أم الجماجم ... وحب في المقابر [الأرشيف] - منتديات طريق سورية

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أم الجماجم ... وحب في المقابر


Dehumanizer
24-10-2005, 17:09
[align=justify:8ce35b5a7f]تدور أحداث هذه القصة في فلسطين، القصة طويلة لذلك قمت بتقسيمها إلى حلقات وسأضع في كل يوم أو يومين حلقة أو حلقتين بحسب تفاعل القرّاء، القصة جميلة ومشوقة أتمنى أن تعجبكم.[/align:8ce35b5a7f]

~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


الحلقة (1)

[align=justify:8ce35b5a7f]قاد فارس سيارته المرسيدس مساءً في شوارع مدينة الناصرة متوجها إلى أحد المطاعم للقاء عدة أشخاص في انتظاره، توقف فارس على الإشارة الضوئية، وفي أقل من ثانية فُتح باب السيارة وصعدت امرأة وجلست بجانبه وأغلقت الباب ورائها بهدوء وثقة وهو ينظر مذهولاً مستغرباً دون أن يفهم شيئا مما يحدث.

كل ما يراه شبحاً اسود أو كتلة سوداء متحركة، جال ببصره من القدم حتى الرأس لعله يرى شيئاً يدل على جنس الكائن الذي يسكن تحت هذه الملابس السوداء، رجل هو أم امرأة؟ ولكن عبثاً فلا عيون ولا وجه ولا أيدي تُرى من خلف هذا السواد، وأمام هذه الحال نطق الكائن الساكن خلف تلك الملابس بصوت أنثوي جميل وهادئ وواثق:

عفواً، هل تستطيع أن توصلني إلى كفر كنا؟

ابتسم فارس وقال: عفواً، ربما أخطأت، أنا لست سائق تاكسي.

فقالت بهدوء: أعلم ذلك هيا أوصلني إلى كفر كنا.

وبدون مبالاة وجد فارس نفسه يسير باتجاه كفر كنا وتناسى أنه على موعد هام، فكل ما كان يشغل باله هو من تكون صاحبة هذا الصوت الملائكي؟

وأدار بوجهه نحوها وقال: عفواً يا حجة!! ...

وعلى الفور أدارت وجهها نحوه وقالت له: أنا مش حجة.

قال: عفواً ... بقصد شيخه.

قالت: ومش شيخة كمان.

قال: إذاً متدينة لدرجة كبيرة؟

قالت: لا ... أنا مش متدينة.

قال: عفواً ... هل أنت مسلمة؟

قالت: يمكن ... شو هذا بهمك؟!!

فقال مستفزاً: طيب ليش لابسه هالخمار؟

فقالت: أنا لابسته لأني لابسته!!

فقال: طيب ... مين أنتي؟

فردت عليه: أنا قدرك يا فارس.

ذهل فارس، فكيف علمت باسمه؟ وبدأ يفكر بأشياء كثيرة وقال وهو يضحك: قدري أنا؟ قولي لي يا قدري مين سلّطك عليّ وحكالك عن اسمي؟

فقالت: آه ... أنا قدرك أنت ... وكيف عرفت أسمك فهذا شغلي أنا ...كنك ما بتآمن بالقدر؟

فقال: أنا ما بآمن بأشي!!

فقالت: إذا هيك ... تعلم من اليوم انك تآمن بأشياء كثيرة.

فقال: لا بأس سأؤمن ... قولي لي شو أسمك أم سأناديك "آنسة" قدرك أم "مدام" قدرك؟

فقالت: قدرك أنت.

قال: طيب يا قدري أنا ... اكشفي عن وجهك علشان أشوفك؟

فقالت:علشان أيش بدك تشوفني؟

فقال: مش قلتي انك قدري؟ ... بدي أشوف قدري إن كان حلو ولا يا ساتر؟

فقالت: ما تخاف ... قدرك حلو كثير ومش يا ساتر ... ومش راح تشوفني هلاء ... راح تشوفني في الوقت المناسب.

وقال فارس وهو مستفز والفضول يقتله: بدي أشوفك هلاء ما دمت بتقولي إنك قدري؟

فقالت: وقف السيارة ... إذا بدك تتأكد إني حلوة تفضل اكشف عن وجهي وارفع الخمار وراح تشوف ... بس أحسن إلك ما تعملها هلاء.

صمت فارس حائرا مذهولاً متردداً بين أن يمد يده ليرى ماذا يخفي هذا الخمار، أيفعل ذلك أم لا؟ ولكن يده لم تتحرك، أما صاحبة الصوت الجميل ذات الخمار الأسود فقامت بفتح باب السيارة وخرجت تسير في شوارع كفر كنا، لا أحد يرى منها شيئا، وعاد فارس إلى الناصرة مسرعاً لعله يلحق بالأشخاص الذين ينتظرونه ليجدهم قد غادروا المكان.

ابتسم وقال لنفسه: يا لقدري السيئ، لقد خسرت الصفقة، خسرتها لإشباع فضولي بالكشف عن سر هذه الكتلة السوداء وما تخفيه خلف هذا الخمار.

واصل فارس السير في الطرقات يفكر بسر هذه المرأة وما تخفيه، ونظر إلى حيث كانت تجلس فرأى على الكرسي جمجمة بحجم كف اليد وقد زرعت مكان تجويف العينين كرات مطاطية ذات لون احمر كان يشع منها ضوءاً باهراً ربما بسبب انعكاس الضوء عليهما، أمسك فارس بالجمجمة وقد سرت قشعريرة في جسمه من منظرها وحينما نظر إلى الجمجمة كان منظر الفكين أقرب إلى الابتسامة.

ضحك فارس وقال لنفسه: يا لقدري ... جمجمة وتبتسم؟ ... احتار من حاجة هذه المرأة إلى هذه الجمجمة ولماذا تركتها معه أم أنها نسيتها دون قصد؟ لا بد أن هذا الخمار يخفي قبحاً لا مثيل له وهذا واضح بدليل أنها تحمل جمجمة.

مر يوم وفارس ما يزال يفكر بأمر هذه المرأة، شعورٌ غريب يشده إليها لا يدري سببه، أهو الفضول أم شيء آخر لا يعرفه؟!.[/align:8ce35b5a7f]

Bestout
24-10-2005, 17:30
[align=left:8915026597]Cool!! I like it, carry on Dehumanizer I loved the begining[/align:8915026597]

Dehumanizer
25-10-2005, 16:50
[align=justify:31bbfdc5c8]الحلقة (2)

سار فارس بسيارته دون هدف محدد، ذهب إلى كفر كنا حيث نزلت، فربما يجدها هنا أو هناك، ولكن دون جدوى وعندما عاد إلى الناصرة رأى نفس المرأة تقف على أحد مواقف الباصات، أقترب منها وأراد أن يحدثها لكنه كان خائفاً من أن تكون هذه المحجبة التي يراها امرأة أخرى، فكيف يميز إن كانت هي أم شبيهه بها ... وبحركة غير متوقعة اقتربت ذات الخمار الأسود من شباك السيارة وقالت: ليش اتأخرت يا فارس؟ أنا بستناك من ساعة ونص؟

وصعدت إلى السيارة وأغلقت الباب، وهي ما زالت تعاتبه على تأخره وكأنها على موعد مسبق معه، بقي فارس صامتاً وعلامات الدهشة والتعجب تظهر على وجهه والحيرة تعتصره لأنه لم يفهم شيئا مما يدور حوله.

فقالت له: وصلني لحيفا.

ضحك فارس وقال: بتؤمري بوصلك لحيفا ولوين ما بدك، بس قولي لي يا ....

قاطعته وقالت: ياسمين اسمي ياسمين، ناديني ياسمين

فقال: ياسمين قولي لي عن جد كنت بتستنيني ولا بتمزحي؟

فقالت: آه أنا كنت بستناك، أنت شو مفكرني كنت بسوي هون، بستنا واحد تاني؟ على العموم إذا ما بدك تشوفني بنزل هون.

وقال: أنا بدي أشوفك، بس مش شايف اشي منك غير هالسواد.

فردت عليه غاضبة وقالت: مش مصدقني؟ قلتلك أنا حلوة، أقسم بحياة ستي إني حلوة وراح تشوفني في الوقت المناسب.

رد عليها فارس بصوت غلب عليه الحزن واليأس وقال: ياسمين قولي لي، أنتي إنسانة أنا بعرفها وحابة تمزح معي من ورا هالخمار ولا في حدا مسلطك عليّ علشان تجنينيني؟.

قالت: لاء، أنا ما بعرفك وما في حدا سلطّني عليك، بس من اللحظة الأولى الّي شفتك فيها صرت قدرك وبعدها عرفت عنك كل اشي.

قال: شو قصدك؟!

قاطعته وقالت له: أنا وصلت ولازم اروح.

غادرت ياسمين الغامضة وبدأت تسير بالشارع حتى اختفت بين الزحام وعيون فارس لم تعد تستطيع ملاحقتها فأخذ بالضحك مستسخفاً مما يحدث وقد اتخذ قراراً أن لا يفكر في هذه المرأة الغامضة التي تود فقط أن تثير فضوله في لعبة ذكية، فلا بد أن يكون من ورائها أحد.

وعاد إلى عمله ليشغل نفسه ولكنه فشل في أن يطرد خيالها من مخيلته وأخذ يسأل نفسه: ما الذي يشدني إلى هذه المقنعة السوداء؟ هل هو الفضول أم أن أسلوبها المثير قد أثر بي؟

شقت السيارة طريقها من جديد إلى الناصرة وما أن وصل فارس حتى بدأ يقوم باتصالاته لترتيب عدة مواعيد لعمله بدل التفكير بسخافة هذه المرأة، وما أن مرت عدة ساعات واقترب الوقت من منتصف الليل وقرر العودة إلى البيت حتى فوجئ بالمرأة صاحبة الخمار الأسود تشير بيدها له ليتوقف.

دق قلب فارس بسرعة وأصابه شعور غريب لم يعرفه من قبل، شعور ممزوج بخوف رهيب من المستقبل وسعادة لرؤيتها، توقف واقتربت المرأة من السيارة وفتحت الباب ورمت بجسدها الملفوف بالسواد على الكرسي.

وقالت: فارس ممكن توصلني لبئر السبع؟

لم يستطع فارس الإجابة، بل وجد نفسه يسير في الطريق المؤدية إلى بئر السبع دون أن يجادل أو يأبه إذا كان عليه العودة إلى البيت أو إذا كان احدهم بانتظاره، خيّم الصمت لدقائق طويلة عليهما كانت كأنها سنوات، لم يتكلم احدهما، نظر فارس إلى المرأة بعد أن استجمع جملة واحدة بعد الذهول الذي أصابه وقال: ياسمين أنا في حياتي كلها ما عرفت شو هو الحب ومش مهم مين بتكوني أو مين أنتي، أنا بصراحة حبيتك من أول مرة سمعت صوتك فيها، وما شفتك وبعرفش مين بتكوني، بس لأول مرة في حياتي بشعر إني مهزوم، أيوه أنا مهزوم بحبك .

وقالت له ساخرة: بعدك ما شفتني وحبيتني، الله يساعدك لما تشوفني شو راح يصير فيك.

فقال فارس: راح احبك أكثر.

فقالت: بصراحة أنا كمان مفكرة أني أحبك وخاصة أني قدرك يا ...

قاطعها فارس وقال: ياسمين عن جد أنتي مصدقة شو بحكي؟

فقالت: آه يا فارس مصدقتك، ما أنا قلت لك من اللحظة الأولى أني أنا قدرك .

فقال: ياسمين مين أنتي؟

فقالت: ما تسأل، راح تعرف لحالك مين بكون.

وفي هذه الأثناء مرت السيارة من أمام حاجز للشرطة كان بجانب الشارع السريع بين تل أبيب وبئر السبع، وأشار الشرطي إلى سيارة فارس بالتوقف لتجاوزه السرعة، استجاب فارس للنداء وتوقف بجانب الطريق واقترب الشرطي من النافذة وطلب من فارس الرخصة والتأمين ورخصة السيارة، وهّمّ فارس في إعطاء الأوراق إلى الشرطي، وفي تلك الأثناء طلبت منه ياسمين أن لا يستجيب لطلب الشرطي وأن يسير بسرعة ... سار فارس وهو لا يأبه بعواقب ما فعل مع الشرطة، وأخذت ياسمين تضحك ولكن ما هي إلا لحظات حتى كانت عدة سيارات شرطة تطارد سيارة فارس وتنادي عليه بأن يتوقف على يمين الطريق.

وجد فارس نفسه في ورطة كبيرة وتوقف رغم أن ياسمين طلبت منه أن لا يهتم بهم ونعتها بالجنون وقال لها: أنتي مجنونة فعلاً، مجنونة وبدك تقتلينا .

أحاطت الشرطة بالسيارة بعد أن توقفت واقترب الضابط منها وعلى وجهه علامات الغضب، وما أن اقترب حتى بادرته ياسمين قائلة: اش بتريد؟

بدت علامات الذهول على وجه الشرطي وقال: لا شيء ... لا شيء.

فقالت له: إذاً ابتعد من هنا.

ابتعد الشرطي وصعد إلى السيارة العسكرية دون أن يكلم أحداً، ويبدو أن احد أفراد الشرطة أصابه الفضول فاقترب من السيارة هو الآخر ولكن ما أن رأى ياسمين حتى ابتعد هو الآخر مسرعا وكأن كل منهما قد رأى رئيس دولة أو شيئاً مهماً أو شيئاً غريباً، وبسرعة أدار فارس رأسه باتجاه ياسمين ورآها تحمل بيدها جمجمة ورأى شعاعاً أحمر باهتاً سرعان ما اختفى، فحرك فارس عينيه من تأثير الشعاع وأخذ يفحص بعينيه من أين مصدره، وهو متأكد من انه رآه ينبعث من تحت النقاب الأسود.

أكمل فارس سيره مذهولا وهو يفكر بما حدث، وهل أن منظر النقاب هو ما أخاف الشرطة؟ أم أنها الجمجمة؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟ لم يخف عن المرأة ذات النقاب خوف وذهول فارس فقد كان ذلك بادياً على وجهه وعلى حركات يديه وعلى إشعاله السيجارة تلو الأخرى بنهم .

قالت له: شو في يا فارس، في اشي؟

فقال: اللي صار مع الشرطة غريب؟

فقالت: وما هو الغريب في الأمر أن تسال الشرطي ماذا يريد فيقول لك لا شيء؟ هذا يحدث مئة مرة في اليوم ولكن أنت مرهق وأنا السبب في ذلك، آسفة، آسفة يا حبيبي ما كان يجب أن أجعلك تقود هذه المسافة الطويلة.

وصلت السيارة مدينة بئر السبع وهناك طلبت منه السير في طريق جانبية، سار بها فارس أكثر من ساعة ليدب الرعب في قلبه ويزداد الخوف أكثر وأكثر كلما أوغل في الطريق، وكان هذا الطريق في عزلة عن العالم فلا شيء أمامه أو على جنبات السيارة سوى الصحراء المظلمة والكتلة السوداء التي تجلس بجانبه وأصوات عواء الذئاب يملأ المكان وتزيده رهبة.

تنهدت المرأة الغامضة وقالت: أوقف السيارة ها قد وصلنا.

أوقف فارس السيارة وهو لا يرى شيئا يدل على عنوان فقال فارس وعلامات الذهول بادية على وجهه: إلى أين؟ إني لا أرى سوى الصحراء المظلمة؟ إلى أين هل تمزحين؟

قالت: كلا أنا لا امزح سنسير على الأقدام وبعد دقائق سنصل.

قال: على الأقدام؟؟ هل أنت مجنونة؟

قالت: هل أنت خائف؟

قال: نعم أنا خائف، وهل يوجد عاقل يوافق على السير في هذه الأماكن ولو لعدة أمتار؟

قالت: لا مكان للحب والخوف معا، إما أن يقضي الحب على الخوف وإما العكس، فإن أردت أن أزيل الخمار لتراني فتعال معي، وأعدك بأنك ستسعد طوال حياتك.

قال: وما أدراني ماذا سيكون تحت هذا الخمار؟

قالت: تعال وستعرف بنفسك.[/align:31bbfdc5c8]

Bestout
25-10-2005, 17:12
[align=left:83933d147f]Waiting!! Oh! Dehumanizer!! Such lovely story[/align:83933d147f]

lady
26-10-2005, 01:26
Dehumanizer

يعطيك 1000 عافية عزيزي

هالقصة فعلا جميلة جدااااااااااااااااااا

وخلتني اتابعها بشكل غير معقول

وبتمنى كل من يقدر يشارك ويقرأ هالقصة الحقيقية الغامضة

يسلمووووووووو

تحياتي

LADY

ABDO_H
26-10-2005, 13:13
يسلمو ياعبود على هل القصه الحلوه بس علسريع وين الكماله هات لاشوف شوقتني يستر عليك
لاتطول حط الحلقه التالته يلا بسرعه ...






تحياتي

ABDO_H

bigbaby
26-10-2005, 14:18
مدري ليش حاسة انو...انو .... طيب ماش :roll:

Dehumanizer
26-10-2005, 17:10
الحلقة (3)

[align=justify:dcf140e416]وسارت تشق طريقها في الظلام وفي عتمة الصحراء، وكلما سارت خطوة شعر فارس بأن روحه تبتعد عن جسده، واختفت ياسمين.

ود فارس لو أنه يقفز من السيارة ليلحق بها ولكن الخوف كان يمنعه، فهو لا يعي حقيقة ما يجري وسرعان ما أفاق فارس من ذهوله ليشعر بخوف كبير ممزوج بالحزن والأسى والإحباط خوفاً من هذه المرأة الغامضة التي تعلقت روحه بها بصورة غريبة وبقوة لم يعهدها من قبل، وكان خوفه أن لا تعود من جديد وأن لا يراها على الرغم من أنه لم يرها فعلاً، لم يعرف إلا صوتها الآتي من خلف الخمار. كان خوف فارس الأكبر من المجهول الذي تقوده إليه هذه المرأة الغامضة المسماة ياسمين.

وفي وسط تردده وخوفه من أن يلحق بها أو لا يلحق، بدأ يسمع عواء ذئاب آت من بعيد، تعالى صوت العواء أكثر وأكثر، وأخذ الصوت يقترب، أدار فارس محرك السيارة ليهرب من المكان بسرعة لشعوره بالخطر الذي يترقبه وصوت الذئاب كأنه يحيطه من كل جانب ولكن السيارة أبت أن تعمل، وكأن عطلاً قد أصابها، وشعر بالذهول وبحركة لاشعورية وسريعة أغلق فارس نوافذ السيارة وأحكم إغلاق الأبواب وأخذ يترقب وصول الذئاب إليه وهو يتساءل: هل تستطيع الذئاب كسر الزجاج والدخول إلي؟ وهل سأتحول إلى وجبة عشاء؟!! كم يبلغ عددها؟ لا بد أنها بالعشرات فالصوت يدل على ذلك.

كان الصوت قريباً جداً وعلى بعد بضعة أمتار، ولكن لماذا لم تقترب من السيارة؟ لا بد أنها تعلم بأنه من الصعب اقتحام السيارة فهي ستنتظر خروجي لأصبح هدفاً سهلاً، يا لغباء الذئاب هل تتوقع أن أخرج وأقدم نفسي لها بهذه السهولة؟.

وأخذ فارس يلتفت تارة إلى الخلف وتارة إلى الأمام، شمالاً ويميناً ليرى إن كانت الذئاب قد اقتربت، وفي وسط هذا الخوف الرهيب من الموت الشنيع الذي يحيط به من كل جانب تذكر ياسمين الغامضة وتمتم وقال :لعنه الله على ... الله يسامحك يا ياسمين على ما فعلت.

فرك فارس عينيه وأخذ يحملق في الأفق لتعود الطمأنينة إلى قلبه بعد أن رأى خيوط النور تشق طريقها وسط الظلام معلنة عن بدء شروق الشمس وعن الفرج القريب لخلاصه، ومع انتشار النور تلاشى صوت الذئاب التي لم يرها، ونظر فارس حوله ليرى نفسه وسط صحراء جرداء قاحلة، وعلى مدى نظره لا يرى أي اثر يدل على وجود حياة أو بشر، وازداد فضول فارس حول المكان الذي ذهبت إليه ياسمين.

فتح باب السيارة وأخذ يسير في نفس الاتجاه الذي سارت فيه ياسمين، وبدأ يحدث نفسه ويقول: لا بد أنها قريبة من هنا، فهي قالت أن المكان الذي سنذهب إليه على بعد عدة دقائق فقط. نظر فارس حوله بكل الاتجاهات وأيقن انه لو سار عدة ساعات فلن يصل إلى أي مكان، فنظر إلى الأرض ورأى آثار خطواته على الرمال، فأخذ يبحث عن أي أثر لخطوات ياسمين الغامضة ولكنه لم ير أي اثر، فقرر أن يعود إلى السيارة ليرى لماذا لم تعمل ويحاول إصلاحها ويعود أدراجه إلى الناصرة بعد أن يأس من وجود أي أمل يدله على ياسمين.

وفي طريقه إلى السيارة لمح عن بعد شيئا يثير الانتباه في وسط الرمال فسار نحوه لدقائق، وما أن وصله واقترب منه حتى دبت القشعريرة في جسمه، فقد رأى قبراً قديماً يدل شكله على أنه موجود منذ مئات السنين وكان لون حجارته عبارة عن مزيج من الأسود والبني.

فتساءل فارس بينه وبين نفسه: يا ترى ما هي حكاية هذا القبر ولمن هو؟ لماذا هو في هذا المكان بالذات؟ لا بد أن من بناه احتاج إلى وقت طويل حتى يبنيه بهذه الطريقة البارعة؟ ولكن لماذا؟. وبدأت عشرات الأسئلة تدور في ذهن فارس ولكن دون جواب وبالرغم من الخوف الذي كان يراوده إلا أنه وضع يده على القبر ليتحسسه، ورفع يده التي التصق الغبار بها، وشعر فارس أن على القبر كتابة معينة فأخذ يزيل الغبار عن القبر لعله يستطيع قراءة ما كُتب، فدبت بجسمه قشعريرة الموت والخوف حينما قرأ:[/align:dcf140e416]

أفتح القبر لا مكان للحب والشك معاً
إما أن يقض الحب على الشك
وإما أن يقضي الشك على الحب
أفتح القبر وسترى ما يسعدك

[align=justify:dcf140e416]وما أن قرأ فارس الكلمات المكتوبة على القبر حتى أخذ يهرول مسرعاً إلى السيارة وهو يتمتم: ماذا يوجد داخل هذا القبر ومن هو الشخص الذي دفن فيه ومن يكون صاحبه؟ يا رب ما الذي يربطني بهذه المرأة الغريبة؟ هل هو الحب؟ فأنا لا أؤمن بالحب ولن أؤمن به، وإن كان هناك حب فلماذا لم اعرفه من قبل؟ ولماذا هي؟ فأنا أعرف عشرات الفتيات الجميلات، لماذا هي وأنا لم أرها ولا أعرف ما هو شكلها؟ سوداء، بيضاء، شقراء، قبيحة أم جميلة.

لماذا أربط نفسي بامرأة الخمار والقبور والجماجم والذئاب والصحراء، والخوف والجنون ... لماذا؟ وما الذي يجبرني على ذلك، أي حب هذا، لا بد أنه الفضول، ولكن منذ اللحظة الأولى أشعر بهذا الشعور، يا إلهي هل هو الحب؟! هل الحب مجنون لهذه الدرجة، أم أنها لعنة علقت بها لتدمر حياتي، سوف أدعها، لن أفكر فيها، كفاني جنوناً وغباءً وضعفاً ... كفى.

