أسمعه كله لحسن الحظ، كما أنني لم أفاجأ بالجزء الذي سمعته، فمنذ سنوات طويلة تولدت لدي قناعة يستحيل أن تتزعزع بأن القابعين في قمة هرم السلطة غارقون في الفساد حتى أعناقهم، وهم ما اختاروا هذا الطريق (الالتزام البعثي أكثر من مؤسس البعث نفسه) إلا دفاعاً عن مصالح خاصة، وبالتالي فمن المفهوم أن يتم التحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين دون إحساس بالخجل (هذا الشعور البدائي المتخلف الذي لا يزال بعض الناس يحسون به في بلادنا) وفقاً لتغير المصالح، وحسب القاعدة البحرية الشهيرة التي تقول (الفئران تترك السفينة الغارقة).
وكما أن كلام السيد خدام لم يكن مفاجأة، جاءت الخطابات النارية لممثلينا الأعزاء في مجلس الشعب الموقر، مماشية لقناعات المراقبين حول الخطاب البعثي المتكلس الذي بقي كما هو طول سنوات (النضال الثوري)، جامداً متمحوراً حول اتهام معارضيه بالعمالة والخيانة والفساد، مغلفة بسيل من الشتائم تليق بتجار مخدرات وخريجي سجون أكثر مما تليق بممثلي شعب.. أي شعب.
إشارات من السلطة لا من خدام
إلا أن مفاجأة النظام بما فعله خدام والذهول الذي رأيناه جميعاً في مستويات السلطة المتعددة، إشارة أخرى إلى مدى الانحطاط الذي وصل إليه مستوى العمل الاستخباراتي في سورية، فبينما تواجه البلاد أقوى خطر تتعرض له على الإطلاق، وبوجود حالة (مفترضة) من الاستنفار ضد أعداء الوطن، أو أعداء النظام على الأقل، ينشغل ضباط المخابرات – على اختلاف مراتبهم وأجهزتهم التي لا نعرف عددها – في مطاردة ناشطي المجتمع المدني، وأد أي محاولات لإحياء روح المبادرة في شعب يكاد يموت، وابتزاز المواطنين العائدين من خارج البلاد مهما بلغت درجات فقرهم، وأخيراً.. تهريب ثرواتهم التي جنوها من دماء التعذيب. انشغالهم هذا أعماهم عن أن خدام قام ببيع أملاكه وغادر وحيداً إلى باريس ثم لحقت به عائلته، وإذا افترضنا أنهم لم يملكوا ما يفعلوه معه، أو أنه اعتمد على موالين له – أو لنقوده، لا فرق – في ترتيب مغادرته، فكان من الأولى أن تعرف الأجهزة الأمنية المنتشرة كالسرطان في بلادنا أنه ينوي (الخيانة)، وبالتالي يكون الاستعداد بردة فعل تختلف قليلاً عن هذا المهرجان من الشتائم الذي أضحك علينا العالم .. ولا يزال.
قوي أم ضعيف؟
بعد أن انتهت جوقة (السباب الوطني) وعاد أعضاء مجلس الشعب الموقرين إلى سباتهم (أو ثرواتهم)، بدأت الردود الأكثر نضجاً، والتي يفترض أنها مخططة ومعدة بعناية في الظهور على الساحة.
السيد عبد القادر قدورة، رئيس مجلس الشعب الذي زامل خدام في أروقة الحزب منذ الخمسينات، تحسر على النهاية المحزنة، والحديث المشؤوم الذي أدلى به رفيق دربه، وأكد أن الخائن المارق كذاب أشر، يظهر أنه كان يدعو إلى الإصلاح ويدعي حرصه على الديمقراطية، بينما كان السبب الرئيسي لوأد ربيع دمشق وضد أي تحرك للإصلاح في البلد، مما أعطى إيحاء بأن الخائن كان يطبق على البلد بقبضة حديدية، بينما الحمائم التي تطير وادعة مسالمة بين أجهزة الاستخبارات على أنواعها كانت تخشى سطوته ولا تجرؤ على عصيانه، لذلك اقترح أحد أعضاء مجلس الشعب (في الحلقة الثانية من مسلسل البراءة) أن يصدر مرسوم بالعفو عن معتقلي ربيع دمشق بعد زوال سبب اعتقالهم، والمعارض القوي للإصلاح الذي كان يخنق البلد، أي (المدعو) عبد الحليم خدام.
