أبو ناجي
22-08-2005, 22:18
جريمة قتل طويلة ------- بـقـلم : أحمد علي المصطفى
نعم ..أذكرها , فهي النور البعيد في روحي..كيف لا ..وهي الأنفاس التي تستبقي تهافتي على المباهج الباقية , مباهج فقدت دغدغات الطفولة وشدة تألقها , مباهج لا تصور سوى آلية الثواني في التسرب من حياة لا أعلم ما الأسوأ القادم فيها ,
بنفور مقيت أشارك صنعها كوجود ادور في دواماته رغما عن إرادتي , فقوة الجذب نحو هاوية الديجور و مجاهيل عفونة المستقبل الذي وصلت إلى أنفي بعض روائحه , كان لها بعض الفوز المبين في تفعيل معادلة الانسلاخ القهري , مابين مادة الجمال الملتقط كحظ متوحد , هو مكسبي , وبين مادة صناعتها ما أسن من مستنقعات القرية الواحدة المتقاربة , في شرورها ...!! فأتابع سواد القادم ببعض فرحة أنوار الفائت ....يالها من معادلة لا تحتملها روحي الممزقة شر ممزق ..لكن...تنفس الروح وقود يحرق كل مراجل الرغبة , ولا يكترث لصور السنون المؤرشفة ولا صدى حنانها .....نعم
هو " السيران " هكذا كان و هكذا استمر وهكذا بقي واتمنى بقاء مفردته , "
السيران " أمر كان شبه أسبوعي شكل بعض جوانب الشخصية التي تسومني ألم العذابات وأمل ابتعادها ..كان " السيران " لطفل في سني هو أنشودة فرح منتظر , كان بناء الفرح وأس السعادة لنفس تبنت لغة الأحزان منذ الصرخة الأولى , فكنت أنتظره حانقا على كل وجوب حرق المراحل لكي اتجاوز الايام الستة للفوز بنعمة طقوس اليوم السابع , ربما في العام السبعين من القرن المنصرم وما تلته من اعوام تشكل جل اصابع اليدين ولا تتجاوزها عددا , كانت الانطلاقات الاولى حيث تحملنا آلة المكان لخضرة المكان , فلا تمضي لحظات الوقت جامدة حبيسة الانتظار, بل يغزو التمتع شغاف الأنفس الطفولية بعدوى جماعية تنتقل بيني وبين اخوتي في متابعة المسافة من خلف نوافذ المركبة التي تقلنا ويرتفع الادرينالين معلنا نشوب الفرح , ولا يكاد شريط الجنة الأول بالظهور , إلا ونستشعر دخولنا في ملكوت صوفي هياب نتعرفه باتساع صدورنا في استقبال نسمات الهواء العليل , آآآه له من هواء, ننتثر في رقعة الحياة ونتلمس العشب النضر الندي , إنها مناطق دمر , والهامة , والربوة , وغوطة دمشق الغربية , نفترش الارض معلنين بداية العرض , ونهر بردى يكاد ينطق بردا وصفاءا , نتأمل نعمة وجلال الخلق في التفاف الطبيعة وكأنها تضمنا , تسكب خيراتها على كل عاشق لها ,
فيختلط صوت الكبار من الاباء والامهات و أصدقاء العائلة بثورة انطلاق الطفولة وتلمس التحرر في فسيح المكان , وتتلاقى روائح الشواء مع ما يطرب من قهقات اللذة ووقع صوت النرد فقرقرة النرجيلة وأصوات شتى كثيرة انطبعت كوشم لن يفارق مسامات الذكرى .....نعم