سار فارس إلى الناصرة وأخذ يجوب في شوارعها، تارة يشعر بالفرح والثقة لخلاصه منها وتارة يشعر بالحزن والإحباط لفقدانه إياها، وفجأة لمح فارس في أخر الشارع عن بعد امرأة ترتدي السواد وتسير في الشارع مبتعدة، خفق قلب فارس بقوة ولم يتمالك نفسه فأخذ يسير خلفها بسرعة ليلحق بها وكأن هناك قوة تسيره نحوها دون إرادته، اقترب فارس ولم تعد تفصله عنها سوى عشرة أمتار أو أقل، ودخلت ذات الخمار إلى أحد المحلات التجارية في الشارع فنزل من السيارة ووقف ينتظر خروجها، وبنفس اللحظة كانت هناك يد تربت على كتفه وبصوت جميل هادىء يقول له: أثقل يا مجنون.

فتلفت فارس إلى الخلف نحو مصدر الصوت فرأى ياسمين ذات الخمار الأسود واقفة تضحك.

فقال: ياسمين حبيبتي أين كنت؟ أين اختفيت؟ أين ذهبت؟ لماذا لم تأت؟ أرجوك ارحميني.

قالت: فارس لماذا تسير خلف هذه المرأة، من أين تعرفها، وماذا تريد منها؟ أنت كاذب أنت لا تحبني، وإن كنت تحبني فلماذا تسير خلف امرأة أخرى؟.

قال فارس: ياسمين حبيبتي، اعتقدت أنها أنت، خاصة وأنها تشبهك في الأسود والخمار.

قالت ياسمين: لا يا حبيبي، أنا أحلى منها بكثير، وشو جاب لجاب، أنا يا حبيبي ما في واحدة أحلى مني.

قال فارس: ياسمين بدك تجننيني، هو أنا شايفك ولا شايفها، هو في حد بقدر يشوف من تحت هالعباية والخمار؟ أنا يادوب سامع صوتك كيف بدي أعرف إن كنت أحلى منها ولا هي أحلى منك، يالله إن كنت واثقة من جمالك أرفعي هالخمار علشان أشوفك.

ضحكت ياسمين وقالت: أنا موافقة على رفع الخمار، وهلاء بتشوف أني أحلى من كل بنات الناصرة، وأحلى من البنت اللي أنت لاحقها كمان بس بشرط، بالأول بتنادي عليها وبتخليها ترفع الخمار وبتشوفها، تفضل أدخل المحل وراها وشوفها.

قال فارس: شو القصة بهالبساطة، بدك أدخل وأقول لواحدة متدينة بالله ارفعي الخمار علشان أشوف وجهك؟ شو المناسبة ولا بدك أتبهدل؟.

فقالت: شو هي أحسن مني، شو بتفكرني؟ ولا بس بدك ...

فقال: حبيبتي ... أنا حبيتك ومن حقي أشوفك وأما هي ما بتهمني ليش أشوفها .

فقالت: قلت لك أني حلوة والله العظيم أنا حلوة كثير، بدك أوصفلك حالي؟ أنا شعري طويل وناعم، وعيوني وساع، وبشرتي ...

قاطعها فارس وقال: ياسمين أنا ما بهمني إن كنت حلوة ولا لاء، وعلى فكرة ما في واحدة بتقول عن حالها مش حلوة.

فقالت: أنا حلوة، صدقني وما تستعجل الأمور، وستفخر فيي وأنا وقت شفتك لأول مرة قررت اختار نفسي زوجة إلك ولا أنت مش واثق بذوقي؟.

ضحك فارس بصوت عال وقال ساخراً: أنتي اخترت نفسك زوجة إلي؟ حلو أنا موافق، يلا نتزوج.

فقالت: لكن يجب أن تصبر بضعة أسابيع حتى أنهي بعض المشاكل العائلية ومن ثم نتزوج فوراً إن وافق أهلي أو لم يوافقوا ولكن الأهم من ذلك يجب أن أتأكد بأنك تحبني فعلاً، والآن هيا تعال أوصلني.

فقال فارس ساخراً: وإلى أين هذه المرة؟ إلى صحراء سيناء أم إلى جنوب لبنان؟

فقالت ياسمين بنبرة حزينة: آسفة، أنا آسفة اللي طلبت منك توصلني.

وسارت مسرعة واختفت وسط الزحام وفارس خلفها يناديها ولكنه لم يستطع اللحاق بها، ثم عاد فارس سائراً إلى سيارته وهو حزين وخائف من أن تكون ياسمين قد غضبت وأن لا تعود من جديد، وجلس فارس في سيارته وهو لا يدري ماذا يفعل وفي لحظة رأى ياسمين ذات الخمار تقترب من السيارة وتقول له: أنا آسفة اللي دخلت في حياتك، خلص هذه آخر مرة بتشوفني فيها.

وهمت ياسمين بالذهاب لولا أن فارس قام وأمسك بها وأصر على أن تركب السيارة، وقال لها: حبيبتي أنا بمزح معك لا أكثر، والله لو طلبت مني أوصلك إلى آخر نقطة في العالم لفعلت، فلا تكوني مزاجية لهذه الدرجة، والآن أين تريدين أن أوصلك؟

فهزت المرأة الغامضة رأسها وقالت: أوصلني إلى طبريا.[/align:dcf140e416]

ABDO_H
26-10-2005, 20:26
ينعل عالم لك حط الكماله او بعتلي الكماله مسج يلا بسرعه :evil: PDT_Armataz_01_36

queen
26-10-2005, 20:34
ميرسي جدا على هل القصة الحلوة و صار عندي فضول بمعرفة التتمة مشان هيك عجل بكتابة كمالة الاحداث

لا تتأخر ررررررررررررررررررررررررررررررررررررر...........بد ي اعرف الكمالة


و شيكراالك

ضوءالقمر
27-10-2005, 00:06
اخي دهيو القصة من اوله مشوقة ياريت تابع ونحن بالانتظار وماتطول علينااااااااا
مشكور

عاشق المساء
27-10-2005, 01:31
حبيب قلبي قصتك بتجنن وبتخلي الواحد يتعلق فيها ويجن لحتى يعرف مين صاحبة هالجمال اللي واثقة من نفسها زيادة عن اللزوم لكن تشويقك النا بيجنن اكتر خلصنا يستر على مستر خلصنا والله صبر نفذ لحتى اعرف شو النهاية ليش ما بتكتبها كلها وخلص :twisted: :evil: :twisted: :evil: :twisted: :evil:


تارة احزن وتارة احزن بفرح ولكن لا اعرف لماذا؟
هل تقولوا لي لماذا؟

Bestout
27-10-2005, 15:36
[align=left:e063771989]Yes? Carry on ya Dehumanizer. [/align:e063771989]

Dehumanizer
27-10-2005, 17:09
الحلقة (4)

[align=justify:124e51a15d]تحرك فارس باتجاه طبريا وقال لها: ياسمين ما حكاية تحركك من مكان إلى آخر وفي أوقات مختلفة وما حكاية القبور والجماجم؟!

فقالت غاضبة: أية قبور؟ وما دخلي أنا بالقبور، وعن أية جماجم تتكلم، أين هي الجماجم؟

فمد فارس يده إلى جيب السيارة وفتحه وأخرج منه الجمجمة الصغيرة وقال: أنا أتحدث عن هذه الجمجمة وعن الجمجمة الأخرى التي تحملينها وأقصد بالقبور القبر الذي ذهبت إليه في الصحراء، أم أنك نسيتي؟

قالت ياسمين: أنت مجنون، أي قبر في الصحراء؟ أنا لم أذهب إلى أي قبر، ألم أطلب منك أن تأتي معي لترى أين أسكن ولكنك خفت وتركتني أسير وحدي؟ ... وهذه ليست جمجمة، أنظر إليها، إنها ليست جمجمة إنها مجرد حجر يجلب الحظ.

فقال فارس: كلا يا حبيبتي إنها جمجمة صغيرة، إما أن تكون لطفل صغير حديث الولادة أو لشيء آخر لا ادري ما هو.

فقالت: إن كنت مصراً على أنها جمجمة فليكن ذلك، إنها تجلب الحظ، أنظر إليها أليست جميلة؟ لماذا أنت خائف؟ هل تخاف من حجر أو كما تقول من جمجمة؟ دعها معك وستجلب لك الحظ السعيد صدقني يا فارس.

فقال: ياسمين ما هو السر الذي تخفينه خلف هذا الخمار؟ من أين ومن أنت؟

فقالت: لماذا أنت خائف؟ أنت تحبني وأنا أحبك، فما الذي يهم من أكون ومن أين أنا؟ لقد قلت لك ستعرف كل شيء في الوقت المناسب وإن كنت في عجلة لمعرفة من أكون فاقض على خوفك وستعرف كل شيء متى شئت، وكل ما أستطيع أن أقوله لك أن أسمي ياسمين وأنا جميلة، جميلة جداً، وإن أردت أن ترى صورتي، أبحث عني في حلمك القديم.

فقال: عن أي حلم تتحدثين؟

فقالت: أنت تعرف ماذا أقصد، لا تهرب من الحقيقة، والآن أوقف السيارة هنا وانتظرني ولا تذهب حتى أعود، بعد خمس دقائق سأعود.

خرجت ياسمين مسرعة واختفت بين المباني في شوارع طبريا، وأكثر ما لفت انتباه فارس أنها تسير بين الناس دون أن يكترث بها أحد، بالرغم من ملابسها الغريبة والخمار الملفت للانتباه، فنادراً ما يُرى في شوارع طبريا التي معظم سكانها من اليهود هذا اللباس الغريب.

مرّت دقائق وساعات ولم تعد المرأة الغامضة وفارس ما زال ينتظر وقد جن جنونه، وخرج من السيارة وأخذ يبحث عنها في الشوارع حتى وصل إلى أحد الشوارع وكانت بجانبه مقبرة فقال في نفسه: مثل هذه المجنونة الغريبة ليس من المستبعد أن تكون في هذه المقبرة، فقرر فارس أن يدخل المقبرة بعد أن تغلب على خوفه، فدخل وبدأ يسير بين القبور حتى رأى قبرا قديما كأنه نفس القبر الذي رآه في الصحراء.

دفع الفضول فارس للاقتراب من القبر وأخذ يزيل الغبار الذي تراكم عليه منذ زمن لعله يقرأ اسم صاحب القبر، وقد كتب عليه (1790) دفن هنا أبن ... والكلمات الأخرى قد مسحت مع الوقت، وفي وسط القبر كتب بلغة عربية منقوشة على الحجر:[/align:124e51a15d]

يا زائري لا تخف وأنت تنظر قبري
يا زائري أنا قدرك وأنت قدري
يا زائري أنا منك وأنت مني
يا زائري أحفر التراب ولا تتركني
يا زائري أغلق قبرك يفتح قبري
يا زائري أفتح القبر فأنت مخلصي

[align=justify:124e51a15d]وما أن قرأ فارس هذه الكلمات حتى أصابته حالة من الهستيريا وبدأ برفع بلاطة القبر بكلتا يديه، ويحاول ولكن دون جدوى، فوزن البلاطة كان أثقل من أن يستطع رفعها لوحده، وصبر فارس بدأ ينفذ ولمعت في رأسه فكرة أدخلت السرور إلى قلبه، وفارس لا يعجز عن حل مشكلة أدار السيارة وتوجه إلى الورش القريبة من الشارع ونادى على العامل الذي يقوم بحراسة الورش وطلب منه فأسا وطورية، ولكن العامل أرتاب في أمر فارس وخاصة أن الليل قد حل دون أن يدرك فارس ذلك، وأخذ العامل يسأل فارس: شو بدك في الطورية في هالليل؟

قال فارس: شو الغريب في الموضوع؟

قال الحارس: لاء بس واحد مثلك كله غبار وتراب وراكب مرسيدس وجاي في هالليل يطلب طورية وفاس يعني مش اشي غريب؟!

فقال فارس وهو يضحك: اسمع ... أنا قتلت واحد وبدي أروح أدفنوا، خذ (200) شيكل واعطيني اللي طلبتوا وخليني اتسهل.

فضحك الحارس أيضا وقال: لا شكلك قاتل عشرة مش واحد.

فقال فارس: يا عمي أنت عامل فيها قصة، بدك تبيعني فاس وطورية وإذا ما بدك خلصني.

فقال الحارس: اسمع يا حبيبي ... لا أنا عامل فيها قصة ولا بدي أعمل قصة العدّة مش إلي هي لصاحب العمارة روح اطلبها منه وسيبني بحالي .

نظر فارس إلى الحارس نظرة اشمئزاز وسار عدة أمتار باتجاه السيارة ولكنه عاد إلى الحارس وقال له: شو أسمك أنت؟

فقال الحارس: شو بدك في اسمي؟؟

فقال فارس: شو خايف تقوللي اسمك؟

فقال: اسمي محمد.

فقال فارس: اسمع يا محمد ... أنت باين عليك زلمة محترم وأنا بدي أقلك الصحيح، أنا رايح أطول كنز مدفون قريب من هون، إذا بتيجي تساعدني بعطيك ربع الكنز .

فقال الحارس: شو أنت بتتهبل علي؟

قال فارس: يا محمد على الحساب ما أنت ذكي، يعني واحد مثلي راكب مرسيدس شو بدوا في الفأس والطورية إلا علشان الكنوز المدفونة، وعلى فكرة حتى السيارة هاي أنا اشتريتها من ورا الكنوز اللي بطولها في الليل ومبين أنه أنت كمان طاقة الفرج انفتحت لك، بدك تيجي معي ولا أروح أشوف واحد غيرك؟.

وأدار فارس ظهره للحارس وسار ذاهباً، إلا أن الحارس لحق به وقال: سأحضر معك ولكن تعطيني نصف الكنز.

ابتسم فارس وقال له: لا يا حبيبي بس الربع، وإذا أنت مش حابب بشوف غيرك.

وافق الحارس حتى لا يضيّع فرصة العمر وعاد إلى الورشة وأحضر معدات كثيرة ووضعها في السيارة وأخذ عهدا من فارس أن لا يغدر به بعد إخراج الكنز .

التفت فارس إلى الحارس وقال له: هيا يا محمد تحرك يا حبيبي وتعال نفتح القبر ونطلع الكنز، بلكي ربنا فتحها عليك مثل ما هو فاتحها علي.

ولكن الحارس لم يتكلم كلمة واحدة ولم يتحرك من مكانه واستمر فارس في حديثه وقد وجدها فرصة للانتقام واشفاء غليله من الحارس وما فعله به.

وقال له: يالله يا محمد ليش خايف هو أنت لسه شفت اشي من اللي أنا شفته، ما أنا قلتلك اعطيني الفاس والطورية وما تعملهاش قصة بس أنت باين أمك داعيالك.

رمق الحارس فارس بنظرة مرعوبة وألقى بالعدة التي يحملها على الارض وقال: مبروك عليك الفاس ومبروك عليك الطورية والكنز وكمان ما بدي توصلني أنا وراي أولاد وبدي اعيشهم.

واخذ الحارس يركض هارباً مرعوباً، ورغم عتمة الليل الموحشة ورائحة الموت المنتشرة بين القبور ورهبة المكان أخذ فارس يضحك من تصرفات الحارس ضحكة خرجت من أعماق نفسه، وما أن تلاشى صداها في سكون الليل بين الأموات حتى عاد الخوف والذعر إلى قلبه بعد أن وجد نفسه وحيداً ومع كل خرفشة ورقة أو صوتٍ آت من بعيد أو قريب تخيل له عشرات الصور، فتارة يخيل له أن القبور ستفتح وسيخرج الأموات من قبورهم كما يحدث في أفلام الرعب.

استجمع فارس شجاعته وحمل المعدات واقترب من القبر أكثر فأكثر ليرى جمجمة صغيرة أخرى وضعت على القبر، استجمع قوته وواسى نفسه فقد اعتاد على رؤيتها ونظر إلى الكتابة الموجودة على القبر وشعر أن هناك شيئاً قد تغير، أشعل ولاعة السجائر ليرى على نارها أن الكتابة المنقوشة والتي قرأها قبل عدة ساعات قد تغيرت وأن الكتابة الجديدة أيضا منقوشة على الحجر وقد حلت مكانها وأخذ بقراءتها:[/align:124e51a15d]

أظلمت الدنيا ومخلصي عاد ولم يعد
حكم علي أن أبقى وحدي لأيام جدد
حلمي في مخلصي كان غير ما اعتقد
كنت أظن أن مخلصي قبل الغروب سيعد

[align=justify:124e51a15d]لم يستطع فارس الصراخ أو التحدث بل أغلق عينيه مستسلماً للموت والأموات الذين يحيطون به، وفي هذه اللحظات شعر فارس بأن أحدهم قد سكب الماء على وجهه، وفتح عينيه ليرى ضوءاً موجهاً إلى وجهه ويسمع صوتاً يقول له بلغة عبرية: ماذا تفعل هنا؟

لم يستطع فارس النطق من هول الصدمة وبدأ يستعيد وعيه شيئاً فشيئاً ليجد نفسه يجلس على كرسي في مركز شرطة طبريا وأن الأموات الذين تخيلهم ما هم إلا شرطة. يقترب أحد ضباط الشرطة من فارس وهو يحمل بيده كوباً من القهوة ويناولها لفارس ويجلس بجانبه ويقول له: أشرب القهوة ... استيقظ.

ويشعر فارس براحه كبيرة حينما رأى أن الضابط هو أبن عمته سعيد العامل في شرطة طبريا، يحتسي فارس القهوة ويبدأ الحديث مع سعيد ليقاطعه ويقول له: ممنوع علي الحديث الآن معك، سنتحدث بعد أن يتم التحقيق معك من قبل الضابط المسؤول، وتم التحقيق مع فارس لعدة ساعات وأخذت إفادته ليحضر بعد ذلك سعيد ويجلسه ويقول له فارس: لماذا كل هذه القصة، هل القانون يمنع الجلوس في المقابر؟.

فقال سعيد: فارس حينما قبضت عليك الشرطة وأغمي عليك كانوا يظنون أنك أحد مدمني المخدرات ولكن بعد أن رأوا ملابسك المتسخة بالغبار والمعدات التي بحوزتك أصبح الأمر أخطر من ذلك، فأنت الآن تواجه مشكلة كبيرة وسيتم فحص المقبرة في الصباح، وإن وجدوا أي تخريب ستكون المتهم الوحيد، وإن لم يجدوا ستتهم بمحاولة تدنيس وتخريب مقبرة يهودية، وهذه عقوبتها ليست بسيطة.

ذهل فارس من كلام سعيد، ومن الورطة الكبيرة التي وقع فيها فقال لسعيد: هل تستطيع أن تخرجني بكفالة؟

ربّت سعيد على كتف فارس وقال له: دعنا نرى ما سيحدث غداً وعلى العموم لقد بلغت أهلك أنك متواجد عندي في البيت في حيفا حتى لا يقلقوا عليك.

مرت (48) ساعة ووجهت لفارس تهمة محاولة تدنيس وتخريب مقبرة وتم إخراجه من الحجز بكفالة مالية لحين المحاكمة، وعاد فارس إلى البيت وهو يفكر في هذا القدر الغريب الذي تقوده إليه هذه المرأة الغامضة التي تسكن القبور وتلعب بالجماجم.

مرت الساعات وحل المساء وفارس في حالة شرود وذهول يفكر فيما حدث معه ويفكر في ياسمين (الغامضة)، ولم يخرجه من ذهوله إلا صوت رنين الجرس المتقطع على الباب الخارجي للبيت، وتوجه علاء الأخ الأصغر لفارس باتجاه الباب وفتحه وبعد لحظات عاد إلى فارس وقال له بلهجة ساخرة: فارس في (نينجا) برا بدها اياك!!

فرمقه فارس بنظرة تعجب وقال لعلاء: ماذا تقصد؟

فرد علاء: في الخارج امرأة مقنعة تسأل عنك.[/align:124e51a15d]

عاشق المساء
27-10-2005, 17:48
ألف شكرا لكن يستر على مستر عجل فيها شوية علشان طلعت روحي وانا متابع هالقصة بتعرف شغلة ما عدت اشتغلت شي بس عم تابع هالقصة المشوقة والطويلة زيادة عن اللزوم :x :x :x :x :x

Dehumanizer
28-10-2005, 12:31
الحلقة (5)

[align=justify:e7077f5e03]دق قلب فارس بقوة حينما رآها وأراد أن يمطرها بعشرات الأسئلة لولا أنه أدرك أن أخاه الأصغر علاء قريب منه، فتمالك أعصابه وحاول أن يخفي ارتباكه وقال: تفضلي ...

سارت المرأة المقنعة ياسمين إلى داخل البيت وعلاء يراقب المنظر بفضول، فهو لم يعتد على رؤية امرأة مقنعة بهذا الشكل. جلست ياسمين على الكنبة وطلب فارس من علاء أن يذهب ويطلب من الوالدة تحضير القهوة وبإشارة واضحة أن يتركهما لوحدهما، وجلس فارس وأخذ ينظر بتمعن إلى ياسمين من رأسها إلى أخمص قدميها وقال بصوت هادئ ومرهق: كيف حالك يا ياسمين؟

فقالت: أنا بخير، كيف حالك أنت يا فارس؟ وين اختفيت من يومين؟

ابتسم فارس ورمق ياسمين بنظرة حادة وقال: كنت في رحلة إلى جزر القمر.

قالت: وأين جزر القمر هذه؟

فقال: في حجز شرطة طبريا يا ياسمين.

فقالت: وماذا كنت تفعل هناك؟

قال: اسألي نفسك ماذا كنت أفعل؟

قالت: وما دخلي أنا؟ وكيف لي أن أعرف ماذا كنت تعمل؟

فقال: مسكينة ... ليس لك دخل بشي، لا بالقبور ولا بالجماجم وحتى الأشعار المنقوشة على القبور لا دخل لك بها.

فقالت مستفزة : شو يا فارس ارجعنا نحكي على القبور والكلام الفاضي؟

فقال: بسببك كدت أن أدخل السجن لسنوات طويلة والله اعلم ماذا سيحدث معي.

فقالت غاضبة: وما دخلي أنا؟ أهذا لأني تأخرت، لم يكن الأمر بيدي وإلا لما تأخرت.

فقال فارس: حسب الكلام المنقوش على القبر أنا الذي تأخرت ولست أنتي.

فقالت: فارس لماذا تصر على أن تحدثني عن القبور، ما دخلي أنا بهذا؟

فقال: ما دخلك أنتي؟ أليس هذا المكان الذي تسكنيه؟ ألم تذهبي إلى هناك وتتركيني أنتظرك لساعات حتى اضطررت أن أجن وأدخل المقبرة؟ ولحسن حظي أني وصلت متأخراً وإلا لفتحت القبر، وقبض علي وسجنت لعدة سنوات.

فقالت ياسمين: ماذا تقصد، هل أنت مجنون، ما دخلي أنا بهذا الجنون الذي تتحدث عنه؟ أنا حينما تركتك ذهبت إلى طبيب نساء وتأخرت عنك رغماً عني، وإن واصلت حديثك بهذه الطريقة المجنونة فنصيحتي لك أن تذهب إلى طبيب نفسي ليعالجك، لأنك تحلم أكثر من اللازم وترى أشياء لا وجود لها إلا في خيالك، أكل هذا لأني أرتدي الخمار؟ سأخلع الخمار يا فارس، سأخلع الخمار إن كان هذا سيخرجك من جنونك.

فقال فارس: هيا افعلي هذا.

فقالت: أمصر؟

فقال: ها أنا أنتظر.

فقالت: ولكن إن فعلت هذا فلن تراني إلى الأبد.

فقال: أن لا أراك خيراً من أن أراك وأنا لا أراك.

قاطعته قائلة: يا فارس أنا جميلة لدرجة لا توصف وجمالي ليس من هذا الزمان، وإن رأيتني الآن ستندم طوال عمرك، أنصحك للمرة الأخيرة أن تصبر حتى يحين الوقت.

