Ayman syr
14-11-2005, 02:04
[align=right:254dc60427]وصفت الصحافة الأمريكية وبعض المحللين الأوربيين أعمال الشغب التي هزت الضواحي الفرنسية بأنها ثورة
المهاجرين المسلمين التي تمثل المؤشر على فشل نموذج الاندماج في المجتمع الفرنسي.
ولكن لننظر إلى الأمر عن قرب، بعيدا من مسألة ثورة المجتمع الإسلامي.
أحياء صعبة وجيل ثان:
فالفعل أولا: هو عبارة عن تحرك قام به شباب، وتحديدا الذكور منهم، ولا تتعدى أعمار نصف الذين أوقفوا
الثامنة عشرة. وجمعت أعمال الشغب عصابات تراوح بين 30 و200 عنصر، بحسب المناطق، وفي كلا
الحالين لم يكن سكان الأحياء هم الذين ينزلون إلى الطرقات. ثم استولى الشبان على سيارات الشارع أي
تلك التي يملكها جيرانهم، ودمروا المدارس التي يُعلم فيها السكان المهاجرون مثلهم أولادهم، أي إن
عائلات الحي كانت أولى الضحايا.
كما أن أعمال الشغب حصلت فيما يسمى "الأحياء الصعبة"، أي حيث يتمركز المهاجرون بكثافة وتكثر نسبة
البطالة والفشل المدرسي. لا يتعلق الأمر إذن بالضاحية الباريسية بمجملها ولا بمدينة باريس نفسها، بل
يمتد على مئات الشوارع في كل أنحاء فرنسا. غير أن معظم هؤلاء الشبان من الجيل الثاني هم مواطنون
فرنسيون. ولا تتعدى نسبة الأجانب بين الذين اعتقلوا في المواجهات 6 أو 7% فقط.
ويبدو أيضا وجود تعدد عرقي بين الموقوفين ما لا يفسح في المجال أمام التحليلات (يضم الموقوفون
إفريقيين غير مسلمين وشبانا يحملون أسماء فرنسية وإيطالية وبرتغالية).
هي ثورة المهمشين وليست ثورة العرب أو المسلمين حتى وإن شكل هؤلاء أكثرية المهمشين.
لا طابع سياسيا
خارج هذه الأحياء، لم يحرك أي مسلم ساكنا على رغم وجود عدد كبير من المسلمين الذين يعيشون
خارجها،
وهم على الأرجح ينتمون إلى الطبقة المتوسطة. وما يثير التعجب هو عدم حصول أي حوادث في الجامعات
التي تضم عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين الذين ينتمون غالبا إلى تيارات سياسية. هؤلاء أيضا لم
يتحركوا.
نستنتج من ذلك أن الثورة خالية من أي دافع عربي أو إسلامي، فلم نرَ على سبيل المثال أي علم
فلسطيني أو جزائري. أما وضع "الكفية" على غرار الرئيس الراحل ياسر عرفات فكان رمزا للمعارضة،
غالبا ما اتخذه الشباب شعارا في تظاهرات الثمانينيات.
كما لا نجد في أعمال الشغب التي تحدث حاليا أي رابط بالصراعات في الشرق الأوسط أو بالقومية العربية.
فلم نشاهد شعارات معادية لليهود (نفت الصحافة مرارا كل ما يبدو معاديا للسامية عند شبان الضواحي).
ولم نرَ أيضا شعارات دينية. أما الضجيج الذي رافق بعض ما ورد على مواقع الإنترنت حول أن الشبان كانوا
يرمون القنابل قائلين "الله أكبر" فلا صلة له بالحقيقة مطلقا.
كما لم تدل ملابس المتظاهرين على الدين الإسلامي بأي طريقة من الطرق لأنهم كانوا يرتدون الملابس "
الشعبية" التي تمثل ثقافة المدن الغربية كالشبان الأمريكيين "السود" (خصوصا الثياب الرياضية الرمادية
والسترات من دون أكمام). وهم يستمعون إلى موسيقى "الراب" و"الهيب هوب"، ويأكلون الوجبات
السريعة، ويستهلكون المشروب، ويحلمون بسيارات جميلة، ويتعاطون المخدرات في بعض الأحيان. فإنهم
"غربيون" بكل معنى الكلمة (وقد نقول إنهم "شاملون").