تحترق السنون بمراحلها , وتنسحب تلك الصور الى غرف بعيدة , وتهجم الحياة بقسوتها , فأنتقل لأمكنة عدة , واسافر مبتعد الجسد , متلازم الروح , وتتالى الشهور والسنون لتجعل من واقع قد مضى حلما ..تكر المآزق وتتلون الحوادث , وتلقي بي الظروف في بقاع شتى , وتكون من المحطات تلك التي وجدتني فيها , بلاد الجمال وعنوان كمال الطبيعة النسبية , فتحط بي رحالي في سويسرة , وتعود تلك الرئة للتشبع من النقاوة وتحار العين في أي صنوف من الجمال تترجم أولا ...فالخضرة صارخة وقحة بجنونها , ولغة الطبيعة كثورة متتالية الحلقات بترابط عزيز , فهاهي السفوح بغاباتها , وجبال الألب تعتمر قبعات البياض من ندف السماء , والبحيرات تشدك الى لهاث طويل وانفاس متلاحقة بتفسيرها قمم الفراديس المطلقة ...تشيع في النفس آمال جمة ...وتصبح تلك الصور حلقة من سلسلة طويلة من كتاب الذكرى ...وتمر أعوام وأعود...آآآه لها من عودة ....نعم
أهي دمشق تلك التي فارقتها مادة وجسدا , ولم تفارقني روحا ولا وجدانا..؟؟
أهي دمشق تلك التي أرى ؟؟ لا ..لا ..ما كذب الفؤاد ما رأى ...ما الذي جرى ؟؟
أهي مدينتي؟؟ كانت المركبات وعلى اتساع العاصمة لا تقطع خيط الرحمة في إيذاء مدينتي بتوالدها وتناسلها وتناسخها الذي أراه , كنت أرى الشاسع من القلب ودبيب تلك العربات لا تنفر العين لمرآها ..أما الآن..؟؟ مابالي وقد ولجت مكانا هو أقرب للورشة منه أن يكون أميرتي؟؟ مئات ومئات الآلاف منها تزمجر بأبواقها المقيتة ..وتقذف في شرايين المغتصبة عنوة لطهارة وبكرية وعذرية بيئتها كل أنواع السموم والسواد ...مابال الخضرة التي وعيت وقد طعنت بكل صنوف نصال الغباء والجهالة؟؟ كنت أمتاز بمدينتي وأنفس حظي لذلك الثوب الأخضر ..كل ثياب العرائيس بيض..سوى ثوب مدينتي كنت أراها ترتدي زيا اخضرا تكلله تيجان الياسمين وتفوح من افواه بنياتها طفولة الجوري ....تبا لك أيها الإسمنت يا قاتل الخيرات ...تبا لك من حضارة لم تسعدي سوى تجار من يساومون على عرض عروستهم , هاهي تغتصب وعلى الملأ بساتينها ...وما هذا؟؟ أهذا قاسيون وقد شق في صدره طريقا ؟؟ ...فلأنظر إذن كيف تبدو لغة القتل المتمدن ....ارتفقت جبلي وارتفقني باكيا شاكيا يقول ...سرح بصرك لابنتي وانظر فعالهم وحرابهم ...انظر..كما انظر شاهدا على جنون قتلهم في كل اشراقة شمس افتقدت قان حمرتها ...آآآه لها من آلام فتاكة هي التي اعتصرت حلقي وأنا انظر ... سحابة السواد وحمم السخام والقار وسلاح الجريمة ما يزال ممسك بحبيبتي ...وانتشر الغول قاتلا كل بساط لوني خبرته .....نعم
قارنت بين بلد الحضارة والتمدن الذي فاجأتني فيه سمة حقيقة الحضارة , وبين ما آلت اليه أميرتي من اعتقاد الحضارة الجهالة ...عندهم استبعد اغلبهم تلك السيارات بدراجات هوائية , ولم ينعت تصرفهم بالتخلف وعقم التحضر....عندهم بعض السيارات التي ترى تطفىء محركاتها عند الشارات الضوئية الحمراء كي يقللوا نسبة التلوث ما أمكن ..التلوث الذي , والله , لم أره في سمائهم ولا هوائهم ولا مائهم ...ومع هذا ...يرون أنه تلوث لو لم يفعلوا ذلك...قارنت بين الهدوء في الفعال من قيادة وتعامل , وبين استهتار القيمة الإنسانية في تهور التطبيق البهيمي من اطباق اكفهم على ابواق تلك المركبات , تلوث صوتي , تلوث مرئي , تلوث حسي كامل ....نعم