فقال: لا يهمني، هيا نفذي ما قلت يا ياسمين.

فقالت: آه لو علمت عدد السنوات التي انتظرت قدومك بها لغيرت رأيك.

فقال: لا أريد أن أعلم شيئاً، فقط أريد أن أراك وأنهي هذه اللعبة.

فقالت وبنبرة حزينة: آه يا مخلصي لو كنت تعلم ما تخفيه لك الأيام لما عجلت بنهايتي ونهايتك.

فقال فارس: اسمعي يا شاعرة القبور والجماجم، لن تؤثري علي بكلامك، الآن إما أن تخلعي هذا الخمار وإما ...

فقالت: وإما ماذا؟

فقال: سأمزقه بيدي وأخرجك منه بالقوة.

فضحكت ياسمين مستفزة فارس: إن كنت تستطيع فلم لم تفعل هذا بالسابق؟ هيا أفعل هذا الآن ووفر الوقت علي وعلى نفسك، هيا هل أنت خائف؟ تحرك يا فارس لا تخف، نفذ كلامك.

أستفز فارس وغضب ووقف واقترب من ياسمين ومد يداه ليمزق الخمار، وصوت ضحكات ياسمين تستفزه أكثر وأكثر وكأنها تدفعه أن يفعل ... ويمزق فارس الخمار بقوة ليرى ماذا يخفي هذا الخمار ... وما أن انتهى حتى عاد إلى الوراء عدة خطوات وعيونه متسمرة باتجاه ياسمين التي ما زالت تضحك، ويجلس مسترخياً على الكنبة شارد الذهن لا يقوى على الحراك وما زالت عيونه متسمرة باتجاه ياسمين.

يصحو على صوت أخاه الأصغر علاء الذي يناديه: فارس ..فارس .. سلامة عقلك خذ واشرب القهوة، بس وين صاحبتك (النينجا) راحت؟

شقشق فارس عينيه وجال فيها بأنحاء الغرفة وفركها وسأل أخوه علاء عن ياسمين: وين راحت وين اختفت؟ كيف طلعت ومن وين طلعت؟.

فرد علاء: كيف طلعت، أكيد طلعت من الباب.

نهض فارس مسرعاً دون أن يأبه بعلاء الذي ما زال يحدثه واستقل السيارة وانطلق بها يشتم ويلعن ياسمين بكل الشتائم التي عرفها في حياته، دار بالشوارع حتى هدأ من غضبه وأخذ يستعيد أحداث الصالون من لحظة دخولها إلى لحظة وقوفه وتمزيق الخمار، ولكن لم يستطع أن يتذكر ماذا رأى خلف الخمار وأخذ يتمنى أن يرى ياسمين ولو للحظة واحدة فقط ليقول لها اذهبي إلى جهنم وإياك أن أراك أو أسمع صوتك، ولا أريد أن أعرفك ولا يهمني من أنت، فأنت مجرد مريضة، مجنونة تعشق القبور والجماجم، تختفي خلف قناع أسود لتخفي خلفه قباحة لا مثيل لها، أو أنت مصابة بمرض الجدري، مقرفة لدرجة تثير الاشمئزاز، أو أنت ممسوخة على شكل خنزير بري.

وأخذ فارس يتخيل فعلاً لو أنها على شكل خنزير وأثار هذا المنظر الضحك في نفس فارس وهدأ من روعه واتجه إلى مكتبه في الناصرة ودخل وأخبر السكرتيرة إن سأل عنه أي شخص فلتخبره أنه لم يأت وأن لا تحول له أية مكالمة مهما كانت مهمة.

وردت السكرتيرة: حاضر أستاذ فارس، ولكن هناك امرأة في الداخل تنتظرك منذ وقت.

نظر إليها فارس وقال: من هي؟

فابتسمت السكرتيرة وأشارت بيديها بما معناه أنها لا تعرف فشعر فارس من أسلوب السكرتيرة الساخر بأنها تتحدث عن ياسمين، ودخل فارس بهدوء حتى لا يثير الارتياب، وما أن دخل حتى رأى ياسمين تجلس على مكتبه وتقرأ أوراقه وكأنها صاحبة المكتب وكأنه هو الضيف بحيث لا تأبه بوجوده فجلس فارس على الكنبة وأخذ ينظر إلى ياسمين وتبسم، فرفعت ياسمين رأسها وقالت بهدوء: كيفك يا فارس، ليش متأخر لهلاء؟

فقال لها فارس: والله يا ست ياسمين لو بعرف أنه حضرتك موجودة ما كنت تأخرت.

فقالت: طيب مرة ثانية ما تتأخر.

فابتسم فارس وعادت ياسمين تقرأ الاوراق ومن ثم قالت: فارس أديش معك فلوس؟

ضحك فارس وقال: ليش بتسألي؟

فقالت: جاوبني أول؟

فقال فارس: الحمد لله من يوم ما شفتك وأنا شايف الخير، اسأليني أديش أنا مديون على شان أقدر أجاوبك.

فقالت: أنا بعرف انك مديون بس أديش بتقدر تدبر فلوس؟

فقال: مليح إذا بقدر أدبر بنزين سيارة.

فقالت: لا أنت بتقدر تدبر 520 ألف شيكل.

فضحك فارس وقال: يا سلام بسهولة.[/align:e7077f5e03]

عاشق المساء
28-10-2005, 14:23
مشكور عنجد حلوة لكن الله يجيبك يا طولة البال

بس ممكن سؤال هلق ( الشيكل ) هي عملة فلسطين ؟

شكررررررررررررررررررررررررررررررا

THE DARK LORD
28-10-2005, 16:02
خيو الله يعطيك الف عافية انا ماكنت ناوي احكي لا تخلص القصة :!: :!: بس اشفي يعني وسوستني أعرف الكمالة :twisted: :twisted: على كلاً الله يعطيك الف عافية يا دهيو وشكراً 8)

Dehumanizer
29-10-2005, 04:14
الحلقة (6)

[align=justify:4b59912b2d]فقالت: بيع السيارة وبيع بيتكم القديم لأنه هيك هيك مش عم تستغلوه، وفي مع أمك عشرين ألف شيكل ومع علاء أخوك خمسة وثلاثون ألف شيكل، وسوارة الذهب اللي مخبيها في الخزانة يتجيب ثلاثة آلاف شيكل، والبنت اللي قاعدة بره وبتحبك كثير راح تدبر لك كمان سبعة آلاف شيكل وفي على سامي أبن عمك ألف وخمسمائة شيكل، والفرش اللي في المكتب بعد ما تخسر فيه بيجيب خمسة آلاف شيكل وأنت ناسي في بنطلونك القديم ثلاثمائة شيكل، بصير المبلغ 520 ألف شيكل بالضبط مش ناقصين ولا أغورة وحدة، وإذا بديت اليوم بعد 48 ساعة بكون معك كل المبلغ، وبتروح بتدفع مبلغ العشرين ألف شيكل اللي عليك دين للبنك وبتحط باقي المبلغ في البنك وبتقدم قرض، وعلاقتك مع البنك مليحة وممكن توخذ كمان 200 ألف شيكل، وهيك بيصير معك مبلغ 430 ألف شيكل.

أندهش فارس وذهل لمعرفة ياسمين بكل هذه التفاصيل الدقيقة التي هو نفسه لا يعرفها وقال: ياسمين أنتي كيف بتعرفي كل هاي المعلومات؟

فقالت: أنا بعرف كل اشي بدي أعرفه، المهم أنت تحرك واجمع المبلغ.

فضحك فارس وقال ساخراً: حاضر يا ياسمين كلامك والله مقنع بس في مشكلة وحدة، أنا لما أبيع السيارة كيف راح اقدر أوصلك على المقابر؟ وأخذ فارس يضحك بصوت عال.

وبهدوء قالت ياسمين وهي مبتسمة: بسيطة بتستأجر سيارة يا شاطر.

فقال: طيب وبعد ما أجمع هالمبلغ، رح نتصور جنبه صورة تذكارية أنا وأنتي، عفواً فارس والشبح الأسود، وضحك فارس.

وأجابت ياسمين بهدوء: لا يا حبيبي أنت حتجمع المبلغ وأنا بقول لك عن قطعة أرض بتروح بتشتريها بكل المبلغ وبعدين بقلك كيف تبيعها، فيا بنخرب بيتك وبتشحد أو بتتغير كل أحوالك.

وجد فارس حديث ياسمين ممتعاً وأيضا فرصة للسخرية منها وقال: طيب يا حبيبتي مش لما أشوف وجهك الحلو أول علشان أنجن بجمالك وأخرب بيتي بأيدي؟

فقالت: ايش صرلك لك يا فارس نسيت بهالسرعة، مش قعدنا مع بعض ساعات في بيتك، ولا نسيت وقاحتك في مد ايدك وشق الخمار عن وجهي حتى تشوفه؟ نعم أنا ما بستغرب أنك نسيت بهالسرعة، أنت وقت شفتني فقدت قدرتك على التركيز، سلامة عقلك يا حبيبي.

فقال فارس: هذا صحيح أنا مزقت الخمار حتى أرى وجهك ولكني لا اذكر ماذا حدث بعدها ولا اذكر أني رأيتك ولا أذكر ماذا كان تحت الخمار، لا بد أنك سحرتني.

فقالت: أنت يا مجنون يا أهبل وأنا شو خصني إذا أنت ما بتذكّر شيء بعد ساعة، وإذا أنا سحرتك فيا حبيبي جمالي بسحر وبوخذ العقل علشان هيك دير بالك على عقلك وعلشان أذكرك انك شفت وجهي اللي حلو كثير وعيوني الوساع وشعري الناعم اللي زي الحرير.

قاطعها فارس وقال: بعرف حفظت كل الكلام اللي بدك تحكيه وأكثر من هيك أنا ما بدي أشوفك ولا أشوف جمالك.

فقالت: لا مش صحيح أنت حاب تشوفني كثير.

فقال: لا أنا ما بدي أشوفك.

فقالت: يا حبيبي أنت مش راح تعرف تنام الليل إلا لما تشوفني مليح لا تضحك على نفسك.

فقال: كان زمان يا شاطرة، أنت اليوم بالنسبة إلي مجرد وحده لابسه أسود بأسود مش مهم عندي إذا أنتي حلوة أو مش حلوة، أنا مش فاضي أتسلى مع وحده مثلك، شكراً يا روحي الوقت خلص شوفي واحد ثاني عنده فضول أكثر مني علشان يطارد وراك في المقابر يا شاعرة القبور يا أم الجماجم .

فقالت ياسمين ذات الخمار بلهجة حزينة ولا بد أن بعض الدموع قد رافقتها من تحت الخمار: الله يسامحك يا فارس، الله يسامحك، أنا يا فارس ما بتسلى، أنا حبيتك فعلاً وأنت الوحيد اللي حبيتك وما بدي يصير فيك اشي، أنت غير عنهم كلهم فارس أنت ما بتعرف قصتي ولا قصتك أنت يا فارس، أسمع كلامي علشان أقدر أساعدك وأساعد نفسي ولا تحرجني أكثر من هيك، يا فارس صدقني أنا حبيتك وما بدي إلا أخلص وأخلصك معي، فارس أنا ما بدي تشوفني علشانك أنت وعلشان تكون مخلّصي، أرجوك يا فارس أعمل اللي بقلك عليه أرجوك ولا تسأل كثير أرجوك بلاش تفكر تشوفني هلاء وخليني أنا أساعدك علشان تشوفني، أرجوك ... أرجوك.

وأخذت ياسمين تبكي وبرغم أن الدموع يخيفيها الخمار إلا أنه بدا واضحاً لفارس أنها تبكي بصدق، صمت فارس للحظات واخذ يستعيد في ذكرياته المآسي والمصائب التي واجهته منذ أن ظهرت ياسمين المقنعة في حياته وأخذ يمر في مخيلته صور القبور الغريبة والجماجم وحار بين قرارين إما أن يطردها فوراً من حياته برغم من أنه يشعر بأنه يحبها بجنون، وإما أن يسير خلفها نحو المجهول الذي لا يعلمه، فأثارت غضباً شديدأً في أعماق فارس وأخذ يصرخ بها قائلاً: يا هلاء بشوفك وبعرف مين أنتي، يا اطلعي من حياتي وما بدي أشوفك.

فقاطعته ياسمين بصوت هادئ: أرجوك يا فارس، والله أنا جميلة أصبر شوي أصبر بس شوي.

فقال فارس: هلاء هلاء، أو روحي.

فقاطعته ياسمين: بس بحذرك يا فارس، أنت ما بتعرف أشي.

فصرخ فارس في وجه ياسمين وقال: ما بدي أعرف اشي وما يهمني حلوة أنتي ولا مش حلوة، شغلة وحدة بس ... أنا بدي تنقلعي من مكتبي من غير رجعة، وأمسك فارس بيد ياسمين وسحبها بقوة وهو يصرخ: انصرفي من هون، انصرفي من هون.

وبحركة سريعة دفعت ياسمين فارس لتلقيه على الأرض وتقف أمامه وبلهجة مليئة بالغضب والثقة تقول: لقد حذرتك يا فارس، والآن أنظر إلى مصيرك الملعون.

وأخذت ياسمين تخلع الخمار والرداء والكفوف حتى الحذاء، ولم يبق على جسدها إلا قميص أزرق قصير ناعم وشفاف علق بخيطين رفيعين بكتفيها وبالكاد يخفي ولا يخفي جسدها، وعيني فارس متسمرة مذهولة مما يرى.

وتنظر ياسمين إلى فارس وتحثه على أن ينظر إليها وتقول: أنظر إلى مصيرك الملعون يا فارس، إن كان الله قد خلق على الأرض جميلة فهي أنا، أتريد أن تعرف من أكون؟ لقد حذرتك أن لا تعرف ولكن سأقول لك من أنا ...[/align:4b59912b2d]

THE DARK LORD
29-10-2005, 08:21
لك ينعن عالم :twisted:
كمل ابوس ايدك كمل

عاشق المساء
29-10-2005, 16:14
حدا قلك قبلي انك بتشوق بأحتراف خلصنا يا زلمة
مشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــكور
PDT_Armataz_01_19

Dehumanizer
29-10-2005, 16:58
الحلقة (7)

[align=justify:a0a808c517]أنا لعنة أبوك وأبو أبوك وأجدادك، أنا لعنة حتطاردك وتطارد أولاد أولادك، دموعي وحسرتي أنا وأمي وأم أمي حتذوقها ومن قبلك أجدادك، ومثل ما حكمتم على كل أنثى فينا تولد وتعيش بقبر، حنفتح لكل بكر في عيلتكم قبر ... حنفتح لكل بكر في عيلتكم قبر.

وهلاء الدور عليك أنت يا فارس أنت بكر عيلتكم، أنا حاولت أنقذك من مصيرك المشؤوم وأنهي مشكلتك ومشكلتي بس أنت مثل أجدادك، لو ما شفتني يا فارس كان في أمل أنك تعيش تحت الشمس مثل كل الناس وكان ممكن تخلصني أنا من ظلمة القبور وكان ممكن تكون نور المستقبل بس أنت من دمهم وطباعك من طباعهم، وهلاء يا فارس حتدور من قبر لقبر، وإن ربك رحمك حتلاقي القبر اللي بناسبك اللي ما راح تعرف فيه ليلك من نهارك.

ارتدت ياسمين عباءتها ورمقت فارس بنظرة حادة استمرت لحظات خُيل لفارس أنها الدهر، وغطت وجهها بالخمار وفتحت الباب وخرجت وفارس ما زال يجلس على الأرض مذهولاً مما رأى ومما سمع، وأدرك أنه أمام مأزق كبير جداً أكثر مما كان يتصور، وأن في الأمر سر كبير كان مخفياً تحت ذلك الخمار وأن الأمر لم يعد كما كان يتصور مجرد تسلية لفتاة تختفي تحت الخمار، وأخذ يتساءل، ترى ما هو السر الذي يجعل فتاة مثل ياسمين تتصرف على هذا النحو، هل هي مجنونة؟

وأخذ فارس يتذكر لقاءه الأول مع ياسمين والصدف الغريبة التي حدثت والتي لم يأبه ولم يعرها أي انتباه، وتذكر الكلمات المنقوشة على القبور، وكيف كانت تتغير من كتابة إلى أخرى والتفاصيل التي تعرفها عنه هذه المرأة الغريبة والتي هو يجهلها، وجد فارس نفسه أمام لغز معقد يعجز عن حله.

خرج فارس من غرفة مكتبه إلى الردهة، حيث تجلس السكرتيرة ليجدها تغط بنوم عميق على المكتب وبين يديها جمجمة صغيرة كتلك التي يراها دائماً مع المرأة المقنعة ياسمين، سحب فارس الجمجمة الصغيرة من يد السكرتيرة بهدوء حتى لا تستيقظ وتراها، ووضعها في جرار مكتبه ثم عاد وأيقظ السكرتيرة من نومها لتفتح السكرتيرة عينيها وتنظر إلى فارس وتبدأ بالضحك.

ويسألها فارس: على ماذا تضحكين؟

فتقول السكرتيرة: لا أدري كيف غلبني النوم ولكني حلمت بك حلماً مضحكاً.

فقال: وما هو هذا الحلم المضحك؟

فقالت: لقد حلمت أننا تزوجنا وأصبح لدينا ولد وبنت، وسمينا الولد قبرا والبنت جمجمة، أقشعر بدن فارس لهذا الكلام ولكنه تظاهر بأنه يبتسم، وأخذت السكرتيرة تلتفت حولها وتفتح الجوارير وتفتش على الرفوف.

سألها فارس: عما تبحثين؟

فقالت: أبحث عن الجمجمة.

دُهش فارس وقال: عن أي جمجمة تتحدثين؟

فقالت: جمجمة كانت معي، أين ذهبت؟

ونظرت السكرتيرة إلى فارس وأخذت تصرخ فيه: أنت أخذتها، أعدها إلي هيا أعدها، إنها لي ولن تسرقها أعدها.

أمسك فارس بيدها وأخذ يهدئ من غضبها وهو قد أدرك أن في الأمر شيئاً غريباً، ولكن غضب السكرتيرة زاد وصراخها قد ارتفع وليتجنب فارس الفضائح دخل إلى مكتبه وأعاد إليها الجمجمة، أمسكتها السكرتيرة وكأن روحها قد عادت إليها، وهدأت وهي تضحك وتقبل الجمجمة وفارس ينظر إليها بدهشة وهو على يقين بأن ياسمين هي التي تقف وراء ما يحدث.

وقال فارس لها: من أين حصلت على هذه الجمجمة؟

فقالت: إنها من صديقتي، إنها تجلب الأحلام السعيدة وتحقق الأماني، فقط كل ما علي أن أمسكها وأنظر في عيونها وأتمنى أي شيء ليحدث فوراً، ألا تصدقني؟ أنظر ماذا سأفعل الآن، سأتمنى ... ماذا أتمنى، سأتمنى أن تتصل أمي بي، الآن أنظر، وبأقل من لحظة رن جرس الهاتف، فقالت: أرفع السماعة يا فارس لتتأكد أنها أمي، أنا تمنيت ذلك أرفع السماعة لتتأكد أنها أمي، فما أتمناه يحدث فوراً.

رفع فارس السماعة ووضعها على أذنه ليرد عليه الطرف الآخر قائلاً: صدقها يا حبيبي كل اللي حتتمناه حيصير.

فقال: ياسمين مين أنتي وايش بدك يا ياسمين؟

فقالت: أنا حلمك القديم يا حبيبي، وأغلقت الخط .

ونظرت السكرتيرة إلى فارس وقالت: أصدقت الآن أنها أمي، أليس كذلك؟ إنها أمي، أنا تمنيت ذلك وها هو قد حدث، أتريد أن أتمنى لك شيئاً؟ أطلب ماذا تريد، هل تريد أن أوصلك إلى البيت؟ هيا لأوصلك .

اصطحبها فارس معه بسيارته، وفي الطريق خطف فارس الجمجمة من بين يديها وألقاها من نافذة السيارة وقال لها: كفاك أمنيات لهذا اليوم، وأخذت السكرتيرة تبكي وترجوه أن يقف لتستعيد الجمجمة ولكن فارس لم يأبه لرجائها وسار بسرعة وهي ما زالت ترجوه وتبكي حتى فقدت الأمل وهدأت وكأن شيئا لم يكن.

وصل فارس وتوقف أمام منزلها فخرجت من السيارة باتجاه البيت وسارت عدة خطوات ولكنها عادت إلى نافذة السيارة وقالت: فارس أنا آسفة على اللي صار وعلى فكرة أنا مش زعلانة إنك رميت الجمجمة بتعرف ليش؟.

فابتسم فارس وقال: ليش؟

فقالت: علشان أنا معي وحدة ثانية، وأخرجت من جيبها جمجمة صغيرة أخرى وقالت: باي فارس، باي.

فوجئ فارس وقال: يا إلهي أي سحر هذا الذي تملكه ياسمين لتسيطر على الناس بهذه الطريقة، وسار فارس بسيارته بسرعة جنونية باتجاه البيت حتى وصل وقفز من السيارة ودخل البيت وأخذ يبحث عن أمه حتى وجدها وقال لها: أمي أحكيلي عن أبي كيف مات؟!

فنظرت أم فارس إليه مستغربة وقالت: ما بك ولم تسأل الآن؟

قال لها: أريد أن اعرف كيف مات؟

فقالت: مثل ما كل الناس بتموت ، عادي.

فقال: أليس بموته أي شيء غريب ؟!!

فقالت: كلا يا ولدي وليس هناك أي شيء غريب.

فقال: وجدي كيف مات؟

فقالت: ما بك يا فارس؟ ماذا حدث لك؟

فقال: أمي أحكي لي كل اللي بتعرفيه عن عائلتي، هذا مهم جداً، أحكي لي أي شيء تذكرينه أرجوك أمي.

وتحت إلحاح فارس: جلست والدته وأخذت تروي له حكاية أبوه وكيف مات، ولم يجد فارس فيها أي شيء غريب، وأخذ فارس يتذكر كلام ياسمين " أنا لعنة أبوك وأبو أبوك وأجدادك وراح نفتح لكل بكر في عيلتكم قبر"

وقال لأمه: أنا أكبر ولد في العيلة يعني بكر العيلة، مزبوط؟ طيب مين البكر من أعمامي، مين أكبر واحد؟!

فقالت: يا عمك نبيل يا عمك سامي .

فقال: طيب أحكي لي عن أعمامي.

فقالت: عمك نبيل كان في دول الخليج منذ زمان وعمك سامي مسافر في أمريكا.

وأخذ فارس يسأل وأمه تجيب ولكنه لم يحصل على أي شيء يستطيع من خلاله ربطه مع قصة ياسمين، حتى يأس وتناسى الموضوع.

رن جرس الهاتف فقفز فارس من مكانه لشعوره القوي أن ياسمين على الطرف الآخر ورفع السماعة، وصدق شعوره وكانت ياسمين على الطرف الآخر وقالت: فارس إذا بدك تعرف أكثر، أنا بستناك بكرة في حيفا بعد غروب الشمس، لا تتأخر.

فقال فارس: بس وين استناكي؟

فقالت: أنت بتعرف وين ... وأغلقت الهاتف.[/align:a0a808c517]

عاشق المساء
29-10-2005, 17:29
انا من اشد المعجبين بالقصة
و متابعها بشغف حتى اعرف ما سيحدث
مشكور والف شكر على قصتك الرائعة

Dehumanizer
30-10-2005, 17:41
الحلقة (8)

[align=justify:7b13e5d2d9]في اليوم التالي وبعد غروب الشمس توجه فارس إلى حيفا، ليلتقي بأم الجماجم، ولم يكن فارس ليخمن أين تنتظره، فهو يعلم أنها ستكون في أقرب مقبرة، ولم تكن لهفة فارس لمعرفة المزيد من المعلومات التي ستساعده على حل اللغز أكبر من لهفته واشتياقه الكبير لرؤية ياسمين أم الجماجم، ووصل فارس ووجد ياسمين جالسة على أحد القبور وهي ترتدي الخمار .