ثورة على العنصرية
ولا تتعلق مطالبهم في حال عبروا عنها، بحق ارتداء الحجاب في المدارس، ولا بأمور الجوامع، ولا بالذبح
الحلال. لكنهم في المقابل يحتجون كلهم على التمييز العنصري القائم على الشكل الخارجي (الملامح).
فهم لا يشعرون بعنصرية الشرطة فحسب بل أيضا عند مداخل الملاهي الليلية؛ وهذا أيضا لا علاقة له
بالدين الإسلامي.
هم شبان تجمعوا وشكلوا عصابات محلية تعارض الشرطة، وخصوصا العصابات الأخرى التي تأتي من الأحياء
المجاورة. ويبدو أن هذه العصابات هي أبرز محركي أعمال الشغب، فهي غالبا ما تكون متورطة بعمليات
تهريب صغيرة (كتهريب المخدرات) وارتكاب الجنح.
أما "القادة" الحقيقيون في الأحياء فهم مهربو المخدرات. ومعظم هؤلاء الشبان رسبوا في المدارس،
وأصبحوا عاطلين عن العمل. وإذا بنا أمام مزيج من المساعدات الاجتماعية و"الأعمال" الصغيرة.
كما أنهم يعتبرون أنفسهم منفيين مهمشين وهم متعلقون بشدة بالشارع حيث يسكنون، فكل مجموعة
تدافع عن "أرضها" ضد المتدخلين الذين يتسربون سواء كانوا من الشرطة، أو الصحافة، أو من عصابات
الشوارع الأخرى، وحتى رجال الإطفاء.لا يتضامنون على أساس العرق أو الدين على مستوى البلد بل
يتضامنون على أساس الشارع الذي يحكمونه.
متظاهرون غير مندمجين
وتطرقت الصحافة إلى دور المسلمين المتطرفين، غير أن المنظمات المتطرفة لم تشارك في أعمال
الشغب.
فالجماعات المتطرفة كتنظيم "القاعدة" ليست مهتمة بـ"جهاد" الضواحي: لماذا يهدرون الوقت في
إحراق السيارات في شارع لا يهم أحدا فيما يستطيعون الذهاب لـ"الجهاد" في الفلوجة، أو وضع المتفجرات
في القطارات؟ بل على العكس، يأملون باستمالة الشبان المحبطين بسبب غياب آفاق أي حركة أو الشبان
المتطرفين بسبب القمع (نعرف أن السجون هي مساحات للتطرف الديني والسياسي بالنسبة للكثيرين
من شباب الجيل الثاني).
أما المنظمات المعتدلة فنددت بشدة باللجوء إلى العنف، وتقوم بدور الوسيط. وتسعى هذه المنظمات
لاكتساب شرعية أمام السلطات والرأي العام الفرنسي من خلال لعب دور الوسيط العاقل والمدافع عن
فكرة "المسلمين والمواطنين".
مفتاح المشكلة
في الواقع، لا تعبر هذه الأحياء عن الثقافة الإسلامية التي تسعى للاعتراف بها. فاللغة العربية اختفت
وحلت مكانها الفرنسية كما تفسخت العائلات وانهارت سلطة الأب. ونجد اليوم الكثير من العائلات المغربية
الأصل أحادية الأبوين، وفي معظم الأحيان يعيل الشبان العائلة (غالبا مال التهريب المشكوك في شرعيته).
أما التراتبية فهي سلطة القوة والمال وليس العمر والحكمة، ولا نجد في هذه الأحياء قادة من رجال الدين،
حتى أن الإمام لا يتمتع بسلطة خارج حدود الجامع. ولا يشكل تعدد الثقافات أي رهان لأن هذه الأحياء لا تعبر
عن ثقافة عربية مسلمة بل ثقافة متدنية المستوى مستوحاة من المدن الغربية، وهي ما يُسمى بثقافة
الشبان أو ثقافة الشارع.
فنموذج هذه الثقافة مستوحى عن الشبان السود في أمريكا وليس من القاهرة أو مكة. والجدير ذكره أنه
في دبلجة أفلام هوليوود إلى الفرنسية، يتكلم السود الأمريكيون بلكنة شبان الضواحي الفرنسيين.