جلت في مدينتي بعض الأيام التي زرتها فيها مشتملا حزني وقهري , هاهي ام وابنتها تأكلان الذره , ثم تلقيان ما تخلف على أي حافة رصيف , مع قربهم من حاوية القمامة , ما اجحدهم لحاضنتهم وراعيتهم ؟؟ اوراق , مخلفات , ابنية اكتست كل انواع السخام جدرانها , شوارع تساوت ارصفتها باسفلتها الذي ابتلي بكل أنواع الجدري , فحفر في كل وجه شوارعه اخاديدا ووهادا وتلال واودية شكلت تضاريسا مستحدثة على عالم المرور لن تجد له موازيا في أي رقعة من العالم ..تلاشيت بخجلي..تسائلت في وجوههم ..لم ؟؟ لم ؟؟ لم ؟؟
كفوا ايديكم ..كفوا أيديكم ..ارجوكم ..كفوا أيديكم ....إنها أمكم التي تذبحون ..إنها اختكم الذي تغتصبون ...لا تصرخوا في وجهي ..لا تقولوا ما ابشع التشبيه....كأنكم تأكلون لحم اخيكم ميتا...أتذكرون كيف كرهتموه؟؟
فكيف لا اقارب التشبيه مقاربة سوء فظائعكم ..
كفوا ايديكم ...استحلفكم ببردى ..استحلفكم بقايا الذكرى ..استحلفكم الربوة
والغوطة وكل عصب غذى طفولتكم وطفولة ابنائكم ...أن ...تكفوا
***************************
جـريـمـة قـتـل طـويـلـة - الجـزء الثاني :
-------------------------------------------
قهوة النوفرة , سوق الحميدية , البزورية , المسكية , ساروجة , الميدان والصالحية , الشاغور والقنوات , السويقة وباب توما , كل الأبواب الشاهدة على دمعي, كل الحارات والأزقة التي تمثل ألمي ,
كل ظل ظليل يسبح في ملكوت البرد والسلام في تنفس صباحات الخير التي تتسلل برقة وتداعب بيوتات دمشق الخالدة , فتحاكي فكري ونفسي وروحي , كل تلك الإعجازات التي تصنف وجوديتي وتذوقي لسحر
المكان , كلها جميعا , نعم جميعا , هي الناظم لاستمراريتي في خضم تسونامي الجوهر والطالع يحاول قذفي لتشوهات المتواجدات والموجودات الأخرى التي آنف اقترابا لشطآنها , وارتعد بنوازع طفولية من أن تتلمس بكل شرورها نقاء تلك الصور الروحية , فانقيادي وراء تلك الحواري هو مرجعية الطهارة للضوء الأول الحي الباطني الذي أتعرفه بتعرف تواثق العرى التكوينية التي تصنع كل ردود أفعالي , لتشدو بحداء طويل حزين ومشوق حنيني لخزين الذكرى , فما ربط قاسيون وبردى هو أثر حي وحقلة في سلسلة طويلة لن تنتهي إلا بتوأمة البداية التي تزف كل عروس لمخدع الخلود الدمشقي الهياب , فترى عرسان وعرائس كم صنعوا من أمجاد شهور العسل ذات الثوب الديمومي السرمدي , قصائد السعادة التي تعنون كل حديث عن الشام , فأين هي إذن كل تلك الأنواء المكتسحة التي تحاول بعبثية أن تقتلع مني ألفت الإدلبي , وقتيبة الشهابي , ونزار الأسود , وكولييت خوري , وناديا خوست , في مدارس الياسمين التي يديرها نزار قباني..؟؟