إقترب منها فارس وبادرته الكلام قائلة: في بالدنيا أجمل من هالمكان؟ ... مش ملاحظ أنك تعودت عليه وبطلت تشعر بالخوف زي الأول؟ تعال أقعد حدي يا فارس فوق هذا القبر.

انصاع فارس لطلبها وجلس كطفل صغير يتلقى الأوامر من أمه، وسألته قائلة: أتعلم يا فارس فوق قبر من تجلس؟

فقام فارس عن القبر بحركة لا شعورية وسريعة، فقالت له ياسمين بهدوء وثقة: لا تخاف يا حبيبي لا تخاف، الأموات ما بخوفوا حد، بس الطيبين هم اللي بخوفوا.

فقال فارس: ياسمين أنتي جنية ولا شبح ميت؟

فقالت: لا يا حبيبي، خلي عقلك كبير شوي وبلاش هيك أفكار، أنا مش جنية ولا شبح ميت، أنا إنسانة مثلي مثلك، ودمي من دمك وجذوري من جذورك والفرق بيني وبينك إني أنثى وأنت ذكر، وكل ما بدك تعرف أكثر لازم تفتح قبر وإن حبيت تعرف حكايتي وحكايتك، لا تخاف وافتح قبر، وراح تلاقي فيه اللي يساعدك واللي يدلك.

ووقفت ياسمين واقتربت من فارس وهمست في أذنه وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد: فارس أنا بعرف أنك بتحبني وأنا كمان بحبك يا فارس وقدري وقدرك راح يجمعنا بقبر واحد، لا تخاف يا فارس وافتح القبر علشان تعرف الحقيقة.

وسارت ياسمين بين القبور تاركة فارس خلفها، وعن بعد التفتت إلى فارس وقالت بصوت عال خُيل لفارس أن الأموات ستستيقظ من قبورها: إن طلعت الشمس يكون الوقت قد فات. واختفت ياسمين.

أخذ فارس ينظر إلى القبر الذي جلست عليه ياسمين وكلما فكر أن يفتحه ينتابه شعور كبير بالخوف وتقفز إلى مخيلته عشرات الصور عما قد يراه في داخل القبر، ولكن الفضول كان أقوى من الخوف، واقترب فارس من القبر وأخذ يحرك بلاطة القبر حتى أزاحها عن مكانها، ونظر داخل القبر فرأى غير ما كان يتوقعه، صندوقاً قديماً من النحاس كان يبدو عليه أنه صنع منذ مئات السنين.

أخرج فارس الصندوق من داخل القبر وفتحه ليرى ما بداخله وفي أقل من لحظة أغمض عينيه وفتحهما خُيل إليه انه سيجد في الصندوق قبل أن يفتحه جمجمة أو يداً مبتورة أو ربما إصبعاً أو أي شيء يبعث على الرعب والخوف، ولكن فارس وجد ما لم يكن يتوقعه، فقد وجد وثيقة زواج قديمة جداً تحمل اسم (سالم قاسم الدهري وجورجيت عيسى الشامي) وخاتمي زواج من الذهب كان واضحاً أنهما لم يستخدما منذ عشرات السنين.

كانت الوثيقة مهترئة والعث والعفن فعلا بها فعل الدهر في تغيير الأشياء، كانت الوثيقة مؤرخة قبل 150 عاماً إلا أنه كان من السهل قراءة المحتويات والتاريخ الذي يدل على توقيعهما قبل 150 عاماً والتي يظهر أنها سجلت وكتبت في الشام.

حمل فارس الصندوق وسار متعرجاً بين القبور في طريقه للخروج من المقبرة وهو يتلفت يميناً ويساراً خوفا من أن يراه أحد أو يقبض عليه أفراد من الشرطة في هذه الساعة وخاصة أنه ما زال يواجه تهمة تدنيس المقابر في المحكمة بسبب أم الجماجم وما حدث في مقبرة طبريا.

سار فارس بين القبور يبحث عن مخرج يخرجه من المقبرة بسلام ولكن على ما يبدو فقد ضل طريقه بين القبور، فأخذ يسير من جهة إلى أخرى وبحذر عسى أن يجد منفذاً يفضي به إلى الخارج، بحث طويلاً ولكن دون جدوى، وكأن المقبرة لم يعد لها أي مخرج، توقف فارس ونظر حوله في كل الاتجاهات ولم يستطع أن يتبين طريقه، قرر أن يسير بإحدى الاتجاهات حتى نهاية المقبرة ومن ثم يقفز عن سور المقبرة رغم علو ارتفاعه.

سار بين القبور في اتجاه واحد وبخط مستقيم، مشى فارس وكلما أعتقد أنه قطع مئات الأمتار كان يفاجأ بأنه قد عاد من حيث بدأ المسير وكأنه كان يمشي على كرة كلما لف لفة عاد إلى مكانه، وتوقف بعض الوقت وأخذ يحدث نفسه: أنا مشيت في هاي الجهة وبخط مستقيم يعني لازم يكون في بداية وفي نهاية، الظاهر أنه الخوف والقلق افقدني تركيزي.

كرر فارس المحاولة مرة أخرى بعد أن صمم على أن يسير بخط مستقيم وأخذ في حسابه أنه لن يلتف حول أي قبر حتى لو قفز عنه ففعل هذا ولكنه عاد إلى حيث بدأ، عندها أيقن فارس أنه متورط وأن ما يحدث أمر غير طبيعي، وأنه وقع في مصيدة ولن يخرج من هذه المقبرة حياً، وتذكر كلام ياسمين حينما قالت له أنها ستفتح له قبراً.

دب الخوف والذعر بقلب فارس وراح يشتم نفسه: ما أغباني لقد فتحت قبري بيدي، هل يعني هذا أني ميت ولن اخرج من هذه المقبرة؟

واستمر فارس بحديثه مع نفسه، يسألها ويجيب، أنا لن أموت إنني لست ميتاً ولهذا كلما سرت عدة أمتار عدت إلى نفس المكان، فالأموات لا يخرجون من المقابر وأنا لم أجد طريقي، كلا ربما أنا مجرد روح لميت وإن ما يحدث معي يدل على ذلك، جسدي مدفون وروحي طليقة يا إلهي سأصاب بالجنون، يا الهي ارحمني، إن كنت ميتاً أعلمني وإن كنت حياً أخرجني من محنتي ومن هذا المأزق.

وسار فارس باتجاه القبر الذي فتحه وفي داخله شك رهيب وخوف قاتل من أن يجد جسده ممدد في القبر، إقترب من القبر ونظر إلى داخله بحذر، تفحصه بعناية ودقة بحث في أرجائه ولم يجد شيئاً، هز رأسه ساخراً من نفسه محدثاً إياها متمتما: الحمد لله أنا مش مدفون يعني أنا مش ميت، بس أنا انجنيت وطار عقلي وانجنيت، على كل حال مجنون مجنون ... فمجنون عايش أحسن من عاقل ميت.

التفت فارس من جديد ليجد على بلاطة باب القبر التي أزاحها ليفتحه كتابة منقوشة بخط محفور على سطحها ولم يكن قد شاهدها من قبل، نظف الغبار عنها وأزاح بعض الطين الذي كان يواري جزءا منها وقرأ:[/align:7b13e5d2d9]

في كل قبر سر ولكل سر قبر
إذا خرج السر من القبر سار
وإن كشف القبر عن السر انهار
فتعال في الظلمة لتكون سري
أو اهرب من خيط نور قادم وأغلقني

[align=justify:7b13e5d2d9]وما أن قرأ فارس هذه العبارات حتى تذكر كلمات ياسمين الأخيرة التي قالتها له قبل أن تغادر المقبرة: فارس إن طلعت الشمس بكون الوقت فات.

أغلق فارس القبر بسرعة وحمل الصندوق وأخذ يركض مسرعاً، وما هي إلا عدة أمتار فقط حتى وجد نفسه خارج المقبرة وكانت الشمس قد بدأت بالبزوغ مشرقة، تنفس فارس الصعداء وأيقن أنه قد قضى ساعات طويلة داخل المقبرة، وسار باتجاه سيارته وفتحها وألقى بجسده على الكرسي وأدار المفتاح ليشغل المحرك، وفي لمحة عين انطلق بالسيارة بسرعة جنونية، فنظر في المرآة ليرى كتلة من السواد تجثم في الكرسي الخلفي.[/align:7b13e5d2d9]

THE DARK LORD
30-10-2005, 17:54
دهيو عنجد مشكور جداً جداً عالقصة الرائعة والله يعطيك الف عافية بس سؤال بالله كم حلقة هي القصة يعني مشان نعمل حسابتنا هههههههه الله يعطيك الف عافية معلم 8)

amar
30-10-2005, 19:31
والله يا اخي ديهيو يعجز السان والكلمات عن الشكر والتعليق على كل ما تكتب وهذا احد لاسباب التي تجعلني اقراء ما تكتب بدون رد لانه احس انني عاجز عن الرد والشكر

Dehumanizer
31-10-2005, 15:53
الحلقة (9)

[align=justify:77ab07e420]تملكه الخوف وأدار رأسه إلى الخلف ليجد ياسمين تقول له وهي تتثاءب: صباح الخير يا فارس، وبحركة سريعة وخفيفة انتقلت من المقعد الخلفي إلى المقعد الأمامي بجانب فارس، وتكمل حديثها وهي تتثائب: ليش طولت يا فارس، أنا ظليت استناك حتى نعست ونمت بدون ما ادري عن حالي.

فقال: إنتي عارفة ليش أنا طولت ولا بتتخوتي؟

فقالت: شو مالك على هالصبح؟ أنا شو بعرفني مش يمكن عجبتك القعدة علشان هيك طولت؟

قال: ياسمين إنتي الشيطان بحاله إنتي الشيطان اللي بنشوفوا في الأفلام الأجنبية، والي صار معاي في المقبرة معناه عمل شياطين.

فقالت: طيب يا حبيبي بلاش تشوف أفلام أجنبية كثير علشان صحتك وعقلك ما يصير ترللي، واحكيلي شو صار معك انا مش فاهمة اشي.

فقال: ما إنتي عارفة شو اللي صار، اختفت كل أبواب المقبرة، وما كان إلها نهاية، أنتي بدك تجننيني، خليتيني افتح القبر، أنتي أكيد ساحرة أنتي مش إنسانة مستحيل تكوني إنسانة، في واحدة في الدنيا كلها بتدخل مقابر في الليل وبتعمل اللي أنتي بتعمليه؟ أنتي شيطانة واللي بتعمليه واللي شفته منك من يوم ما عرفتك اشي بخلي العقل يطير وما بقدر عليه إنسان، شو بدك مني قولي لي وخلصيني، وإن كان هدفك تجنينيني، فانا انجنيت وخلاص.

فقالت: يا حبيبي من ناحية أنك راح تنجن فأنت راح تنجن أكيد، وهذا الموضوع ما في عندي فيه أي شك، بس لسه بكير عليك، وإذا كنت يا حبيبي بتقول عني شيطانة، فأنا أحلى شيطانة في حياتك، وعلى فكرة يا حبيبي بكره حتعرف أنه إذا كان في شياطين فتأكد أنهم تعلموا الشيطنة في مدرسة أجدادك، والشياطين يا حبيبي ما بتخلف ملائكة وبكرة حتعرف أصلك الراقي علشان تروح تنام وترتاح وتحلم أحلام سعيدة، وبرضو أنا تأخرت ولازم أروح، هلاء أتحرك وبنحكي في الطريق.

حرك فارس السيارة وسار يشق طريقه مسرعاً باتجاه مدينة الناصرة وعشرات الإسئلة تدور في رأسه أفقدته القدرة على التركيز في شيء، ويبدوا أن ياسمين أدركت حجم الإرهاق والتعب الشديد الذي ألم بفارس، وطلبت منه أن يوقف السيارة على يمين الشارع وأن ينزل منها، أوقف فارس السيارة ونزلت ياسمين واتجهت إلى الباب الآخر وفتحته وقالت لفارس: انزل يا حبيبي لا تخاف.

نزل فارس من السيارة وهو حائر من طلب ياسمين ذات الخمار ولكنها طلبت منه أن يجلس في الكرسي مكانها، وركبت هي خلف المقود أمام حيرة وذهول فارس من هذا الموقف، ومع أنه لم يعترض ولم يتفوه بكلمة واحدة، إنما ابتسم معجباً بالطريقة اللبقة التي تصرفت بها ياسمين.

أدارت محرك السيارة وقادتها ببراعة فائقة وكأنها خبيرة بالقيادة من عشرات السنين فقال فارس: ياسمين أنا ما عم افهم كيف بتقدري تشوفي من ورا هالخمار الأسود؟

فقالت: اللّي تعود على العتمة والظلام بيقدر يشوف في العتمة والظلام، فكيف عاد من وراء هالخمار، من ورا الخمار يا فارس بقدر أشوف الناس على حقيقتها.

قال: شو وجع هالقلب وحيرة هالدماغ يا ياسمين، أنتي حيرتيني معاكي، أنتي حلوة ومثل فلقة القمر ومش فاهم ليش لابسة أسود كنك بتجيبي الشؤم مثل الغراب.

قالت: أنا بعرف أني حلوة وأحلى من القمر كمان، بس أنا ما بحب يشوفني إلا جوزي وأبو بناتي.

قال فارس متفاجئاً: أنتي مجوزة يا ياسمين؟!

قالت: لا يا حبيبي أنا مش متجوزة، بس عن قريب ناوية أتجوزك أنت علشان نخلف بنات حلوات يطلعوا لأمهم ويكونوا أحلى من القمر.

قال: طيب ما دمت أنا اللي حتتجوزيه ورايح أصير أبو بناتك وأولادك، ليش ما تشيلي خمار الشؤم عاد؟

فقاطعته وقالت: أبو بناتي مش ولادي، علشان إحنا ما بنحب نخلف أولاد وبعدين إحنا ما تجوزنا بعد علشان أشيل الخمار، وعلشان نتجوز لازم أنت توافق تسكن معي.

قال: أنا يا حبيبتي مستعد أسكن معك وين ما بدك، إن شاء الله في جهنم، أنتي اطلبي وأنا بنفذ.

قالت: لا يا روحي خلي جهنم لعيلتك وذكورها، أنا وأنت حنسكن في قبر حلو ومرتب.

قال: ياسمين، خليني أرتاح، وقولي لي مين أنتي وشو حكايتك مع القبور؟

فقالت: في الصندوق اللي طلعتوا بداية الحكاية، وفي الصندوق انكتب قدري وقدرك واللي بصير لا هو ذنبي ولا ذنبك، علشان هيك ما تسألني كثير، دور بنفسك فكل شيء انكتب ومصيرك ملعون قبل ما تنولد ولا تلومني على اللي بده يصير، لوم أجدادك والعنهم كل حين.

قال: أنا مش فاهم يا ياسمين، كل اللي في الصندوق دبلتين ووثيقة زواج فيها أسماء، أنا شو دخلي فيها؟ أنا لا بعرف جورجيت الشامي ولا بعرف سالم الدهري؟

فقالت: أصلي وأصلك من هون إبتدا.

قال: يعني أنتي من عيلة الدهري؟

قالت ياسمين بغضب: ما بشرفنا ننحسب على عيلة الدهري وقذارتها.

قال فارس: طيب يا ياسمين بس علشان أفهم، أنتي مش من عيلة الدهري، أنتي من عيلة الشامي؟!

قالت ياسمين: لا عيلة الدهري ولا عيلة الشامي بتشرفنا.

قال فارس: معلش يا ياسمين أنا عقلي صغير يا ستي، خذيني على قد عقلي واشرحي لي شو قصدك من ورا كل هاللخبطات، شو بتقصدي من موضوع أصلي وأصلك، وشو أصلك إذا هو مش من عيلة الدهري ولا من عيلة الشامي، فهميني وخذيني على قد عقلي.

قالت: إحنا أصلنا من جورجيت، لا قبل جورجيت إلنا أصل ولا بعد جورجيت حيكون لنا أصل، ولما أنا راح أخلف بنت حتحمل أسم جورجيت، علشان كل بنت من نسل جورجيت مش راح تحمل أسم أبوها ولا أبو أبوها، حتحمل أسم أمها وأم أمها، وما بدنا من نسلنا ذكور ومش حنحمل أسم ذكور، وكل بنت حتحمل معها فخر وشرف جورجيت ودموع وعذاب جورجيت، وكل بنت حتحملها لبنتها ومن جيل لجيل مش حنشوف شمس ولا نور ما دام في ذكر من عيلة الشامي ومن عيلة الدهري بشوف النور.

بالرغم من حيرة فارس إلا أنه أبتسم وقال: يا لطيف على حقد النسوان، مع أني مش فاهم لهلاء اشي، بس أنا فهمت أنه في قصة طويلة، قصة ثأر وانتقام من رجال عيلة الدهري والشامي، اللي هم أصل عيلتك، طيب أنا شو خصني في هالموضوع؟ أنا لا من عيلة الشامي ولا من عيلة الدهري والحمد لله كل عيلتنا معروفة لعاشر جد وجذورها وأصلنا معروف، وهيها إذا بدك شوفيها في شجرة العيلة، وهلاء أنا وعيلتي شو دخلنا في هالقصة؟.

قالت ياسمين: دمك من دمهم يا فارس وريحتك من ريحتهم.

وفي هذه الأثناء كانت السيارة التي تقودها ياسمين قد وصلت إلى بيت فارس لتطلب منه ياسمين أن يذهب ويرتاح، وإذا أراد أن يعرف المزيد فليبحث بنفسه.

نزل فارس من السيارة بعد أن رفضت ياسمين أن تعطيه أية فرصة للنقاش، ودخل فارس البيت ليتذكر سيارته التي نسيها تماماً، والتي استمرت ياسمين بقيادتها إلى جهة مجهولة .

أخذ فارس يضحك بينه وبين نفسه ويتساءل: هل ستعيد ياسمين السيارة أم أن السيارة ذهبت في خبر كان؟!

دخل فارس البيت ليستريح لعله ينسى ما مر به أمس، وما هي إلا ساعات حتى حضرت والدة فارس وبدأت بإيقاظه من نومه لأن على الهاتف من تصر على أن تحدثه لأمر هام جداً، فقام فارس وتوجه نحو الهاتف ورد عليه، ولم يكن يشك للحظة واحدة أن التي تريده هي ياسمين.

لم يخب ظنه وردت ياسمين وقالت له: فارس سأحضر في منتصف الليل لاصطحابك معي، انتظرني على باب المنزل.

وأغلقت ياسمين الخط دون استئذان أو وداع، ومرت ساعات ثقيلة وبطيئة وفارس يفكر أين ستصطحبه هذه المجنونة في منتصف الليل وأية مقبرة سيزورانها وأية مفاجئة تنتظره، وفجأة سُمع صوت زامور سيارة متقطع ومتواصل بطريقة مزعجة لم يعهدها سكان ذلك الشارع من قبل، حتى أن معظمهم قد استيقظ على هذا الصوت المزعج، ومنهم من أخرج رأسه من الشباك ليرى ما يحدث ومنهم من فتح الباب وخرج لاستطلاع الأمر، ويبدو أن حظ فارس التعس جعله الوحيد الذي لم يسمع الزامور حتى دق أحد الجيران الباب عليه وفتح فارس الباب وقال له الجار وهو يرمقه بنظرات مريبة: في ناس بالسيارة بدهم اياك.[/align:77ab07e420]

Z. Dragon.
31-10-2005, 18:46
شي ظريف :lol: مطول عهالحالة حباب......
اي خلص رمضان و خلصت مسلسلاته و مسلسلك ما كان يخلص خلصنا الله يخلصك

Dehumanizer
01-11-2005, 15:44
الحلقة (10)

[align=justify:692bc7898f]أحمر وجه فارس خجلاً من الإحراج الذي وقع فيه، وخاصة أن الزامور العالي المزعج المتواصل لم يتوقف، وعيون الناس تراقبه وهو يسير باتجاه السيارة مسرعاً ليوقف هذا الإزعاج، وفتح باب السيارة وصرخ في ياسمين قائلاً: فضحتيني، شو أنتي مجنونة؟

ردت ياسمين وهي تضحك: الحق عليك أنت، ما أنا اتصلت فيك وقلتلك تستناني على الباب، وأنت ما استنيت وعلشان هيك أنا أضطريت أزمر علشان تطلع وما نتأخر.

فقال لها: يا مجنونة أنتي واقفة بعيد عن البيت وأنا كيف بدي أعرف إنك أجيتي؟ وكيف بدك أسمع صوت الزامور؟ هو أنتي لمين بتزمري؟

فقالت: ما أنا مريت من جنب البيت وأنت ما كنت واقف علشان هيك بعدت عن البيت وصرت أزمر، بلكي طل واحد عليي ويروح ينادي عليك، ولا بتعرف أنا حقول لك بصراحة أنا شفت الشارع عندكم هادي وممل أكثر من اللازم، وحبيت أعمل حركة وأغير شوي، وما صار اشي، شوية إزعاج والسلام.

ابتسم فارس وحث ياسمين أن تتحرك من المنطقة بسرعة ليخرج من هذا الجو المشحون بالتساؤلات وقال: ياسمين حد شافك؟

قالت: قول في حد ما شافني، كل جيرانك أجو لعند السيارة وسألوني شو في.

قال فارس: وشو حضرتك جاوبتيهم؟

قالت: بسيطة أنا فتحت الشباك وقلتلهم مساء النور، أنا أسمي ياسمين وأنا خطيبة فارس وعم بستناه علشان نطلع نسهر سوا واتفضلوا معنا.

قال فارس: الله يخرب بيتك، فضحتيني وبكره راح أصير قصة المنطقة، المهم هلاء على أي مقبرة ناوية توخذيني نسهر سوا في هالمناسبة السعيدة؟

قالت: اليوم أنا محضرتلك مفاجئة حلوة كثير، أنا ناوية آخذك على قبر عمتك يا فارس.

قال: بس عمتي ما ماتت وبعدها طيبة.

قالت: لما نصل بنشوف مين بعرف أكثر أنا ولا أنت يا فارس، وإن كان عندك شجاعة حتفتح قبرها علشان تعرف إن كانت ميتة ولا طيبة.

أوقفت ياسمين السيارة بجانب أحد جبال الجليل الأعلى ونزلت منها وطلبت من فارس أن ينزل، وفعل فارس ذلك وأشارت بيدها باتجاه الجبل وقالت: أترى ذلك الجبل يا فارس، هناك قبر عمتك.

فضحك فارس وقال: وهل عمتي الله يطول عمرها مدفونة هناك ولا أنتي بدك تدفنيها؟

فقالت: نعم هناك قبرها، وهناك اندفنت واطلب لها الرحمة.

فضحك فارس وقال: ياسمين يا روحي، أنا يا حبيبتي مليش يومين شايف عمتي.

قالت ياسمين: أسمع يا فارس، قلت لك أنه عمتك ماتت وهذا معناه أنها ماتت، وإذا بدك تتأكد وتعرف الحقيقة تعال أفرجيك قبرها.

وسارت ياسمين المقنعة تصعد الجبل ولكن فارس أمسك بها من كتفها وقال لها: يا مجنونة وين رايحة في هالليل؟

قالت: أنا رايحة أورجيك قبر عمتك.