طيب.. صدقنا وآمنا، لكن في نفس المقابلة يبرر قدورة انقلاب خدام على أسياده بأنه أصبح يشعر بالتهميش وابتعاده عن دائرة صنع القرار، ولذلك تقدم باستقالته من الدولة والحزب.
يعني لم يكن يطبق على البلد بقبضة حديدية؟ لماذا إذاً لم تطلقوا معتقلي ربيع دمشق حتى عند استحقاق سبب قانوني للإطلاق بمضي ثلثي المدة الجائرة أصلاً؟ ولماذا تعتقلون المزيد؟
طبعاً هذا دون التعرض إلى آراء أخرى من جوقة الشتائم بأنه خان بلده نتيجة لإقالته من مناصبه!!
دفاع أم إدانة؟
اللواء الدكتور الأديب المثقف السياسي المفكر بهجت سليمان، الذي كان يتولى كتابة مقالات للصحف اللبنانية (لأن الصحف السورية لا يقرأها حتى من يصدرها) مبشراً بعهد جديد للدولة السورية تحت قيادة الرئيس بشار الأسد، والذي كان (يتحاور) مع المعارضين أثناء ترأسه لأفرع مختلفة من أجهزة المخابرات، طلع علينا بسبب جديد لنحتقر عبد الحليم خدام، ونعلم أولادنا كيف يقولون له: تفو عليك يا عبدو.. يا ناكر الجميل والإحسان.
فقد صرح سيادة اللواء في اتصال مع تلفزيون المستقبل أن الرئيس بشار كان يعرف بفساد خدام وأولاده منذ زمن بعيد، حتى قبل أن يتسلم السلطة، إلا أنه أبقاه احتراماً لدوره في خدمة والده الراحل.
لنحاول أن نفهم هذه الفقرة جيداً، الرئيس بشار الأسد يعرف منذ أكثر من خمس سنوات أن عبد الحليم خدام وأولاده سرقوا من قوت الشعب السوري أكثر من مليار دولار (تزيد عن خمسين مليار ليرة)، وبالتأكيد سمع بالشائعات (أكدها الأعضاء الموقرون لاحقاً) التي تقول أن أولاده أدخلوا نفايات نووية إلى البلد ودفنوها في صحراء تدمر وما تسببه هذه النفايات من أخطار على الإنسان السوري والبيئة السورية، ومع ذلك تركه يتمتع بما نهب، ينعم بمنصب نائب الرئيس (لأن المناصب لدينا هبات وليست مسؤوليات)، على أساس أن البلد ملك مطلق للسيد الرئيس ومن حقه أن يترك المجرم اللص (ترقى مؤخراً إلى رتبة خائن) يعيث فيها فساداً مع أولاده بحكم سابقته النضالية مع والده !!
ألا يحق لنا أن نتساءل عن صحة ما يقال من تحديث وتطوير وإصلاح؟ إذا كان الرئيس نفسه يتنازل عن حق الشعب لأسباب شخصية، فكيف نطالب بمحاسبة المفسدين؟ الواضح أن المفسدين الذي ستتم محاسبتهم هم من لا يملكون (ظهراً) يحميهم، وبالتالي هم من صغار الفاسدين الذين يراد بهم ذر الرماد في العيون ليبقى كبار الفاسدين أمثال خدام هانئين بما سرقوه منا.
أمثلة أخرى على تخبط النظام، الذي يصر على سياسات القهر والاستبداد في الداخل، والتنازل وراء التنازل للخارج، مع التمترس وراء الشعب، واستخدام أطفالنا ونسائنا سواتر لحماية كبار الفاسدين الذين سرقونا طوال أربعين سنة من النضال، وسمموا أرضنا بنفاياتهم لمائتي سنة قادمة، لكنهم لا يزالون يمثلون رموزاً لكرامتنا وعزتنا.
وآه يا وطن.))
محمود عكل
نشر على موقع سيريا نيوز... ( غريبة :roll: )