منقول عن جريدة الحياة اللندنية بقلم أوليفي روا[/align:254dc60427]
المهاجرين المسلمين التي تمثل المؤشر على فشل نموذج الاندماج في المجتمع الفرنسي.
ولكن لننظر إلى الأمر عن قرب، بعيدا من مسألة ثورة المجتمع الإسلامي.
أحياء صعبة وجيل ثان:
فالفعل أولا: هو عبارة عن تحرك قام به شباب، وتحديدا الذكور منهم، ولا تتعدى أعمار نصف الذين أوقفوا
الثامنة عشرة. وجمعت أعمال الشغب عصابات تراوح بين 30 و200 عنصر، بحسب المناطق، وفي كلا
الحالين لم يكن سكان الأحياء هم الذين ينزلون إلى الطرقات. ثم استولى الشبان على سيارات الشارع أي
تلك التي يملكها جيرانهم، ودمروا المدارس التي يُعلم فيها السكان المهاجرون مثلهم أولادهم، أي إن
عائلات الحي كانت أولى الضحايا.
كما أن أعمال الشغب حصلت فيما يسمى "الأحياء الصعبة"، أي حيث يتمركز المهاجرون بكثافة وتكثر نسبة
البطالة والفشل المدرسي. لا يتعلق الأمر إذن بالضاحية الباريسية بمجملها ولا بمدينة باريس نفسها، بل
يمتد على مئات الشوارع في كل أنحاء فرنسا. غير أن معظم هؤلاء الشبان من الجيل الثاني هم مواطنون
فرنسيون. ولا تتعدى نسبة الأجانب بين الذين اعتقلوا في المواجهات 6 أو 7% فقط.
ويبدو أيضا وجود تعدد عرقي بين الموقوفين ما لا يفسح في المجال أمام التحليلات (يضم الموقوفون
إفريقيين غير مسلمين وشبانا يحملون أسماء فرنسية وإيطالية وبرتغالية).
هي ثورة المهمشين وليست ثورة العرب أو المسلمين حتى وإن شكل هؤلاء أكثرية المهمشين.
لا طابع سياسيا
خارج هذه الأحياء، لم يحرك أي مسلم ساكنا على رغم وجود عدد كبير من المسلمين الذين يعيشون
خارجها،
وهم على الأرجح ينتمون إلى الطبقة المتوسطة. وما يثير التعجب هو عدم حصول أي حوادث في الجامعات
التي تضم عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين الذين ينتمون غالبا إلى تيارات سياسية. هؤلاء أيضا لم
يتحركوا.
نستنتج من ذلك أن الثورة خالية من أي دافع عربي أو إسلامي، فلم نرَ على سبيل المثال أي علم
فلسطيني أو جزائري. أما وضع "الكفية" على غرار الرئيس الراحل ياسر عرفات فكان رمزا للمعارضة،
غالبا ما اتخذه الشباب شعارا في تظاهرات الثمانينيات.
كما لا نجد في أعمال الشغب التي تحدث حاليا أي رابط بالصراعات في الشرق الأوسط أو بالقومية العربية.
فلم نشاهد شعارات معادية لليهود (نفت الصحافة مرارا كل ما يبدو معاديا للسامية عند شبان الضواحي).
ولم نرَ أيضا شعارات دينية. أما الضجيج الذي رافق بعض ما ورد على مواقع الإنترنت حول أن الشبان كانوا
يرمون القنابل قائلين "الله أكبر" فلا صلة له بالحقيقة مطلقا.
كما لم تدل ملابس المتظاهرين على الدين الإسلامي بأي طريقة من الطرق لأنهم كانوا يرتدون الملابس "
الشعبية" التي تمثل ثقافة المدن الغربية كالشبان الأمريكيين "السود" (خصوصا الثياب الرياضية الرمادية
والسترات من دون أكمام). وهم يستمعون إلى موسيقى "الراب" و"الهيب هوب"، ويأكلون الوجبات
السريعة، ويستهلكون المشروب، ويحلمون بسيارات جميلة، ويتعاطون المخدرات في بعض الأحيان. فإنهم
"غربيون" بكل معنى الكلمة (وقد نقول إنهم "شاملون").