قال فارس: أي إنسانة أنتي، ألا تخافي، ألا تعرفي الخوف، كيف سنصعد الجبل في مثل هذه الساعة المتأخرة وهذا الظلام الدامس؟ ألا تخافي من الوحوش والضباع؟ تعالي نذهب الآن، وإن كنت مصرة على هذه اللعبة فسنعود غداً ونكملها في النهار، تعالي الآن نذهب من هنا.

قالت ياسمين: الوحوش والضباع لا تخيف أحداً، كما أن قلوبها لا تخلوا من الرحمة التي لو كانت عند أجدادك لما كنت أنت هنا اليوم، وعمتك قتلت في الظلام وماتت في الظلام ودفنت في الظلام والحقيقة التي تدفن في الظلام لا تخرج إلا في الظلام، وأنت يا فارس يا أبن عائلة الدهري يا أبن عائلة الظلام تعال ولاتكن جباناً، ففي مثل هذه الساعة وهذا اليوم سار أجدادك وأبوك وأعمامك من هذه الطريق ليتركوا فيها بصماتهم القذرة .

وقف فارس مذهولاً فهو لا يدري ماذا يجيبها وماذا يقول لها وكيف يقنعها أنه ليس من عائلة الدهري وأن عمته ما زالت حية. واحتار فارس ماذا يفعل معها وكيف يقنعها أنه لا دخل له بجنونها، هل يهرب ويتركها أم يصعد معها الجبل الموحش المرعب الذي لا يسمع فيه إلا العواء والنباح، ولكن ياسمين كانت أسرع من أفكار فارس واقتربت منه وأمسكت بيده وأخذت تقوده باتجاه الجبل وفارس منقاد خلفها لا ينبس بحرف واحد كطفل صغير أمسكت أمه بيده وأخذت تسير أمامه وهو خائف.

وحينما وصلت ياسمين منتصف الجبل تركت يد فارس وسارت ورفعت يدها لفوق وأخذت تصرخ بصوت عال تردد صداه في أنحاء الجبل والجبال المجاورة له

يا ربيحة ... يا ربيحة

يا ابنة وأخت القتلة

يا ابنة العائلة الملعونة

يا ابنة الدهري

يا لعنة الجبل أخرجي من قبرك

وأسمعينا صوتك واستقبلي قريبك

ملعون آخر جاء ليزورك

يحمل أسمك ودمك ويحمل لعنة عائلتك

أخرجي يا ربيحة ... أخرجي يا ربيحة

وما أن أكملت ياسمين كلامها حتى بدأ يُسمع صوت امرأة تقشعر له الأبدان، ويصدر من كل الأنحاء صوت امرأة تصرخ وتستغيث وصراخها يعلو أكثر وأكثر وبكاؤها يقطع القلوب من الحزن وتصرخ:

من شان الله أرحموني ... من شان الله اتركوني ... أنا ما عملت شي ... أنا مظلومة ... أنا مظلومة لا تقتلوني ... من شان الله يا بابا ... من شان الله يا بابا لا تموتوني ... لا تموتوني.

وصرخة ألم عالية تلتها صرخة أخرى حتى توقف الصراخ وكأن المرأة التي كانت تصرخ ما عادت قادرة على الصراخ، وبدأ يُسمع صوت حفر في الأرض ولهث مجموعة من الرجال ومن ثم صوت خطوات تتلاشى وكأنها تغادر المكان.

في هذه الأثناء كان فارس قد أمسك بيد ياسمين بقوة وكأنه يحتمي بها، وتلفت في جميع الاتجاهات باحثاً عن مصدر الصوت وياسمين ما زالت واقفة حتى حل السكون والهدوء على الجبل والتفتت ياسمين إلى فارس وقالت له وهو ما زال مستمراً مجمداً يرتجف من الهلع.

قالت: فارس لماذا أنت خائف ... ومما أنت خائف؟ من الوحوش والضباع أم من عائلتك؟ في مثل هذه الساعة وهذا اليوم قبل سنين طويلة قتلت عمتك، والذي قتلها هو أبوك وجدك وأعمامك، حتى الوحوش والضباع هربت من الجبل حينما قدموا وأحضروها معهم، حتى الوحوش والضباع كانت سترحمها، أما لماذا قتلت؟ فإن أردت أن تعرف عليك أن تفتح قبرها.

واصل فارس الاستماع إلى ياسمين بدون أن يتكلم وما زال يرتجف من الخوف، وياسمين تقول له: لا تخف يا فارس لا تخف، لا يوجد شيء في هذا الجبل يؤذيك، لا تخف إنها مجرد أصوات الموتى لا تخيف ولا تؤذي، إنها أصوات ستبقى ساكنة لهذا الجبل لتشهد على جريمة لم يكشف عنها أحد وسيسمع هذه الأصوات كل من يقترب من هذا الجبل في مثل هذه الساعة وهذا اليوم، فهذا جبل ربيحة الملعون.

ونطق فارس وقال: أرجوك يا ياسمين، دعينا نذهب من هنا، أرجوك أخرجيني من هذا المكان لا أريد أن أعرف شيئاً، أرجوك.

فقالت ياسمين: لماذا أنت خائف؟ لا تكن جباناً، أي رجل أنت؟ هذه فرصتك لتعرف الحقيقة، حقيقة عائلتك، إن ذهبت من هنا وأشرقت الشمس ستضطر أن تنتظر عاماً كاملاً لتستطيع معرفة الحقيقة، هيا كن شجاعاً ولا تضيع الفرصة بخوفك، هيا أطرد الخوف من قلبك، لا داعي لأن يقتلك الفضول وأنت تنتظر عاماً كاملاً لتعرف عن عائلتك.

فقال فارس: ياسمين أنا بعرف عائلتي جيداً، أرجوك أنا لست من عائلة الدهري ولا أريد أن أعرف عنهم شيئا ولا دخل لي بهم، صدقيني لا أريد أن أعرف عنهم شيئاً، أنا اعرف من هو والدي ومن هو جدي ومن هم أعمامي ولا أحد منهم يحمل أسم الدهري، فكفاك عبثاً بي، لا أريد أن أصاب بالجنون بقصة مجنونة لا دخل لي بها.

فاقتربت ياسمين من فارس وأمسكت يده ووضعت يدها الأخرى على خده وقالت: فارس حبيبي أنا لازم أتجوزك، ولا أنت نسيت أنه إحنا لازم نتجوز؟ مش أنا اخترتك زوج إلي وأنت وافقت يا حبيبي؟ فارس مش أنت بتحبني وبدك تتجوزني؟ علشان هيك يا حبيبي لازم تعرف القصة وتعرف حقيقتك وحقيقة عيلتك الوسخة، ما تخاف أنا جنبك، أنا صحيح وعدتك أنه رايحة افتحلك قبر، بس أنا يا حبيبي ما بدي أأذيك ولا تنسى أنه أنت راح تكون جوزي وأبو بناتي، اسمع كلامي علشان أقدر أحميك من لعنة أبوك وأجدادك، هاي أنا بنت ومش خايفة وأنت زلمة ومش لازم تخاف.

فقال فارس: ياسمين أنا مش مقتنع أنك إنسانة ومش ممكن تكوني إنسانة، أنتي سر غامض، أنتي مش من البشر، أنتي أم الجماجم، جنية ... شيطانة ... ساحرة ... روح ميت من الفضاء، ما بعرف بس أنتي مش من البشر، من يوم ما عرفتك وأنا ما بعرف إلا الجماجم والأموات والقبور وطول وقتك لابسة أسود بأسود، ما بدك حد يشوف حتى أصبعك، صحيح أنا خايف وكل إنسان لازم يخاف، بس أنتي ما بتخافي لأنك مش من الأنس.

فقالت ياسمين: حبيبي فارس بس هبل، أنا قبل هالمرة حكيتلك أني إنسانة ومن البشر وأكثر من هيك، أنا بحمل دمك وأصلي من أصلك، وأنت قبل هالمرة شفتني، ولا نسيت يا روحي؟

فقال فارس: صحيح أنا شفتك بس هذا ما بعني إنك مثل كل البنات.

فقاطعته ياسمين وقالت: مزبوط كلامك، أنا مش مثل كل البنات، أنا أحلى منهم كلهم، أنا قلت لك قبل هالمرة أنه إذا الله خلق وحدة حلوة فهي أنا يا حبيبي، وعلى فكرة ممكن هلاء تشوفني للمرة الثانية يا فارس.

وبالرغم من اشتياق فارس لرؤية ياسمين ذات الخمار مرة أخرى، إلا أن خوفه من الجبل وأصوات الموتى كان أقوى من اشتياقه، فقال لها: ما بدي أشوفك، أنا بدي أخلص من لعبة الأموات والقبور هاي.

فابتسمت ياسمين وبكلمات هادئة وواثقة وقالت له: لا يا حبيبي، أنت حابب تشوفني وحابب تلمس إيدي بدون ما أكون لابسة الكفوف وحابب تحضني وكمان حابب تبوسني وأشيا أكثر من هيك كمان.

فصمت فارس ولم يتكلم وكأنه بصمته يؤكد ما قالته، بل أن بريق عينيه يؤكد كل كلمة قالتها ويدعوها أن تفعل ذلك، وبدأت ياسمين بنزع الخمار وكأنها تلبي طلب عيون فارس، وبان وجه ياسمين وكأنه البدر، وحركت رأسها بدلال يميناً ويساراً ليتناثر شعرها الأسود الطويل الممزوج بظلام الجبل، ورفعت يدها اليمنى وبأسنانها أمسكت طرف القفاز وسحبته من يدها بدلال لتخرج أصابعها ولتظهر كفة يدها الناعمة الملساء، وفعلت كذلك بيدها اليسرى وألقت بالقفازين في الهواء ليهبطا على الأرض على بعد عدة أمتار، وبأطراف أصابعها وعيون فارس تراقبها، أخذت بفك خيوط العباءة التي تحجب جسدها متعمدة الإبطاء وقالت: فارس حبيبي تعال وساعدني وفك الخيط، أنا لا استطيع.

طوق فارس ياسمين بيديه وبدأ بقضم الخيط بأسنانه بعد أن فشل بحلّه، وتحثه هي على أن يسرع قبل شروق الشمس، وتلقي ياسمين جسدها فوق التراب وتشد فارس معها، وهو ما زال يقضم الخيط بفمه وأسنانه حتى لم يبق من الخيط شيئاً، وينتقل إلى الخيط الذي يليه.

يرفع فارس رأسه ويقترب لوجه ياسمين حتى كاد أن يلامسها ولكنها وبحركة خفيفة ناعمة بطيئة تقف على قدميها، وفارس ما زال مستلقياً على الأرض يرمقها بعينيه.

تقف ياسمين منتصبة وترفع العباءة التي سقطت عن كتفيها وصدرها، وترمق فارس بنظرة خبيثة متعمدة كلما رفعت العباءة قليلاً تركها لتلامس وجه وجسد فارس وكأنها تستمتع بجنون وهي ترى بعيون فارس النار المتقدة التي تزداد مع كل حركة لها.

وقالت بنبرة صوت دافئة واثقة ومجنونة: فارس ... يا فارس ... أتريدني يا فارس الآن؟ أتريدني فوق هذا التراب حيث تستلقي وحيث أقف؟ أتريدني الآن يا فارس؟ ... أنا أيضاً أريدك ... ولكن يجب أن تعرف الحقيقة أكثر، هنا حيث تستلقي دفنت عمتك، أحفر التراب وأزحه لتعرف الحقيقة إن كنت تريدني، اعرف الحقيقة.[/align:692bc7898f]

Bestout
01-11-2005, 17:41
[align=left:fe7927fa91]I am patient!! Wallah I am patient!! But, everything must end, it is said[/align:fe7927fa91]

Engelbert
01-11-2005, 19:29
دهيو القصة رائعة فعلا ......... و انا بدي اطبعها من بعد أذنك طبعا و بدي احتفظ فيها من بعد أذنك طبعا .......
و عنجد كتير شكرا الك ........
سلام .......

Engelbert ;)

Dehumanizer
02-11-2005, 16:12
الحلقة (11)

[align=justify:a8f55e52f6]لم يخف فارس حينما علم أنه يستلقي فوق قبر المرأة التي كانت تصرخ والتي تقول له ياسمين أنها عمته، فقد كانت نار الاشتياق لياسمين أقوى من خوفه ومن رهبة الموت والقبر، وبدأ بحفر التراب بكلتا يديه بجنون وعيونه متسمرة نحو ياسمين، حفر أكثر وأكثر وبقوة وعلى ضوء القمر التفت باتجاه يديه التي حملت شيئاً، ما إن رآه حتى وقف مذعوراً خائفاً.

كان فارس قد رأى بين يديه رأس امرأة مقطوعاً وقد تآكل من العفن إلا الشعر الحريري الأسود الذي ما زال كما هو يغطي الرأس المتعفن ودون أن يصاب بأي تلف وكأنه لفتاة مدللة تعتني به كل لحظة.

اصفرّ فارس وارتعش ولم يحتمل بشاعة ما رأى وبدأ يتقيأ بشدة ودون توقف وسقط على الأرض مغشياً عليه من هول ما رأى، وما إن فتح فارس عينيه حتى كانت الشمس قد أشرقت، ووجد نفسه في سيارته مستلقياً وبجانبه ياسمين تداعب شعره وجبينه برقة وحنان وفارس ينظر إليها ولا ينبس بحرف واحد وقد بدا الإرهاق والتعب والقلق على وجهه واضحاً جلياً وعيونه تائهة حائرة مما يحدث معه.

وقال فارس وقد إغرورقت عيناه بالدموع: ياسمين ارحميني لم أعد أحتمل .. أرجوك ... أرجوك ... وأغلق عينيه مستسلماً.

وبدا على ياسمين التأثر لحال فارس المنهار وأدركت أن فارس لم يعد يقوى ويحتمل أكثر من ذلك وقالت بنبرة حزينة: فارس هيا لأعيدك إلى البيت لتنام وترتاح قليلاً.

فقال فارس: وهل سأعرف طعماً للنوم أو الراحة وأنا غارق في بحر من الألغاز لا أول ولا آخر له؟ ماذا حدث معي يا ياسمين وكيف وصلت إلى هنا؟ ألم نكن في الجبل؟

فقالت ياسمين: نعم يا حبيبي كنا في الجبل ولكن أغمي عليك فجأة وبدون سبب، وبعد ذلك أيقظتك وعدنا إلى السيارة وكنت متعباً فتركتك لتنام قليلاً.

ارتسمت على شفاه فارس ابتسامة ساخرة حزينة ومهمومة وقال: أغمي علي دون سبب؟ أتقولين دون سبب، وهل وجودنا في هذا المكان الرهيب في منتصف الليل نسمع صراخ وبكاء الأموات وأحفر قبراً لأخرج رأساً مقطوعة كل هذا لا يكفي ليكون سبباً؟

قالت: فارس حبيبي، لا أدري ما الذي تخيلته أنت، ولكن كل ما في الأمر أنك حفرت القبر وأخرجت هذا الصندوق الصغير ولم يكن هناك رأس ولا عظام، ولكن إن تخيلت رأساً فتلك مجرد أوهام، أنظر إلى الصندوق الذي أخرجته لعلك تجد بداخله شيئاً يساعدك على معرفة حقيقتك وحقيقة عائلتك القذرة.

وأنت بمحض إرادتك حفرت لتخرج الحقيقة المدفونة ولم يجبرك أحد على ذلك، وحركت ياسمين السيارة وأخذت تقودها بسرعة جنونية وهي تقول لفارس: الآن سأوصلك إلى البيت لتذهب وتنام قليلاً، وبعد ذلك أفتح الصندوق وسترى ما يساعدك على معرفة جزء آخر من الحقيقة الملعونة.

أنهت ياسمين كلماتها وهي تقود بسرعة وكأنها تسابق الريح، طريقة قيادتها الجنونية للسيارة أربكت فارس واستفزته ليصرخ فيها: أوقفي السيارة أيتها المجنونة!!.

وتبتسم ياسمين ولا تبالي وينفجر فارس غاضباً ويصرخ بها: أوقفي السيارة ... لكنها لم تبال بل زادت من السرعة أكثر وأكثر .

مد فارس يده إلى المقود وهو يصرخ بها وكادت ياسمين أن تفقد السيطرة على السيارة التي أخذت تتمايل في وسط الشارع، ولكنها ببراعة سيطرت على السيارة وأوقفتها، أما فارس فقد أصفر لونه من الخوف وخاصة في اللحظات الأخيرة التي كادت السيارة أن تهوي بهم نحو الوادي.

أوقفت ياسمين السيارة وقالت لفارس: مالك يا حبيبي، في اشي مزعلك؟

ومد فارس يده إلى مفاتيح السيارة وسحبها ووضعها في جيبه خوفاً من أن تعيد ياسمين الكرة مرة أخرى وخرج من السيارة وقال لها: أنتي مجنونة ... والله العظيم أنك مجنونة، وأنا مجنون اللي ماشي ورا وحدة مجنونة، ملعون أبو الحب وأبو الفضول اللي معلقني فيكي واللي مخليني أمشي وراكي مثل الكلب من مقبرة لمقبرة ومن جنون لجنون، بفكر أنه وصلنا لآخر محطة في هالقصة وبفكر أنه اللعبة خلصت ولازم تخلص هلاء.

فقالت ياسمين ساخرة: مش حتقدر تنهي شي، كل شي بينتهى في وقته يا حبيبي.

فرد فارس: لا يا أم الجماجم، أنا اللي بقرر أنهيه أو ما انهيه.

قالت: قدر ومكتوب يا حبيب قلبي ومثل ما بحكو ... المكتوب ما منه هروب.

قال: قدر ومكتوب إلك مش إلي.

قالت: طيب قل لي كيف حتنهيه يا شاطر؟

قال: بسيطة كثير، ما بدي أشوف وجهك مرة ثانية لا من بعيد ولا من قريب وهيك كل اشي انتهى.

قالت: وبتقدر ما تشتاق لي وما تفكر فيي؟

قال: بقدر ...والأيام حتثبت لك يا سيدة القبور.

قالت: بس أنت بتحبني ومش حتقدر تعيش من دوني ولا أنسيت أني قدرك يا فارس؟

قال: بس يا ياسمين ... كلامك الغامض ما عاد يؤثر فيي، والحقيقة إني حبيت أسلوبك الغامض وحبيت طريقة كلامك، وعلشان ما كنت بقدر أشوفك وأنتي متخفية ورا الخمار دفعني الفضول أني أطاردك، مثلك مثل لغز صعب بحب الواحد يفكر فيه حتى يحله، ولو كنت مش لابسة هالخمار ومتخفية كنتي مثل أي وحدة ثانية، والغمامة السوداء اللي أنتي لابستيها واللي كانت مسكرة على عقلي انزاحت .

قالت: يا فارس بلاش كذب، أنت عمرك شفت وحدة مثلي؟

قال: بصراحة، مجنونة مثلك ما شفت .

قالت: وحلوة مثلي شفت؟ ولا بأحلامك حتشوف.

قال: الجمال مش كل اشي في هالحياة.

قالت ساخرة: يعني أنت بطلت تحبني وزعلان مني يا حبيبي؟

قال: بدون مسخرة ... اللعبة انتهت ودوري على أسلوب ثاني.

قالت: طيب، بس بفكر أنه بهمك تعرف حقيقتك وحقيقة عيلتك وقصة عمتك ربيحة وليش أبوك وأعمامك قتلوها.

فضحك فارس من أعماق قلبه بصوت عال وقال: ياسمين يا مجنونة، أنتي فكرك أنا مصدق الهبل اللي أنتي بتحكيلي إياه؟ صحيح أنا كنت ماشي وراك خطوة بخطوة وصحيح أنه عندك قدرات غريبة جداً ومش طبيعية ومع أني ما كنت أؤمن بالسحر، بس بشهدلك أنك ساحرة وعلى مستوى كمان، وأنا ما كنت ماشي وراك علشان الكلام الفاضي اللي بتحكيه عن عيلة الدهري وعن عيلة الشامي وعن شو اسمها ربيحة، أنا كنت ماشي وراكي أنتي وعلشانك أنتي، وما كان مهم القصة اللي أنتي بتحكيها، المهم أني أقدر أشوفك وأبوسك و ... أفهمت يا ياسمين؟

قالت ياسمين: شاطر يا فارس شاطر، بس لا تنسى أني لعنة أبوك وأبو أبوك وأجدادك، ومش حتقدر تهرب من اللعنة.

فضحك فارس وقال: طيب اسحريني قرد وتجوزيني، وأخذ يضحك.

استفزت ياسمين وقالت: قلتلك أنا مش ساحرة يا فارس، أنا إنسانة مثلك.

ابتسم فارس وازدادت ثقته بنفسه للنصر الذي حققه على ياسمين وقال: طيب بما أنك إنسانة مثلي شو رأيك تخلعي هالعباية والخمار ونطلع أنا وأنتي نسهر سهرة حلوة وننسى هالكلام الفاضي، أنا بعرف محل حلو.

قاطعته ياسمين وقالت: أنا مش رخيصة مثل الناس اللي بتعرفها.

قال: بس مبارح في الجبل ما كنت ممانعة، ولا أنتي بتحبي هيك سهرات بين القبور؟

قالت وقد استشاطت غضباً: صدقَت أمي وستي ... دم الدهري وسخ، وكلكم واحد وشو بدو يخلف أبن الدهري إلا كلب جديد بيحمل أسمه.

وفرح فارس وهو يرى ياسمين مرتبكة ومستفزة، وشعر بنصر آخر على هذه المخلوقة الجبارة العجيبة، وازداد غروره بنفسه وأراد أن يراها ضعيفة أكثر وأكثر.

اقترب منها مبتسماً وبثقة عالية مد يده إلى الخمار الذي يغطي وجهها وسحبه من فوق رأسها وألقاه على الأرض ليظهر وجه ياسمين وشعرها الذي تعجز الكلمات والأوصاف عن وصف ذلك الإبداع الإلهي المتناسق الذي يفوق كل جمال أو صورة أو خيال.[/align:a8f55e52f6]

عاشق المساء
02-11-2005, 16:47
مشكور اخي الكريم بس ياريت سؤال واحد


انت اخد دورة عند شي مؤلف مكسيكي شي

علي الطلاق قطعتهم للكتاب المكسيكان

الف الف شكر

anas
02-11-2005, 21:45
الرواية رائعة
والتشويق على ابوموزة

الى الامام دهيو [smilie=pdt_piratz_:

Dehumanizer
03-11-2005, 12:26
الحلقة (12)

[align=justify:ba1e38e170]فوجئت ياسمين بجرأة فارس وثقته الكبيرة بنزعه الخمار عن وجهها وأخذت ترمقه بنظرات ثابتة سارحة لا يستطيع أحد أن يفسرها.

صمت ياسمين جعل فارس يتمادى أكثر، واقترب منها وأخذ يداعب شعرها وعلى شفاهه ارتسمت ابتسامة خبيثة واثقة، ومد يديه إلى العباءة وفكها دون أي اعتراض من ياسمين وسقطت العباءة على الأرض ولم يبق ما يغطي جسد ياسمين الفاتن إلا ثوب حريري ناعم قصير، وياسمين واقفة بجانب السيارة كالصنم لا تتحرك وما زالت عينيها ثابتة ثاقبة تنظر إلى فارس دون حراك.

شعر فارس بالنصر الكبير الذي ما حلم أن يحققه ومد يديه وأمسك بعنق ياسمين وشدها ليقبلها، وبلحظة رفعت ياسمين يدها اليمنى وصفعت فارس على وجهه صفعة كادت تلقيه على الأرض لولا أنه حافظ على توازنه في اللحظة الأخيرة قبل أن يسقط.

رفع فارس يده ثائراً لرجولته التي أهينت وصفع ياسمين بيده على وجهها بقوة حرّكتها براكين الغضب التي كانت بداخله وزادتها قوة وشراسة لتسقط ياسمين على الأرض بعد أن صرخت من ألم تلك الصفعة لترمق فارس بنظرة مليئة بالحقد وتمسح بيدها اليسرى قطرات دم سالت من أنفها وفمها من شدة اللطمة وقالت لفارس وهي مازالت على الأرض :

فارس يا أبن الدهري ... ملعون القلب اللي حبك ... وملعونة أنا إن رحمتك ... لازم تعرف قذارة أصلك ... روح أسأل أمك كيف حملت فيك ... واسألها مين أبوك ... وفي أي بلاد أختك وأخوك ... وذكرها بربيحة الملعونة ... ليش اختفت بليلة قمر ... وقلها أنه القدر ما منه مفر ... ولعنة جورجيت حتطارد كل ذكر ... وعلشان تصدق شو بقول، أفتح الصندوق اللي طلعته من قبر ربيحة بأيديك وشوف شو فيه.

أسرع فارس إلى الصندوق ليفتحه ويرى ما بداخله وقلبه يدق وفكره يقول أن اللعبة ابتدأت حيث انتهت، فتح فارس الصندوق وذهل مما رأى، فقد وجد بداخل الصندوق حقيبة جلدية داخلها قطعة من قماش ملفوفة بعناية، فتح فارس قطعة القماش ليجد فيها قطع ذهبية ومجوهرات من أساور وسناسيل وأحجار كريمة تدل على أن صاحبها على درجة عالية من الثراء، كما وجد مجموعة من الأوراق والصور القديمة، نظر فارس نظرة فاحصة وسريعة إلى الصور ليذهل مما رأى.

كانت تجمع مجموعة من الشباب والفتيات ورجل وامرأة عجوزين، وبشكل بديهي تبين أن الصورة جمعت في محتواها عائلة مكونة من أب وأم وأبناء، وصعق فارس، ليس من الصورة وحدها ولا من المجوهرات والأحجار الكريمة وقيمتها، إنما من وجود أحد الأشخاص الظاهرين في الصورة وهو فارس نفسه بطوله وعرضه ووجهه وعيونه وشعره وأنفه، حتى الندبة الظاهرة في ذقنه واضحة في الصورة وجميع الظاهرين في الصورة فيهم تشابه واضح وكبير يُرى لأي ناظر بأنه تشابه عائلي، تمعن فارس بالصورة مرات ومرات وهو بحالة ذهول يتسائل عن كيفية وجوده ضمن الصورة التي تم تصويرها كما يبدو قبل عشرات السنين.

كان فارس للوهلة الأولى سيشك بنفسه بأنه قد تصورها مع هذه العائلة قبل سنوات ونسي ذلك مع الأيام لولا أن الملابس التي يرتديها في الصورة كانت لأجيال سابقة ولا يمكن أن يكون قد ارتداها يوماً ما، تساءل بينه وبين نفسه إن هذه التشابه الكبير لا يمكن أن يكون إلا لأخ توأم له، ولكن قِدم الصورة والملابس وعمر فارس الحالي وعمره في الصورة يجعل الفكرة غير معقولة.

حار فارس وتساءل: لمن هذه الصورة؟!! لست أنا وليس توأمي؟!! ليست صورتي ولكن أنا فيها؟!! لست أنا ولكن أنا هو، أيعقل أن يخلق الله تشابهاً إلى هذا الحد، وصرخ فارس بأعلى صوته بعد أن غلبته الحيرة: من أنا؟؟ من الذي في الصورة؟!! ملتفتاً إلى حيث كانت ياسمين بعد أن صفعها، ولكن أين ياسمين؟.

استدار وبحث عنها حوله، لقد اختفت ياسمين ولم يعد لها أثر وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها، أو أنها قد استغلت انشغال فارس بمحتويات الصندوق وذهبت لتتركه في حيرته، كلمات ياسمين الأخيرة أخذت تدور في رأس فارس وترن بأذنيه بشكل متلاحق.

روح اسأل أمك كيف حملت فيك؟ واسألها مين أبوك وفي أي بلاد أختك وأخوك؟

ركض فارس باتجاه السيارة وفتح الباب وجلس خلف المقود وانطلق وهو يتمنى لو أن السيارة تطير وتوصله سريعاً إلى أمه لعله يجد عندها بعض التفسيرات، أخذ فارس يشق طريقه بسرعة وكأنه يسابق الوقت، أو كأنه يهرب من كلمات ياسمين ليطرد من مخيلته أي فكرة تقوده للشك بوالدته التي هي أغلى وأعز الناس على قلبه، ولكن هيهات أن ينجح في إيجاد فكرة معقولة ومقبولة تبعد أمه عن هذه القصة الغريبة، اقترب فارس بعد وقت من البيت وما زالت تدور في داخله خواطر مجنونة يجيب عليها ويسألها ويرفضها ويؤكدها وينفيها.

أوقف فارس السيارة بجانب البيت وحمل الصندوق ودخل مسرعاً إلى البيت، أسرع إلى غرفته ووضع الصندوق الذي بيده على سريره وخرج يبحث عن والدته في أرجاء البيت ولكن لا أثر لها، غيابها زاد من قلقه وأشعل النار بداخله، النار التي لن يطفئها غير أمه بجوابها، أسئلة تحاصر مخيلة فارس عن سر غيابها عن البيت، لا بد أنها ذهبت إلى السوق أو ربما عند الجيران.

جلس فارس واستسلم لأمر واحد فليس بيده ما يفعله سوى أن ينتظرها إلى أن تعود، مرت دقائق كأنها سنوات لم يستطع خلالها الصبر فقفز مسرعاً إلى الجيران لعله يجدها هناك، ولكن حظه لم يسعفه إذ أنها لم تكن هناك واقنع نفسه مجدداً بالانتظار حتى تعود، مرت الدقائق ببطء وانتهت الساعة والنصف وفارس يجلس شارد الذهن ينظم ويرتب أفكاره، كيف سيسأل أمه وكيف ستكون طريقة الحوار؟.

رنين مفاتيح تقترب من الباب الرئيسي ترافقها خطوات متلاحقة وصرير الباب سبق دخول أمه إلى البيت، أنتفض مسرعاً باتجاه الباب لاستقبالها، كانت الأم تحمل في يدها مجموعة من الأكياس المليئة، ساعدها فارس وحمل عنها الأكياس وتوجه بها إلى المطبخ وجلس على الكرسي وطلب من أمه أن تجلس ليحدثها ولكنها قالت له: أن يتكلم على راحته حيث ستقوم هي بترتيب الأغراض، فقام وساعدها وهو يعلم أنها لن تصغي إليه ما دامت تشعر بأن هناك شيئاً ليس في مكانه، وبعد الانتهاء من الترتيب جلست وقالت: خير شو قصتك، وشو اللي ذكرك أنه ألك أم تعطيها من وقتك؟

امسك فارس يدها بكلتا يديه وقال: أمي حبيبتي فهميني، أنا شاعر أنه في سر كبير في حياتك، في قصة، في اشي، أحكيلي عنه؟

وبنظرة دافئة من عينيها قالت: سر شو يمّا اللي بتحكي عنه؟

فرد متلعثماً: سر بيتعلق فيي أنا.

فقالت: يمّا شو هالكلام؟ مالك أنت الله يهديك؟

حار فارس أكثر ولم يملك الشجاعة ليتحدث بصراحة، صمت قليلاً ليفكر وبسرعة قال: سمعتي قبل هالمرة بأسم الدهري؟

لم تجب عن السؤال وبدت على وجهها علامات الاضطراب والقلق والارتباك، أعاد فارس السؤال مرة أخرى فأجابته متلعثمة: لا ما سمعت في ها الاسم شو في؟ شو القصة؟ وأنت شو خصك فيهم؟ أنا ما بعرفهم ولا عمري سمعت عنهم، ومين حكالك عنهم؟ وأحنا شو خصنا فيهم وليش بتسأل عن ناس ما بنعرفهم؟ بلاش كلام فاضي وبكفي أني متحمليتك ومتحملة عمايلك، يوم بتناملي في الدار وعشرة ما حدا بيعرف إلك طريق، بكفي لهان بكفيك أنا مش راح أظل ساكتة.

بقي فارس صامتاً وقد اتكأ على الطاولة منتظراً أن تفرغ أمه من كلامها، وما أن أنهت كلامها حتى قال لها فارس بهدوء: أنتي ليش معصبة يمّا، أنا بس سألتك إن اسمعتي قبل هالمرة في اسم الدهري، أنا ما حكيت اشي، شو القصة يمّا شو في؟.

ردت أمه غاضبة: رجعنا لنفس الموضوع، أنا قلتلك ما في اشي وما بعرفهم وإذا بتحكي كمان مرة في هالموضوع ما راح احكي معك طول عمري.

وبحركة لا شعورية مد فارس يده إلى جيبه وأخرج الصورة وألقاها على الطاولة أمام والدته دون أن يتكلم بكلمة واحدة، فأمسكت أمه بالصورة ويداها ترتجفان وقد أصفر وجهها واغرورقت عيناها بالدموع.

أشفق فارس على حالها فهي أغلى الناس على قلبه ولا تستحق أن تذرف دمعة واحدة من عينيها، فانتقل إلى جانبها وضمها إليه وقال: شو القصة يمّا؟ احكيلي من شان الله احكي وريحيني.

وزاد بكاء أم فارس وأخذت تقول: ما بدي تضيع مني، أنا خايفة عليك، خايفة عليك يمّا.

هدّأ فارس من روعها وقال: لا تخافي يمّا لا تخافي.

فقالت باكية: كيف ما أخاف كيف؟ أنا شو عملت يا ربي تيصير فيي كل هذا، يا ريتني مت وارتحت.

فقال فارس: بعيد الشر، لا تخافي واحكي شو الموضوع؟

ردت غاضبة: شو احكيلك؟ هو في اشي بينحكى؟ أنت من وين جبت هالصورة ومين اللي اعطاك اياها.

فقال: مش مهم مين اعطاني اياها المهم شو قصتها؟

فقالت: لا هلاء بدك تقول لي مين اعطاك اياها ومن وين جبتها؟

فقال: طيب إذا مهم عندك أنك تعرفي راح أقولك، اعطتني اياها وحدة حلوة زي القمر.[/align:ba1e38e170]

Dehumanizer
04-11-2005, 00:02
الحلقة (13)

[align=justify:ae2d1085e9]أخذت أم فارس تلطم على وجهها وتبكي وتصرخ وتقول: يا خراب بيتي ... يا ويلي عليك يمّا هي لحقتك لهون ... وين بدي أهرب فيك وين بدي أخبيك ... وبتقول يما حلوة مثل القمر؟ ضعت مني يا فارس وأنت قدامي ... والله قلبي كان حاسس راح ييجي اليوم اللي توخذك مني.

عبثاً حاول فارس أن يهدئ من روعها، حتى أنه شعر بندم كبير لتهوره بفتح هذا الموضوع معها وأدخلها في هذه المتاهة ونبش لها ماضياً كان واضحاً أنه انتهى بالنسبة لها، ولكن حدث ما حدث ولم يكن أمام فارس فرصة للتراجع، ويجب أن يفهم ما حدث وما يحدث لعله يجد مخرجاً وخاصة أن شعوره قد تأكد بأن الذي يواجهه لم يعد مجرد لعبة أو تسلية ومغامرة، وأن خلف ياسمين أم الجماجم قصة حقيقية.

عمل فارس كل جهده ليهدئ من روع وخوف أمه، ضحك ومزح وابتسم وأظهر لها أنه لا يوجد هناك ما يستحق، ولكن كان من العبث أن يعيد الاطمئنان إلى قلب أمه بعد أن فجّر بداخلها خوف المستقبل وألم الماضي معاً.

وبلهجة صارمة قال فارس: اسمعي يمّا ما بصير إلا اللي الله كاتبه، والبكا مش راح يفيد، أنا بعرف في القصة وإذا أنتي بدك تساعديني بلاش تظلي تبكي وتندبي حظك، أحكيلي عن القصة.

قالت أمه: يمّا القصة طويلة وشو بدي أحكيلك تحكيلك.

قال: أحكي يمّا أنا بدي أسمع وبدي أفهم، أحكي لي مين اللي في الصورة ومين عيلة الدهري.

قالت: اللي في الصورة يمّا أبوك وأعمامك وعماتك وجدتك وجدك وهاي الصورة قبل ما أنت تخلق على الدنيا بكثير وهاي يمّا عيلة الدهري اللي بتسأل عنهم.

فقال: يعني المرحوم أبوي اللي رباني مش أبوي.

فقالت: لا يمّا، أبوك الحقيقي من عيلة الدهري واللي رباك الله يرحمه مش أبوك .

فقال: كيف يمّا كيف؟ اشرحيلي كيف وأنا عايش أكثر من ثلاثين سنة ولا عمري حسيت أنه أبوي وعمامي وكل هالعيلة أنهم مش عيلتي الأصلية.

فقالت: ما حدا يمّا بيعرف أنك أبن الدهري، وكلهم بفكروا أنك منهم وابنهم.

فقال: شو بفهم من هالحكي؟ أنه المرحوم كمان ما بعرف أني مش أبنه؟!

فقالت: لا يمّا لا تفكر غلط، المرحوم رباك وهو بيعرف أنك مش أبنه، هو الوحيد اللي بعرف قصتك، المرحوم أتجوزني لما كان مسافر ولما رجع وجابني معه قال لهم إنك أبنه.

فقال فارس: وأبن الدهري اللي هو أبوي كيف يمّا؟!

فقالت: لا يمّا لا تفكر غلط كان جوزي على سنة الله ورسوله.

وبدأ الأرتياح على وجه فارس وكأنه منذ البداية كان يريد أن يحصل على هذه الإجابة بأنه أبن شرعي ولم يأت بطريقة أخرى وقال: طيب شو قصة اللعنة اللي بتطارد هالعيلة، عيلة الدهري والشامي، ومين هاي جورجيت؟.

وما أن سمعت أم فارس باسم جورجيت حتى تغير لونها وأخذت تردد: باسم الله بسم الله .. الله يحفظنا الله يحفظنا، لا تحكي أسمها يمّا، وصمتت قليلاً وقالت: جورجيت يمّا أحلى بنات الشام، لا أحلى بنات الدنيا كلها، ظلموها ودفنوها وهي حبلى جوى قبر وهية .. وهية ..

وتلعثمت أم فارس وأخذت تستعيذ بالله وفارس يلح عليها أن تكمل حديثها ويصر على ذلك وتجيبه: يمّا والله أنا ماني متذكرة، هاي قصة صارت زمان قبل ما أنخلق على وجه الدنيا، وما صارت على جيلي وسمعت فيها وكانوا يحكوا ... فقال فارس مقاطعاً: أحكي يمّه القصة اللي أنتي بتعرفيها، أحكيلي قصة جورجيت ولعنتها، وكيف تعرفتي على أبوي وتجوزتيه، أحكيلي.

وتحت ضغط فارس وإلحاحه على والدته وفشلها بالتهرب من الحديث في هذا الموضوع رضخت لطلبه وأخذت تروي قصتها منذ البداية وقالت:

حينما تعرفت على أبوك منير الدهري، كان يعمل في التجارة ويتنقل بين المدن وكان كريماً إلى أبعد الحدود، ربطته بوالدي علاقة وثيقة بحكم عملهم في نفس المجال، تقدم أبوك وطلب يدي من والدي وكان عمري وقتها 17 عاماً، وافق والدي على زواجي منه ولم يكن بحاجة للأخذ برأيي وأنا لم أستطع أن أعارض، فتزوجت والدك وانتقلت للسكن معه في الشام.

وفّر لي كل سبل العيش والراحة وكان لطيفاً معي إلى أبعد الحدود، بل أنه كان زوجاً مثالياً، وكان يرفض دائماً أن يعرّفني على عائلته عائلة الدهري بحجة أن هناك خلافات قائمة بينهما، وكنت أعلم بأن ما يقوله غير صحيح وكان هو يعرف أن كلامه غير مقنع لي، ولكن لم يكن أمامي ما أفعله سوى أن أرضى بالأمر الواقع وأبقى في عزلتي التي وضعوني بها.

سارت الأمور طبيعية حتى جاء ذلك اليوم الذي انتظرت فيه عودته إلى البيت لأبشره بأنني حامل وأنه سيرزق بطفل، لكن الخبر وقع عليه كأنه مصيبة، فبدلاً من أن يفرح حزن حزناً شديداً، ومنذ تلك اللحظة تحولت حياتنا إلى قلق وتعاسة ولم أكن أفهم وقتها لماذا كل هذا، وأكثر ما كان يحزنني أنه كان دائماً يردد: مصيبة إذا جبتي ولد، وأخذ الغموض الذي يحيط بوالدك يزداد يوماً بعد يوم وهذا الغموض حول حياتي إلى جحيم وقررت وقتها أن أتمرد على والدك وأخرج من سجني وعزلتي.

سألت عن عائلة أبوك وتوجهت إليهم وعرّفتهم بنفسي وبأني زوجة أبنهم، وعلمت وقتها بأن والدك كان متزوجاً من امرأة أخرى وقد أنجب منها طفلة، وبعدها جن جنون والدك وبدأ يعاملني أسوأ معاملة، نقلني للعيش وسط عائلة الدهري أثرى عائلات الشام في ذلك الوقت، وبالرغم من أنني زوجة أبنهم إلا أن الغموض كان يحيط بكل تصرفاتهم، فهم لا يثقون بأحد ولا يحبون أحداً، لست أنا لوحدي وأيضاً زوجة والدك وكذلك زوجات أعمامك وحتى عماتك لم يكونوا يعاملوهن معاملة حسنة، فجدك كان مستبداً وقاسياً بشكل كبير وكذلك والدك، وبعد ذلك قام بتطليقي وأراد أن أعود إلى أهلي، ولكن جدك رفض أن يسمح لي بالرحيل وقد خيّرني إن أردت العودة إلى أهلي أن أعود لوحدي وأتركك، أو أن أبقى وسط العائلة وأقوم بتربيتك، فلم يكن أمامي إلا أن أبقى معك.

وجدّك هو الذي أسماك فارس وقد كان يحبك كثيراً، وكان جدك كبير العائلة، وأعمامك كانوا يتعاملون مع الجميع باحتقار، وكان الناس يخافون منهم ولا يحبوهم ولم يسمحوا لنا بالاختلاط بأي شخص غريب من خارج العائلة، وحينما أنجبتك وعلم والدك بأني وضعت ذكراً أخذ يشتمني ويلعنني، ولم تكن عائلة الدهري صغيرة وبالرغم من كبرها إلا أنها كانت متماسكة وكان جدك يتحكم بالصغيرة والكبيرة من شؤون العائلة، ولم يكن أي من أعمامك أو أعمام أبوك يستطيع القيام بشيء دون إذن من جدك، وكون جدك قد أحبك فهذا يعني أنك تميزت وسط هذه العائلة، وللحقيقة بالرغم من قسوة جدك إلا أنه كان يعاملنا معاملة خاصة مقارنة بباقي نساء عائلة الدهري، إلا أنه كان يغضب لو أني قمت بالسؤال عن أي شيء من الأمور الغريبة التي كانوا يقيمونها في الليل بسرية تامة، والخوف الدائم الذي كانوا يعيشون فيه.

مرّت أشهر وأصبح عمرك يقارب السنة وأنا لا أفهم ماذا يحدث حتى اختفى أحد أعمامك ولم يعد إلى البيت، فخيّم على العائلة جو من الحزن والقلق وأكثرهم حزناً على غيابه كانت عمتك ربيحة التي ربطتني بها علاقة مميزة وقوية، كنت أهدئ من روعها وأخفف من حزنها وأحاول أن أطمأنها بأنه سيعود بمشيئة الله، وأن الغائب حجته معه ولا داعي للخوف، فأجابتني وهي تبكي: أنتي مش عارفة يا أم فارس اشي، هو في مرة أبن الدهري اختفى ورجع، ولاد الدهري مصيرهم معروف، الله يحميلك فارس وما يجيه الدور.

اقشعر بدني من كلام عمتك ربيحة وضممتك إلى صدري وانتابني شعور بالخوف عليك واستحلفتها أن تخبرني بالقصة، وفي البداية رفضت أن تخبرني بشيء ولكنها زادت من فضولي وخوفي بقولها: بقتلوني لو حكيت، أنتي ما بتعرفيهم، والله بقتلوني وما برحموني لأنهم ما بعرفوا الله وقلوبهم ما فيها رحمة.

وخوفي عليك يا فارس جعلني ألح وأتحايل عليها بكل الطرق وليتني لم أفعل ذلك، وبدأت ربيحة تروي لي القصة التي تقشعر لها الأبدان، قصة جورجيت التي أقسمت على أن تنتقم من كل ذكر يحمل دم عائلة الدهري.

وروت لي كيف أن أبناء عائلة الدهري يختفون الواحد تلو الآخر منذ عشرات السنين، وكيف أن ستة من أعمامها منذ كانت صغيرة قد اختفوا الواحد تلو الآخر وأن هذا ثالث أخ يختفي ولا يعود، وأنهم قد وجدوا واحداً منهم بالصدفة داخل أحد القبور، وكل الجهود التي بذلوها وبالرغم من استعانتهم بعشرات الشيوخ والسحرة من مختلف البلدان لم يستطيعوا أن يمنعوا جورجيت من الانتقام ومطاردتها لهم في كل مكان.

وروت لي كيف أنها رأت وهي صغيرة جدك وأعمامها يقتلون زوجة عمها ويدفنوها عقاباً لأنها أخبرت شخصاً بهذا الموضوع الذي يعتبرونه سراً ممنوع البوح به على اعتبار أنه يشكل إهانة كبيرة لعائلة الدهري، وخاصّة أن عدوها مجرد امرأة.

وبعد سماعي لما روته ربيحة انتابني خوف شديد عليك وعلى نفسي من جورجيت ومن هذه العائلة وأقسمت لعمتك ربيحة أن لا أخبر أحداً بما عرفت وأن لا أتصرف بأية طريقة تشير بأني عرفت شيئاً، وفعلاً هكذا تصرفت ومرت الأيام وأصبح عمرك سنة تماماً، وفي يوم عيد ميلادك الأول وأنا في البيت دخلت بيتي امرأة ترتدي الخمار وكلمتني باسمي وكأنها تعرفني منذ مدة طويلة، رفعت الخمار عن وجهها ليهل من خلفه البدر بجماله وقالت: لو أنك خلفتي بنت كنتي ارتحتي، بس أنتي خلفتي دهري جديد، وعيلة الدهري حتنقص ومش حتزيد، والقدر ما منه مفر، ولعنة جورجيت حتطارد كل ذكر.

غطت وجهها بالخمار ولا أذكر ما حدث بعدها فقد أغمي علي، وحينما صحوت كان جدك وأعمامك يحيطون بي وسألني جدك عما حدث، فلم استطع وقتها النطق بكلمة، وكان جدك وأعمامك ينظرون إليّ بنظرة غريبة تثير الخوف، وتركوني وشأني وذهبوا.

أخذت صحتي تتدهور وتسوء مع الوقت ولم أكن أتكلم مع أحد، حبست نفسي في البيت وكنت أرفض الخروج، وجاءت بعد أيام زوجة والدك لزيارتي وكانت حامل، وحينما رأيتها وبطريقة تلقائية ودون تفكير قلت: يا ربي تخلفي بنت وما تخلفي ولد، ولم أنتبه لوجود جدك معها ولم أعرف إن كان جدك قد سمعني أم لم يسمعني، فهو لم يعلق على شيء إلا أنه طلب مني أن أخرج من البيت وأن لا أعزل نفسي عن العائلة وأنني إن لم أفعل ذلك فسيغضب.