ثورة على العنصرية
ولا تتعلق مطالبهم في حال عبروا عنها، بحق ارتداء الحجاب في المدارس، ولا بأمور الجوامع، ولا بالذبح
الحلال. لكنهم في المقابل يحتجون كلهم على التمييز العنصري القائم على الشكل الخارجي (الملامح).
فهم لا يشعرون بعنصرية الشرطة فحسب بل أيضا عند مداخل الملاهي الليلية؛ وهذا أيضا لا علاقة له
بالدين الإسلامي.
هم شبان تجمعوا وشكلوا عصابات محلية تعارض الشرطة، وخصوصا العصابات الأخرى التي تأتي من الأحياء
المجاورة. ويبدو أن هذه العصابات هي أبرز محركي أعمال الشغب، فهي غالبا ما تكون متورطة بعمليات
تهريب صغيرة (كتهريب المخدرات) وارتكاب الجنح.
أما "القادة" الحقيقيون في الأحياء فهم مهربو المخدرات. ومعظم هؤلاء الشبان رسبوا في المدارس،
وأصبحوا عاطلين عن العمل. وإذا بنا أمام مزيج من المساعدات الاجتماعية و"الأعمال" الصغيرة.
كما أنهم يعتبرون أنفسهم منفيين مهمشين وهم متعلقون بشدة بالشارع حيث يسكنون، فكل مجموعة
تدافع عن "أرضها" ضد المتدخلين الذين يتسربون سواء كانوا من الشرطة، أو الصحافة، أو من عصابات
الشوارع الأخرى، وحتى رجال الإطفاء.لا يتضامنون على أساس العرق أو الدين على مستوى البلد بل
يتضامنون على أساس الشارع الذي يحكمونه.
متظاهرون غير مندمجين
وتطرقت الصحافة إلى دور المسلمين المتطرفين، غير أن المنظمات المتطرفة لم تشارك في أعمال
الشغب.
فالجماعات المتطرفة كتنظيم "القاعدة" ليست مهتمة بـ"جهاد" الضواحي: لماذا يهدرون الوقت في
إحراق السيارات في شارع لا يهم أحدا فيما يستطيعون الذهاب لـ"الجهاد" في الفلوجة، أو وضع المتفجرات
في القطارات؟ بل على العكس، يأملون باستمالة الشبان المحبطين بسبب غياب آفاق أي حركة أو الشبان
المتطرفين بسبب القمع (نعرف أن السجون هي مساحات للتطرف الديني والسياسي بالنسبة للكثيرين
من شباب الجيل الثاني).
أما المنظمات المعتدلة فنددت بشدة باللجوء إلى العنف، وتقوم بدور الوسيط. وتسعى هذه المنظمات
لاكتساب شرعية أمام السلطات والرأي العام الفرنسي من خلال لعب دور الوسيط العاقل والمدافع عن
فكرة "المسلمين والمواطنين".
مفتاح المشكلة
في الواقع، لا تعبر هذه الأحياء عن الثقافة الإسلامية التي تسعى للاعتراف بها. فاللغة العربية اختفت
وحلت مكانها الفرنسية كما تفسخت العائلات وانهارت سلطة الأب. ونجد اليوم الكثير من العائلات المغربية
الأصل أحادية الأبوين، وفي معظم الأحيان يعيل الشبان العائلة (غالبا مال التهريب المشكوك في شرعيته).
أما التراتبية فهي سلطة القوة والمال وليس العمر والحكمة، ولا نجد في هذه الأحياء قادة من رجال الدين،
حتى أن الإمام لا يتمتع بسلطة خارج حدود الجامع. ولا يشكل تعدد الثقافات أي رهان لأن هذه الأحياء لا تعبر
عن ثقافة عربية مسلمة بل ثقافة متدنية المستوى مستوحاة من المدن الغربية، وهي ما يُسمى بثقافة
الشبان أو ثقافة الشارع.
فنموذج هذه الثقافة مستوحى عن الشبان السود في أمريكا وليس من القاهرة أو مكة. والجدير ذكره أنه
في دبلجة أفلام هوليوود إلى الفرنسية، يتكلم السود الأمريكيون بلكنة شبان الضواحي الفرنسيين.
منقول عن جريدة الحياة اللندنية بقلم أوليفي روا[/align:254dc60427]