خوفي من جدك جعلني أفعل ذلك وأعود من جديد إلى سابق عهدي للاختلاط بالعائلة وبزوجات أعمامك وأقاربك من عائلة الدهري، وزادت مصيبتي أكثر حينما اختفت عمتك ربيحة ليجن جنون جدك ويقوم بالتحقيق مع معظم نساء العائلة إن كان هناك من يعرف أين ذهبت ولكن دون جدوى.

خرج جدك وأعمامك ووالدك يبحثون عنها واختفوا لعدة أيام ثم عادوا من جديد، وكانوا يغضبون لو أن أحدنا سأل أو نطق باسم ربيحة، وشعرت بأن مكروهاً ما قد أصاب عمتك، ودب الخوف بقلبي وعلمت بأن الدور سيأتي علي لا محالة وقررت الهروب متى سنحت لي الفرصة.

هربت إلى والدي في حلب ورويت له القصة بالكامل، وكان والدي ينوي السفر إلى الأردن لغرض التجارة فاصطحبني معه وأقمت معه هناك، وفي الأردن اكتملت مصيبتي حينما توفي والدي بحادث، ومرّت أسوأ وأصعب أيام حياتي بعدها، حتى تعرفت على شاب من فلسطين وتزوجته وقد كانت طبيعة عمله تجعله ينتقل من بلد إلى آخر، وسافرت معه إلى المغرب ومن ثم إلى اليمن وبعدها إلى مصر واستمر تنقلنا أربع سنوات، حتى عدنا إلى فلسطين واستقر بنا المطاف في الجليل، وقد أخبر أهله والجميع بأنك أبنه ولم يكن ليشك أحد بذلك، فقد أحبك أكثر من أي شيء آخر، حتى بعد أن أنجبت أخاك علاء، كان يحبك أنت يا فارس أكثر منه، ومع مرور السنوات نسيت عائلة الدهري وجورجيت وكل هذه القصة، حتى أنها لم تعد تخطر على بالي منذ سنوات، وهذه هي قصتي مع عائلة الدهري التي طواها الزمن، وقد فُتحت من جديد.[/align:ae2d1085e9]

Dehumanizer
04-11-2005, 11:58
الحلقة (14)

[align=justify:ffab3a1392]كان فارس يصغي بتأثر شديد لقصة والدته المأساوية وما تحملته من عذاب شديد وألم، وقال لها وهو يمسك بيدها: يمّا يا حبيبتي، أنا آسف اللي ذكرتك ورجّعتِك للماضي، لو كنت بعرف ما فتحت الموضوع، سامحيني يمّا.

فردت عليه: الذنب مش ذنبك يمّا، هيك القدر بده، والله يستر من الأيام الجاية عليك، وهي بعد ثلاثين سنة الدور أجاك يا فارس.

فقال فارس: أنا فهمت يمّا قصتك وقصة أبوي وعمتي ربيحة، بس لهلاء ما فهمت قصة جورجيت ولعنة الانتقام اللي عندها، وقصة جورجيت كانت على زمن جد جدي يعني إلها اكثر من مية سنة وأنا مش فاهم جورجيت طيبة ولا ميتة.

فقالت: يمّا .. يا فارس جورجيت ماتت وما ماتت، جورجيت بتقدر تكون موجودة من خلال بنتها.

فقال فارس: مش فاهم يمّا شو بتقصدي؟

فقالت: جورجيت يمّا كانت حامل لما دفنوها، وخلفت بنت جوه القبر وبنتها كبرت و... يمّا منشان الله ما بدي احكي بسيرة جورجيت، والله سنين وأنا ما بعرف أنام وما صدقت ونسيتها، بترجاك سكّر على الموضوع.

فقال فارس: أنا بعرف أنه صعب عليكي تحكي في هالموضوع، بس يمّا لازم نواجه الأمور، مش نهرب منها، علشان هيك يمّا لازم تتحملي وتفهميني سيرة هالمجنونة جورجيت.

فقالت: لا يمّا .. لا ياحبيبي لاتحكي هيك، جورجيت مش مجنونة، جورجيت مظلومة، لا تحكي يمّا مثل عيلة الدهري.

فقال: والله يمّا هالقصة قصة مجانين، ما إلها أول من آخر، لا أنا قادر أصدقها، ولا أنا قادر أكذبها، بسمع كلام ما بصدقه مجنون وشفت اشي اللّي ما بدخل العقل، قصة بدايتها جنون وما بتنتهي إلا بجنون.

فقالت أم فارس متوسلة والدموع في عينيها: بترجاك يمّا ما تجيب سيرة جورجيت، روح يمّا سافر لبعيد، بلكي الله نجاك، جورجيت أقسمت ومش راح تتراجع عن قسمها.

فقال فارس باستغراب: وأنتي شو اللي بخليك متأكدة؟ القصة ما صارت على زمانك، أنتي سمعتي فيها مثل غيرك وما بتقدري تعرفي إذا كانت صحيحة ولا مش صحيحة.

فقالت: يمّا مشان الله ما بدي أكذب عليك ولا تخليني أحكي اشي ما بدي أحكيه ولا تفكر حالك أنت الوحيد اللي بتفهم، يمّا أنت بعدك صغير، أسمع كلامي وروح سافر.

فقال فارس: أنا مش حسافر ومش حروح، لازم أفهم كل شي وإذا بدك تساعديني لازم تحكيلي اللي ما حكيتيه، ولازم تفهمي أنه الزمن تغير واليوم مش مثل زمان والخرافات اللي بتخوفكم ما بتخوفنا، ومش راح أهرب من شان خرافة وهبل جورجيت.

فقالت: صحيح يمّا أنه أصل الانسان بِردّ، أنت ما عرفت عيلة الدهري وما تربيت عندهم بس تصرفاتك وطباعك دهري.

أسمع يمّا: أنا قعدت سنين وأنا بضوي شمع على روح جورجيت وبترجاها تبعد عنك وما تجيك لما تكبر، وبقلها أنك عمرك ما راح تحمل اسم الدهري، أفهم يمّا، كل نسوان وبنات الدهري واللي حملوا أسم الدهري بيعرفوا قصة جورجيت وضوّوا الشمع على روحها وبكوا على قصتها، علشان هيك عيلة الدهري كانت بتشوف في كل النسوان عدو إلها، ويا ويل اللي كانت تغلط، كانوا يقتلوها وما يرحموها.

عيلة الدهري كانوا بشوفوا في كل مرَة جورجيت، جورجيت يمّا كانت تطلع لكل واحدة من عيلة الدهري متزوجة أو بنت، إن كانت بنت عيلة الدهري كانت تقولها: لا تتجوزي حدا من عيلتك علشان ما تخلفي أبن يحمل دم الدهري، علشان راح يصله الدور ومن قبله أبوه، وكانت تشرح قصتها وكيف ظلموها.

وإن كانت مثلي مش من عيلة الدهري ومتجوزة مع حدا من عيلة الدهري كانت تقولها: إن خلّفت بنت حنحبها وربنا يحميها، وإن خلّفتي ولد وحمل دم الدهري فمصيره مصير أبوه وجده، حيجي اليوم اللي نوخذه، لا تلوميني وسامحيني.

لا تسألني يمّا كيف كانت تطلع وتحكي معنا، كيف كانت تيجي وتروح إن كانت ميتة ولا طيبة، الله وحده بعلم، بس كلنا شفناها وحكينا معها، الله يرحمك يا جورجيت والله يسامحك على اللي بتسويه فينا، أسمع يا فارس: والله العظيم والله العظيم إن فتحت سيرة جورجيت مرة ثانية لا أنت أبني ولا بعرفك.

وخرجت أم فارس تاركة فارس خلفها حائراً مذهولاً لا يدري ماذا يفعل، لا يدري أيصدق أم يكذب، وجد نفسه أنه سيصبح ضحية لقصة حدثت قبل أكثر من مائة عام بكثير، ولا يدري ماهي تفاصيلها، كانت أمه فرصته الأخيرة ليفهم القصة ولكن أمه أقسمت اليمين وأغلقت الطريق أمامه وهو لا يجرؤ على أن يفتح الموضوع معها من جديد.

لمعت في رأس فارس فكرة بأنه لو وجد أم الجماجم ياسمين فسيدفعها لتحكي له هذه القصة الغريبة، ولكن أين يجد ياسمين وهو لا يعرف لها عنواناً، وفكر أن يذهب ويبحث عنها في المقابر حيث كانت تصطحبه، ولم يتردد فارس في أن ينفذ ما دار برأسه وبدأ رحلة البحث عن ياسمين أم الجماجم في المقابر.

أيام مرت وهو يبحث في مقابر حيفا وطبريا وبئر السبع، لم يترك مقبرة إلا ودخلها، كان يدخلها كالمجنون وينادي بأعلى صوته: يا ياسمين .. يا أم الجماجم .. أين أنتي؟

كل محاولات فارس باءت بالفشل حتى يأس وعاد إلى البيت وهو على يقين من أنها ستظهر في ساعة ما أو في يوم ما وأنها حتماً ستظهر، وفي طريق عودته إلى البيت توقف أمام أحد مطاعم الناصرة ودخل لتناول الطعام الذي لم يذقه منذ أيام، جلس وطلب الطعام وما هي إلا لحظات حتى رأى ذات الخمار الأسود التي لا يُرى منها إصبعاً ولا عيناً تقترب حيث كان يجلس وتسحب أحد الكراسي وتجلس أمام فارس وتقول له: بلاش تطلع مثل الأهبل وتلفت نظر الناس الموجودين، ابتسم وخليك طبيعي، شو هذه أول مرة بتشوفني فيها؟

تصرف فارس بشكل طبيعي وابتسم وبصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد قال: بصراحة ما توقعت أشوفك هون يا ياسمين، أنا هلكت وأنا بدور عليكي.

فقالت: ما حدا قلك دوّر في المقابر، كان ممكن تيجي على بيتي وهناك بتلاقيني.

فقال: وين بيتك هذا يا ياسمين؟

فقالت: إذا أنت ما بتعرف، بكرة حتعرف.

في هذه اللحظات اقترب من الطاولة حيث يجلس فارس وياسمين شابان من أصدقاء فارس، أحمرّ وجه فارس وتمنى لو أنهم لم يروه ويبتعدوا عنه حتى لا يسألوه عن علاقته بهذه المقنعة، ولكن حدث العكس وجلسا على الطاولة الملاصقة لطاولة فارس وقال أحدهم: مرحبا يا فارس وين مش مبين، وين غاطس يا فارس وما حدا بشوفك؟ وأدار وجهه ناحية ياسمين وابتسم وقال مرحبا يا شيخة.

تدخل فارس على الفور وهو يبتسم ابتسامة مصطنعة وأشار بيده إلى ياسمين وقال: ياسمين! وأشار بيده نحوهم وقال: أصدقاء لي من حيفا.

هزت ياسمين رأسها وقالت: تشرفنا يا أصدقاء فارس، وعلى فكرة أنا مش شيخة، بس شو أعمل، فارس بدو ألبس هيك علشان بغار كثير وأنا ما برضى أزعّله، خطيبي وحبيبي وما برفضله طلب.

أحمرّ وجه فارس أكثر وأكثر لهذا الإحراج الذي وضعته فيه ياسمين أمام أصدقائه، وفضّل الصمت على أن يعلق على كلامها، وبحركة سريعة أرادت ياسمين أن تخرجه من هذه الورطة، أو قصدت أن لا تعطيه المجال ليرد على أي سؤال فوقفت وأمسكت بيد فارس وقالت: فارس يالله تأخرنا كثير عن الحفلة، وسحبته بقوة وسارت، والتفتت إلى أصدقائه وأشارت بيدها قائلة: باي يا أصدقاء خطيبي، ولا تنسوا تدفعوا الحساب عنا علشان فارس مش حامل فلوس، باي.

وسحبت فارس من يده وقبل أن تخرج من باب المطعم التفتت إلى النادل وقالت له: الحساب عند الشباب الحلوين على الطاولة، وخرجت إلى الشارع وكل من في المطعم يبتسم لظرافة ياسمين.

ركبت ياسمين بجانب فارس في السيارة وأخذت تضحك وقالت: كيف وأنا بوفّر عليك الحساب؟

سار فارس وهو لايدري أيضحك أم يغضب ولكن ما حصل قد أضحك فارس، وأخذت ياسمين ترشد فارس كعادتها إلى أين يذهب من هنا وهناك، ثم طلبت منه أن يتوقف بجانب الطريق السريع ما بين شفا عمرو والناصرة.

أوقف فارس السيارة وابتسم وقال لياسمين: أنتي بتعرفي من ورا هالمقلب اللي عملتيه شو حيصير؟ أصحابي راح...

قاطعته ياسمين وبلهجة جادة قالت: بلاش كلام فاضي يا فارس، لا أنت ولا أصحابك بتهموني، وفش عندي وقت للكلام الفاضي، أنت بدك تعرف قصة جورجيت اللي أمك ما رضت تحكيلك إياها بالرغم من أنها تعرفها مليح، وقبل ما أجيب أجلك وأفتحلك قبر، راح أحكيلك إياها يا أبن الدهري علشان تفهمها مليح.[/align:ffab3a1392]

Z. Dragon.
04-11-2005, 22:09
عزيزي دهيو -كما يحب أن يناديك الأخوة هنا.... و أنت تعرف ما هو اسمك المفضل عندي :lol: ....

أحمل لك سلاما خاصا من دان براون Dan Brown. و البارحة كنا نحتسي الشاي أنا و ألفرد هيتشكوك و قد قال لي أنه أسلم عليك كتييييير السلام.

نسييييت كمان DIO باعتلك سلام....

يعني خلصّنا...... :shock: :shock: بييييض هالجوهرة...... اي شو الشغلة للشبع.

ملاحظة: القصة بتجنن لهلأ الله يعطيك 1000 عافية على رأي Lady و سلام خاص لها بهذه المناسبة.
ملاحظة 2: الله يعينك عالشباب و الصبايا إذا طلعت النهاية مو كل هالقد...... :D :D :D.

سلامات دهيو العزيز.

Dehumanizer
05-11-2005, 12:33
الحلقة (15)

[align=justify:a52bc70d98]القصة بدأت قبل مائة وخمس سنوات، جورجيت كان عمرها 14 سنة، وحيدة أمها وأبوها، والدها عيسى الشامي وكان فقيراً في وسط عائلة فاحشة الثراء، كان يعمل لدى عمه سائساً للخيل، في أحد الأيام وأثناء قيامه بالاعتناء بالخيل تعرض لرفسة من أحد الخيول الجامحة، ولم تكن الضربة بسيطة بل أدت إلى إصابته بشلل تام وعدم قدرته على تلقي العلاج اللازم ساعدت في زيادة الشلل عنده.

عاشت أسرة جورجيت في ظروف مأساوية وصلت إلى حد أنهم لم يجدوا ما يأكلونه، أخوة عيسى الشامي وأقاربه لم يكترثوا للوضع السيئ الذي تمر به عائلة عيسى الشامي، خاصة وأن أقربائه كانوا من أثرياء الشام، وما كانوا يبذّرونه ويصرفونه على خيولهم كان يكفي ليسد حاجة عائلة عيسى الشامي لعام كامل، أصّرت والدة جورجيت على أن تعمل خادمة في بيوت أقارب زوجها وتحمّلت شتى الإهانات لتعيل أسرتها وتعالج زوجها، وكانت وبسبب جمالها المميز وعجز زوجها تتعرض لمضايقات لا حدود لها وتنتهي بإهانات تمس بكرامتها.

كان كبرياء والدة جورجيت لا يسمح لها بقبول صدقة أو إحسان من أحد، وازداد الوضع الصحي لوالد جورجيت سوءاً مما تطلب توفير مبالغ كبيرة من المال لعلاجه، ابنته جورجيت لم تحتمل الوضع وألحّت على والدتها أن تخرج من البيت للعمل لمساعدتها من أجل توفير المال الكافي للعلاج، ولكن والدة جورجيت رفضت وبشدة خروج جورجيت من البيت للعمل تحت أي ظرف من الظروف، وكانت حجتها أن جورجيت يجب أن تبقى في البيت للاعتناء بوالدها.

لم تكن هذه الحجة هي السبب الحقيقي وراء رفض والدة جورجيت السماح لها بالخروج، وإنما السبب الحقيقي كان يكمن بإدراك والدة جورجيت أن خروج ابنتها من البيت سيسبب مشاكل لا أول لها ولا آخر، وسيعرّض جورجيت للخطر وذلك كون جمالها من الجمال النادر الوجود الذي لا تتمتع به أية فتاة أخرى في زمنها، وكانت والدة جورجيت حريصة على أن تبعد جورجيت عن الأنظار وساعدها في ذلك انزواء العائلة، حتى أن والدة جورجيت كانت تعمل على إظهارها كأية فتاة أخرى من خلال انتقاء أسوأ الملابس وتسريح شعرها بطريقة غريبة، وبالرغم من كل هذا لم يكن ليخفى جمال جورجيت الأسطوري.

جورجيت ابنة الرابعة عشرة لم تدرك لجهلها أن جمالها نقمة وسيحول حياتها إلى جحيم، جهلها هذا دفعها إلى الخروج من البيت دون علم والدتها وبطفولة وبراءة بدأت تبحث عن عمل، فرآها أحد الأشخاص وذُهل لجمالها وسألها: ابنة من أنتي؟

فقالت: ابنة عيسى الشامي.

فصُعق وقال: لا يمكن لسايس الخيل أن ينجب مثلك.

لم تفهم جورجيت ماذا قصد وماذا حدث ولكن بأسرع من البرق انتشر الخبر ودفع الفضول الكثير لرؤية ابنة سايس الخيل وأولهم أقاربها وأعمامها وأبناؤهم.

انتشر الخبر وأصبح اسم جورجيت حكاية الشام كلها وانتقل الخبر من مكان إلى آخر، والدة جورجيت أدركت الخطر وتوافد إلى بيتها العشرات من العرسان واستعد الكثير لعلاج عيسى الشامي، ولكن والدة جورجيت رفضت بشدة أن تقبل أي شيء من أي واحد منهم وهي تعلم أن الثمن المطلوب بالمقابل هو ابنتها جورجيت، وهنا ازدادت الأمور سوءاً.

فبدأت تُرسَم الخطط لإذلال والدة جورجيت، ولم تعد تستطيع الخروج من البيت للعمل حتى لا تترك جورجيت في البيت لوحدها خوفاً عليها، ولم تكن تستطيع الرحيل لظروف عجز زوجها، جورجيت ابنتها أصبحت حكاية الناس ووصلت الأمور إلى حد التهديدات من قِبل أقاربها بأنهم سيأخذون جورجيت بالقوة إذا لم يكن بالتفاهم.

وفي هذه الأجواء العاصفة التي تحمل قصة جورجيت بين الناس، هبت عاصفة أخرى لتنسي الناس قصة جورجيت وجمالها ولينشغلوا بمصيبة كبيرة وقعت على عائلة الشامي بالذات حينما قام أحد أبناء عائلة الشامي بقتل أحد أبناء عائلة الدهري والتي بدورها خرجت للثأر من عائلة الشامي، وتدخّل الوجهاء ليمنعوا حرباً بين كبرى عائلات الشام في ذلك الوقت، والتي إن حدثت ستحصد أرواح الكثيرين من كلا العائلتين.

عرضت عائلة الشامي أموالاً طائلة وأراض وأملاك على عائلة الدهري كديّة لمقتل أبنهم، فرفضت عائلة الدهري وأقسمت أن يكون مقابل حياة أبنهم خيرة شباب عائلة الشامي، واستمرت المفاوضات وقال سالم الدهري أخ القتيل أنه سيقبل بالديّة ولكن سيكون إضافة إليها أن تُحمل جورجيت الشامي وتعطى له.

فوجدت عائلة الشامي نفسها في موقف محرج ومهين أمام العائلات الأخرى، فجورجيت تحمل اسم الشامي وإن أعطوها لعائلة الدهري فهم بذلك لن يسلموها فقط، بل يطلبون منها أن تتحول من ديانة الشامي إلى ديانة الدهري.

اجتمعت عائلة الشامي بكبارها وصغارها ودار الحديث بينهم على أنه لا مفر، فإما أن يسلموا قاتل أبن الدهري، أو أن تقوم عائلة الدهري بقتل أحد شباب الشامي ثأراً لأبنهم، ولا أحد على استعداد أن يضحي بأبنه، والنتيجة أن الحرب لن تنتهي إلا بمقتل الكثيرين من كلا العائلتين، فاتفق الجميع بدون معارضة على أن جورجيت ابنة سايس الخيل أرخص ما يقدم للدهري، ولنعلن أننا كنّا قد تبرأنا من عيسى الشامي منذ زمن بعيد وأن جورجيت لا تعتبر من عائلة الشامي ولا يهم إن تزوجها أبن الدهري أو غيره.

نقل الوجهاء لعائلة الدهري أن سالم يستطيع أن يتزوج جورجيت متى شاء وإن هذا الأمر لا يعني عائلة الشامي بشيء، فردت عائلة الدهري وقالت: ومن قال أن سالم سيتزوجها؟! إننا طلبنا جورجيت كجارية، نفعل بها ما نشاء وليست كزوجة لأبننا.

فوجئ الوجهاء والوسطاء برد عائلة الدهري، وفوجئوا أكثر حينما ردت عائلة الشامي بأن هذا الأمر لا يعنيهم، فجورجيت لا تعني عائلة الشامي بشيء، والوسطاء والوجهاء من العائلات الأخرى اعتبروا أن إحضار جورجيت مع الجاهة ستكون إهانة للوجهاء إذا لم تكن زوجة.

استمرت المفاوضات أياماً أخرى واستطاع أحد الوجهاء أن يقنع سالم الدهري بعمل عقد زواج على ورق وأنه مجرّد كلام للخروج من هذا المأزق، ووافق الدهري على ذلك وحُدد موعد الصلحة بين عائلتي الشامي والدهري.

ووصل الخبر إلى أم جورجيت التي كاد أن يطير عقلها، وبدأت تفكر أين تهرب لتخبئ ابنتها، ولكن لم يكن هناك وقت للتفكير، حضر شبان وكبار عائلة الشامي لأخذ جورجيت وإرسالها إلى عائلة الدهري، وأمسكت أم جورجيت أبنتها وأخذت تبكي وتبكي معها ابنتها، أمسكوا أم جورجيت من شعرها وألقوها أرضاً وهي تصرخ وسحبوا جورجيت معهم وهي تبكي وهم يشتموا والدتها وينعتوها بالداعرة وأن ابنتها ابنة حرام.

تعالى صوت الصراخ والبكاء والنحيب وتلقت أم جورجيت وجورجيت عشرات الصفعات والركلات فسقطت أم جورجيت على الأرض مغشياً عليها ليتبين فيما بعد أنها ماتت بنوبة قلبية من القهر والغيظ، وحُملت جورجيت وأرسلت إلى عائلة الدهري وهي لم تبلغ الخامسة عشرة من العمر، وتم الصلح بين العائلتين وعادت المياه إلى مجاريها وكأن شيئاً لم يكن.[/align:a52bc70d98]

Dehumanizer
07-11-2005, 00:58
الحلقة (16)

[align=justify:44e0d523df]جورجيت التي ما زالت تبكي وهي لا تدري ماذا يحدث حولها وكيف وماذا فعلت لم تعلم أنها وعائلتها كانوا كبش الفداء للشامي والدهري، أرسلت جورجيت إلى بيت سالم الدهري حيث تسكن زوجته الثانية، وطلب منها أن تُبقي جورجيت عندها حتى يفرغ من العزاء في أخيه، حيث حتى تلك اللحظة لم يرَ سالم الدهري جورجيت، بل سمع عنها مثله مثل الآخرين.

جورجيت أمضت أياماً في بيت زوجة سالم الثانية وكانت تبكي ليل نهار وترجو زوجة سالم أن تعيدها إلى أمها قائلة: منشان الله يا خالتي رجعيني لأمي .. أنا ما عملت شي .. منشان الله أنا لازم روح وأطعمي أبوي علشان ما بقدر يوكل لوحده.

ولم يكن بيد زوجة سالم شيء لتفعله لهذه المسكينة سوى أن تحضنها وتبكي لبكائها وتقول: يا ريت يا بنتي بأيدي شيء أعمله، ويا ريت بقدر أرجعك لأهلك، أنتي اليوم مرة سالم الدهري الثالثة وعلى ذمته، وين ما حتروحي راح يلحقك ويجيبك.

وفي ساعات ما بعد منتصف الليل وبعد أن انتهى سالم الدهري من أخذ العزاء بأخيه الذي قُتل وودع ضيوفه عاد إلى البيت، وما أن فتح الباب حتى رأى ما لم يصدقه عقله ووقف مذهولاً، جمال جورجيت الأخاذ أذهل سالم الدهري وهو الذي سمع بها ولم يرها من قبل، لم يصدق سالم ولم يكن ليصل خياله وتصوره بأن على هذه الأرض مثل هذا الجمال، وقف كالصنم وعيونه تتفحص جورجيت من أخمص قدميها إلى رأسها وقال لها: لقد كذبوا جميعاً في وصفك، فأنتي أجمل مئات المرات من الوصف الذي ذكروه.

جورجيت جالسة في زاوية الغرفة بعد أن أنهكها التعب والإرهاق وما زالت آثار الدموع في عينيها لم تفهم ما قصده سالم الدهري ولم تعرف من يكون هذا الشخص الغريب.

أقترب سالم من جورجيت وجلس بجانبها وأخذ يتحسس جدائل شعرها الطويل واتقدت في عينيه نار الشهوة، وبأصابعه أخذ يفك الجدائل وبكل عفوية وبراءه سحبت جورجيت جدائل شعرها من يد سالم وقالت: لا تفكها يا عمو، ماما بتزعل مني بعدين. أبتسم سالم الدهري ابتسامة صفراء خبيثة ممزوجة بالشهوة وقال: لا تخافي، ماما مش راح تزعل، وأنتي كبرتي على الجدايل ولازم تفردي شعرك علشان تصيري عروس.

فقالت: لا أنا ما بدي، ماما بتزعل مني الله يخليك عمو رجعني عند ماما.

فقال سالم وهو يكتم غيظه: خليكي شاطرة واسمعي الكلام وبكره بوخذك على الماما.

صمتت جورجيت وأحنت رأسها وأطرقت بعينيها إلى الأرض وضمت يدها على الأخرى ظناً منها أنها بهذه الطريقة ترضي سالم وتكون "شاطرة" ليعيدها إلى أمها، ولم يكن سالم الدهري من الإنسانية ليشعر أنه أمام فتاة بريئة لا تفقه من أمور الحياة شيئاً وأنها عاشت حياتها منذ ولادتها معزولة عن الدنيا بحكم ظروف عائلتها، ولم تعرف إلا والدتها ووالدها اللذان كانا مشغولين عنها ليلاً ونهاراً في العمل الشاق من أجل توفير لقمة العيش لهم، ولم يكن لها أخ أو أخت ولا صديق أو صديقة ولم تكن تسنح لها الفرصة إلا كل عدة أشهر لساعات معدودة للعب مع مجموعة من الأطفال القادمين مع عائلاتهم لتتنزه بالقرب من المزرعة التي سكنتها مع عائلتها، وهذه الظروف جعلت من جورجيت تبدو في تصرفاتها كطفلة لم تبلغ العاشرة من العمر بالرغم من أنها بلغت الخامسة عشرة وذات جسد ممشوق وجمال يبهر الأبصار.

استمر سالم الدهري يفك جدائل شعرها ولم يكن ليستطيع أن يتمالك نفسه ويجمح نار الشهوة المشتعلة بداخله والتي كانت تزيد التهاباً كلما لامست يداه كتفي جورجيت وهو يفك جدائلها، وبشراسة مزق فستانها البالي بكلتا يديه بعنف وبدون رحمه وجورجيت تصرخ وتقفز من جانبه مذهولة ومصدومة لا تدري ماذا يحدث وتصرخ: حرام تضربني يا عمو منشان الله أنا ما عملت شي. وتبكي ويلاحقها سالم الدهري ويطاردها في أرجاء الغرفة ويشدها من شعرها ويمزق ما تبقى عليها من ثياب لتسقط جورجيت على الأرض ويلقي بجسده الثقيل عليها.

يُغشى على جورجيت لتصحو بعد عدة ساعات وتفتح عيونها، ومن أثر الصدمة لا تدري إن كان ما حدث كابوساً أم حقيقة لترى أمام عينيها زوجة سالم الثانية والدموع في عينيها وتضمد جروحها، تحاول أن تحرك جسدها لكنها لم تستطيع من شدة الألم فتحرك رأسها ولو قليلا فقد كانت تشعر بألم وجروح على رقبتها وكتفيها وصدرها وتعي فوراً أنها لم تكن في حلم ولا في كابوس، تبكي بحرارة وتقول لزوجة سالم الثانية التي ما زالت تضمد جروحها: ليش يا خالتو أنا شو عملت .. ليش يا خالتو.

أخذت زوجة سالم برأس جورجيت ووضعتها في حضنها بحنان ولم تتمالك نفسها بأن تعتقل دمعتها التي خرّت على خدها من جراء ما حصل لهذه المسكينة وقالت لها : معلش يا بنتي بكره بتنسي. وأخذت جورجيت وهي تبكي تسأل زوجة سالم أسئلة كثيرة واحتارت زوجة سالم كيف ترد عليها وهي تدرك أن جورجيت ببراءتها لن تستوعب ما حدث.

مرّت أيام وجورجيت ما زالت طريحة الفراش تعتني بها زوجة سالم ليل نهار، ورغم الحظر الكبير الذي فرضه سالم الدهري بمنع أي من كان من رؤية جورجيت، إلا أن بعض النساء والصبايا من عائلة الدهري حضرن خلسة لزيارة جورجيت ومواساتها والعناية بها، وكان لذلك الأثر الكبير في تحسّن حالة جورجيت واستعادة قوتها من جديد.

وبعد مرور عشرة أيام وفي ساعات الليل دخل سالم الدهري إلى الغرفة دون سابق إنذار حيث ترقد جورجيت وبجانبها زوجته الثانية وطلب من زوجته الثانية أن تخرج وتغلق الباب خلفها، وأخذت جورجيت تصرخ وتبكي وتمسك برداء زوجته وتتوسل إليها بأن تأخذها معها ولا تتركها معه، إلا أن سالم صرخ بها أن تخرج فوراً وتوسلت له أن يتركها فهي ما زالت مريضة ولكن سالم شدها من شعرها وألقاها خارج الباب وأغلقه، وجورجيت في السرير تبكي وتغطي وجهها بكلتا كفيها، لم تقاوم هذه المرة ولم تدافع عن نفسها بل اكتفت بإغماض عينيها وإخفاء وجهها بيديها.

مرت الأسابيع والأشهر وجورجيت حبيسة الغرفة لا يسمح لها بالخروج أو لقاء أحد، واعتادت جورجيت على الشر الذي لا بد منه بأن يزورها سالم كل عدة أيام لتغمض عينيها وتغطي وجهها.

توقفت جورجيت عن البكاء بعدها وبدأت تفهم ما يدور حولها، ومر عام كامل على هذا الحال وهي لم تر الشمس لمرة واحدة خلال كل هذه المدة، وما تعلمته خلال هذا العام كان أكثر مما كان يمكن أن تتعلمه خلال عشرات الأعوام، فزوجة سالم كانت بمثابة الأم الحنون لجورجيت، إلا أن جورجيت كانت دائمة السؤال عن والدها ووالدتها، فكانت الإجابة تأتيها دائما من زوجة سالم الأولى بأنهم بخير.

وفي إحدى الزيارات السرية التي كانت تقوم بها نساء وصبايا عائلة الدهري لجورجيت لتسليتها والحديث معها واطلاعها على آخر القصص والأحداث، سألت جورجيت إن كان هناك أخبار جديدة عن أبيها وأمها، فأجابتها إحدى النسوة بأن آخر الأخبار التي وصلتها بأنهما بخير وقد بعثا بسلامهم الحار مع أحد النسوة لك، ووعدا بأنهما حينما تسمح الظروف سيأتيان لزيارتك.

إحدى الصبايا الجالسات والتي كانت تستمع للحديث لم تتمالك أعصابها وأخذت تبكي لتخرجها إحدى النسوة بطريقة أثارت الشكوك عند جورجيت.

تغير لون جورجيت وقالت بنبرة حزينة والدموع تترقرق في عينيها: كل مرة بسألكن عن أهلي بتقولو لي أنهم بخير، وعيونكن بتقول غير هيك، أنا مش مصدقة اللي بتحكوه، قولو الحقيقة وما تخافو أنا كبرت كثير وراح أتحمل أي خبر، ما تخلوني أتعذب، ريحوني وأحكولي شو اللي صار.

كلام جورجيت جعل كل الجالسات معها يبكين، ولم يعد هناك جدوى من إخفاء الحقيقة عنها أكثر من ذلك، وبدأت إحداهن تروي الحقيقة وقالت: إن والدتك قد ماتت في نفس اليوم الذي أحضروك فيه إلى هنا ولم ينتبه لموتها أحد، وبقيت ملقاة على الأرض لعدة أيام فتوفي والدك بعد أيام.

لم تستطع المرأة أن تكمل حديثها وأخذت تبكي، وجورجيت فاجأت الجميع إذ لم يسقط من عينيها دمعه واحدة وكأن الدمع قد جف من عيونها، وبهدوء وثقة قالت: لا تبكي، اللي مات مات، بس قولي لي مين دفنهم ووين دفنوهم.

ونظرن النسوة باستغراب لتماسك جورجيت واهتمامها بمكان دفنهما وقالت إحداهن: لقد سمعنا أنه لم ينتبه لموتهما أحد لعدة أيام حتى مر أحد الأشخاص بالصدفة من جانب المزرعة وعلم بموتهما وذهب وأخبر الناس، وتطوع بعض الأشخاص وقاموا بدفنهم.

قالت جورجيت: وين دفنوهم بالضبط؟ دفنوهم بمقبرة عائلة الشامي؟

خيم جو من الصمت على المكان لسؤال جورجيت واهتمامها بمكان دفنهما، فقطعت إحداهن الصمت الذي خيم على المكان وقالت: لا لقد تم دفنهما بجوار المزرعة ولم يدفنا بمقبرة الشامي.

وقالت إحدى الجالسات: الله كبير يا بنتي، أدعيلهم الله يرحمهم .

ابتسمت جورجيت وقالت: الله يرحمهم ... اللي مات مات، خلينا نسكر على هالموضوع.

وقالت أخرى: البقية في حياتك يا جورجيت والله يرحمهم.

وقالت إحدى الصبايا غاضبة: الله ينتقم من اللي كان السبب وراح ندعي معك ليل نهار أنه الله ينتقم منهم.

ابتسمت جورجيت ووضعت يدها على كتف الصبية وقالت مرة أخرى: اللي مات مات، وخلينا نحكي بموضوع ثاني.

وقالت زوجة سالم يا جورجيت لا تحشري بقلبك: أبكي يا بنتي أبكي وخلي إيمانك بالله كبير.

صمتت جورجيت لبرهة ثم قالت: يا خالتي بكفي وسكروا على هالموضوع.

وقالت إحدى الصبايا والتي عمرها من عمر جورجيت والدموع تنهمر من عينيها: والله يا جورجيت لو بدهم يدبحوني إلا روح ودور على قبر أمك وأبوك وأضوي عليهم الشمع، وامسكتها جورجيت وحضنتها وأخذت تمسح دموعها عن خدها وتقول لها: لا تبكي حبيبتي ولا تغلبي حالك، اللي مات مات.

أرادت أخرى أن تتحدث ولكن جورجيت قاطعتها قائلة: أرجوكم بكفي حكي في هالموضوع.

خيّم على المكان بعد كلمات جورجيت جو من الحزن والكآبة والوجوه المكفهرة، والمفاجئة والذهول والاستغراب من تماسك جورجيت واللامبالاة التي أبدتها حيال الموضوع، وما هي إلا لحظات معدودة حتى انقلب الجو إلى خوف وذعر انتشر بين النسوة والصبايا الجالسات ترافق مع سماعهن أصواتاً آتية من خارج البيت.[/align:44e0d523df]

Dehumanizer
07-11-2005, 19:57
الحلقة (17)

[align=justify:bda00e40d3]يظهر سالم الدهري مع مجموعة من رجال العائلة حاملين بأيديهم العصي والسياط وينهالون بالضرب على كل النساء، وهم يشتمون، وانهال سالم الدهري على زوجته بالسوط وهو يصرخ بها: يا كلبة يا زانية حذرتك ألف مرة أنه محدش يحكي مع جورجيت، وأنتي لامّه كل النسوان عندها.

أمسك بشعرها وركلها بقوة فسقطت على الأرض والدماء تنزف من وجهها بغزارة، وأخذ يضرب بالسوط جورجيت على جميع أنحاء جسدها حتى تعبت يداه وجورجيت واقفة لا تصد الضرب ولا تحني رأسها ولا تصرخ ولا تبكي، وكأنها فقدت الإحساس بالألم.

هربت النسوة من البيت ولم يبق في البيت إلا سالم الدهري وزوجته الملقاة على الأرض، وجورجيت الواقفة على قدميها وضربات السوط قد مزقت ملابسها وتركت ندوباً وعلامات على وجهها وجسدها. انحنت جورجيت واقتربت من زوجة سالم لترفعها عن الأرض فصرخ بها: اتركيها تموت مثل الكلبة.

لم تكترث جورجيت ورفعت زوجته فركلها سالم ببطنها ركلة ألقت بها لعدة أمتار، فزحفت جورجيت مرة ثانية لتسعف زوجة سالم إلا أنه بدأ بركلها بقدميه على وجهها وجسدها حتى أغمى عليها من شدة الضرب.

أفاقت بعد عدة ساعات لتجد نفسها مقيدة في حظيرة الأغنام ليأتي سالم وهو يضحك ويقول لها: هذا مكانك الذي يجب أن تكوني فيه، ولا تنسي إنك ثمن دم أخي.

منظر جورجيت المقيدة والملقاة على الأرض وثيابها التي مزقها السوط كاشفة عن الجزء الأكبر من جسدها أثار في سالم نار الشهوة فهجم عليها ومزق ملابسها وفك قيودها حتى لا يبقى ما يمنعه من إشباع شهوته، وما أن انتهى حتى اخذ يضحك بهستيريا، وبحركة سريعة لا شعورية أمسكت جورجيت بوتد كان بجانبها خصص لربط الأبقار وضربت سالم ضربة على وجهه تسببت في فقء عينه اليمنى، صرخ سالم من الألم وخرج من غير وعي والدم ينزف من وجهه حتى أنه لم يصحو على نفسه عندما خرج من الحظيرة عارياً.

مرت ساعات طويلة على جورجيت وكأنها الدهر وهي تنتظر عودة سالم الدهري لينتقم منها، حتى حدث هذا وعاد سالم مضمداً وجهه وعينه وقال لجورجيت : عيني راحت يا جورجيت وأنا شايفك بعين واحدة مش تنتين، وأنا لو أخذت روحك بدل عيني مش حارتاح، أنتي حلوة كثير يا جورجيت، والله ما خلق أحلى منك، وأنا قررت أني ما أكون أناني وأخبيكي عن عيون الناس.

وأخذ ينادي بأسماء أشخاص كانوا موجودين خارج الحظيرة، ودخلت مجموعة من رجال الدهري الذين تمنوا أن يروا حتى ولو من بعيد جورجيت صاحبة الجمال الخارق وقال لهم سالم: خذوا نصيبكم منها أنها مجرد جارية، ولم يكن هؤلاء أقل قذارة من سالم، فاخذوا يعتدون عليها الواحد تلو الآخر وهي صامته خائرة القوى لا تقوى على إبداء أي نوع من المقاومة.

توالت الأيام وسالم في كل يوم يحضر معه مجموعة جديدة من أقاربه ويجد متعته وهو يراقب كيف يعتدون عليها الواحد تلو الآخر، وكان يجبرها على أن تأكل من الفضلات التي وضعت للخرفان في الحظيرة.

لم يكتف سالم بهذا بل أتاها يوماً وقال: أنتي أجمل مرة على وجه الأرض، بس والله لخليكي أبشع مرة، كل رجل تمناك حتى ولو لحظة ليشوف جمالك راح أخليه لما يشوفك يقرف ويتمنى لو أنه ما شافك.

قيد يديها وقدميها ولم يكن بحاجة لذلك فهي لم تعد تقوى على الحراك، وأمسك بشعرها وقال: إن هذا الشعر الجميل لم يعد يناسبك يا جورجيت، وأخذ مقصاً وبدأ يقصه بجنون ومتعة حتى أتى عليه كله، أبتعد عنها لعدة خطوات ونظر إليها وقال: ما زلت جميلة يا جورجيت وأخذ سكيناً وبدأ يشوه وجهها وجسدها بوحشية، ولم يتوقف إلا حين ظن أنها ماتت بين يديه ليهزها بيديه وهو يصرخ: ما تموتي أنا ما بدي تموتي.

وحينما شعر أنها ما زالت تتنفس ألقاها على الأرض وخرج، وفي اليوم التالي عاد ومعه مجموعة أخرى من الرجال، وقال لهم سالم: هذه هي جورجيت، من يريدها منكم فليأخذها.

أشاح معظمهم بوجوههم عنها تفاديا لرؤيتها، حتى أن أحدهم قد تقيأ من المنظر الذي أصبحت عليه، وهنا ضحك سالم وقال: يا جورجيت الكل اشتهاك وتمناك والآن لا أحد يريد حتى النظر إليك، كنت أجمل مخلوقة وأصبحت أقبح من في الوجود، فاختاري أن تمضي حياتك بين الخراف أو أخرجي ليراك الناس وأكون قد صنعت لهم مثلاً بالقباحة ليقولوا أقبح من جورجيت إن أرادوا وصف أحد في القبح، وخرج سالم وتركها ولم يهتم حتى بإغلاق باب الحظيرة.

ومرت الأيام وجورجيت تشارك الأغنام الطعام والشراب، وفي إحدى الليالي سمعت صوتاً يناديها همساً: جورجيت ... جورجيت، فالتفتت إلى مصدر الصوت وإذ بها صديقتها الصغيرة وقد أتت خلسة لرؤيتها.

اختبأت جورجيت خلف الأغنام وقالت لها: أرجوك لا تنظري إلي.

فبكت الصبية وقالت لها: لا يا جورجيت لا تتخبي.

واقتربت منها الصبية وحضنتها وقالت لها: شو ما عملوا فيك حتظلك أحلى بنت في الدنيا كلها.

ومرت أيام أخرى وبدأت جورجيت تعتاد على شكلها، واحضرن لها صديقاتها من بنات عائلة الدهري واللواتي كن يحضرن ليلاً لزيارتها خشية أن يراهن أحد عباءة وخماراً لتخفي جسدها المشوه، وبعد أن ارتدتها واخفت جسدها بالكامل أصبح من المستحيل أن يُرى وجهها أو أي جزء من جسدها، وقررت الخروج من الحظيرة التي أمضت أشهراً فيها، ولكن مصائب جورجيت لم تتوقف عند هذا الحد بل اكتشفت أنها حامل ووصل الخبر مسامع سالم الدهري والذي كان قد بدأ ينسى أمرها، فجن جنونه وجمع أقاربه وقال لهم: إن تلك العاهرة حامل والذي تحمله في بطنها أبن أحدنا، وأتفق الجميع بأنه من المحال معرفة أبن من سيكون وعليه فقد قرروا أن يدفنوها ويريحوا أنفسهم من هذه القضية، فحملوها وخرجوا بها إلى إحدى المقابر وفتحوا أحد القبور ووضعوها فيه وتركوها لتموت داخل القبر هي والجنين الذي تحمله، وعادوا إلى بيوتهم سعداء بعد أن تخلصوا من هذه القضية التي أقضت مضاجعهم .

في داخل القبر الضيق والمظلم الذي تفوح منه رائحة الأموات والعفن، أيقنت جورجيت أنها ستموت لا محالة إن لم تكن قد ماتت، أغمضت عينيها مستسلمة للموت الذي تنتظره، ومن عتمة القبر المغلق سمعت صوتاً خافتاً بالكاد يُسمع يناديها: جورجيت ... جورجيت

ارتجفت أوصالها وأيقنت أن هذا الصوت ما هو إلا صوت ملاك الموت الذي سمعت عنه وقد جاء ليقبض روحها، والصوت الهامس ما زال يناديها: جورجيت ... لا تخافي يا جورجيت.

في عتمة القبر الضيق حاولت جورجيت أن ترى من أين يأتي الصوت، ولكنها لم تستطع أن ترى شيئاً، عاد الصوت يناديها من جديد: جورجيت لا تخافي، أنا أناديك من تحت القبر، أدفعي بقدمك اليمنى الحجر وسيفتح لك باب، فتعالي عندي.

أخذت جورجيت تدفع بقدمها اليمنى الحجر حتى سقط ليكشف عن فتحة صغيرة جداً بالكاد تستطيع أن تمر منها، فزحفت جورجيت على بطنها حتى أخرجت جسدها من الفتحة الضيقة وسقطت في مغارة كبيرة ومظلمة تقع تحت القبر.

عاد الصوت الهامس يناديها من جديد: جورجيت ... سيري نحو الأمام ولا تتوقفي حتى أقول لك.

سارت جورجيت في الظلام عشرات الأمتار ليعود الصوت الهامس ويقول لها: جورجيت ... ادخلي على يمينك، ففعلت جورجيت هذا ووجدت نفسها في مغارة مضاءة بضوء خافت مصدره شمعة مشتعلة من بعيد، وفي داخل المغارة أسرَّة وملابس وأشياء أخرى.

عاد الصوت الهامس من جديد يناديها: لا تخافي يا جورجيت، أنتي في أمان، أجعلي من هذا منزلك، استحمي واستريحي وكلي وافعلي ما شئت، فستجدين كل ما ينقصك وكل ما تريدين، ولكن لا تخرجي من هنا ولا تفكري في الخروج حتى تنجبي طفلك.

التفتت جورجيت إلى مصدر الصوت ولكنها لم ترى شيئاً بسبب الظلام.

وقالت جورجيت: أين أنا؟ ومن يكلمني؟

فرد الصوت الهامس: أنتي في أمان، أنتي في بيتك يا جورجيت ولكن لن تريني حتى تنجبي طفلك.

فقالت جورجيت: هل أنا حية أم ميتة؟

فرد الصوت الهامس: لا يا جورجيت، أنتي حية ولم تموتي، والآن ارتاحي ولا تفكري بشيء، وإن احتجت شيئاً ولم تجديه، فقط أطلبيه وسيحضر لك في الحال.

واختفى الصوت الهامس وتلاشى الخوف وحلّت مكانه الطمأنينة في قلب جورجيت، وتكيّفت مع الحياة في داخل هذا المكان المظلم المضاء بنور خافت، وكانت جورجيت كلّما احتاجت شيئاً تتكلم وتطلبه لتجده بعد وقت قصير في مدخل المغارة وكأن أحدا يذهب ويحضره بسرعة.

مرّت الأيام والأشهر واكتمل حمل جورجيت وحان موعد ولادتها، وأنجبت بعد عناء وألم وتعب طفلة كأنها البدر في بهائها، ومع مولدها أزداد النور في المكان ليصبح كل شيء يُرى بوضوح أكثر وكأن القمر قد أطل على المكان احتفالاً بميلادها، غسلتها وأرضعتها ولفتها وضمتها