خاب كل فأل فيما يراد لهم بإقحام الأماني ساحة الحجة والمنطق , فلن انسلخ عن أسباب الدوام , ولن أقارب جنون التلون بسمات الغباء الذي ينزلق لأوديته الآسنة من ظنوا حتمية التحضر والاستعلاء الأجوف في استعارة كل ما هو دخيل لخلق مسوخ مشوهة يجاهدون لتسفيرها بكل أحصنتهم الطروادية كي يمنوا خواء الجيوب امتلاءا بوجوه باسمة بسخرية تسخر من بلاهة المتلقف لها تصنعها سحنة واشنطن في لوحته الدولارية , ألا ما أبأس وأبخس الأثمان التي تحاولون فيها بيع كل مسجد وكنسية , ما أنتن عفونتها تلك الوريقات التي تلطم جباهكم وتركل ظهوركم وتمتطي بقايا كرامتكم كي تسجدوا لها مستجدين بخسة فتات ظنونكم بها فأرضيتم أن تكونوا بئس المركوب لبئس الراكب , وان درجتم بغباء لن تلوث تفاهة فعاله على
إيغالكم الشر , صورة الشام , ولا طهر الشام , ولا بكرية الشام , يا من استجلبتم انظار الزائرين لحلبات الروديو لتكونوا ثيران الفرجة لمن يستحلب قطرات العرق المسفوح على أعتاب الشامتين , فلا غدر الغادري ولا بشاعة الخيانة في نهاية بسام العدل , ولا كل نشاز تنثره سموم لعابكم على شاشات إعلامهم وصحفهم بقادرة على أن تحرك اعتقادية الاعصار فيها وريقة من زهرة ياسمين يستلهم استرضاع جبروته من تربة بيت دمشقي....خاب فألكم..خاب مسعاكم.
إن كان ما لقيصر لقيصر..وما للشعب للشعب.. وما للشرق للشرق..وما للغرب للغرب..فدمشق الشآم فوق كل قيصر وشرق وغرب , فهي التفرد والتماهي , هي الخلق الأوحد والحقيقة التي لا تقبل التغيير ..فهلا كففتم؟؟
أستحلفكم قبور الأجداد ..استحلفكم سحر الأمجاد ...استحلفكم كل سلسبيل في كل زقاق اهداكم قطرات الفيجة وأنتم تنهلون شذرات الذهب من بردها وثلجها بعد استراحتكم من لعب الطفولة الذي شهدت عليه المآخاة بين ضلوع البيوت الدمشقية التي تتفرع لتشكل رئة الحياة التي تحاولون استبدال نقاء الحارة فيها بقذارة
ريح الظن بتحضركم ....أعود واستحلفكم بكل إرث بنيت عليه حضارتهم ألا تقتلوا حضارتكم ..فأنتم منا وفينا واستحلف بقايا الحرارة فيما أظنه من دماء لا آمل نضوبها في شرارين عروبتكم ..أن تكفوا...أن تكفوا
نعم ..أذكرها , فهي النور البعيد في روحي..كيف لا ..وهي الأنفاس التي تستبقي تهافتي على المباهج الباقية , مباهج فقدت دغدغات الطفولة وشدة تألقها , مباهج لا تصور سوى آلية الثواني في التسرب من حياة لا أعلم ما الأسوأ القادم فيها ,
بنفور مقيت أشارك صنعها كوجود ادور في دواماته رغما عن إرادتي , فقوة الجذب نحو هاوية الديجور و مجاهيل عفونة المستقبل الذي وصلت إلى أنفي بعض روائحه , كان لها بعض الفوز المبين في تفعيل معادلة الانسلاخ القهري , مابين مادة الجمال الملتقط كحظ متوحد , هو مكسبي , وبين مادة صناعتها ما أسن من مستنقعات القرية الواحدة المتقاربة , في شرورها ...!! فأتابع سواد القادم ببعض فرحة أنوار الفائت ....يالها من معادلة لا تحتملها روحي الممزقة شر ممزق ..لكن...تنفس الروح وقود يحرق كل مراجل الرغبة , ولا يكترث لصور السنون المؤرشفة ولا صدى حنانها .....نعم
هو " السيران " هكذا كان و هكذا استمر وهكذا بقي واتمنى بقاء مفردته , "
السيران " أمر كان شبه أسبوعي شكل بعض جوانب الشخصية التي تسومني ألم العذابات وأمل ابتعادها ..كان " السيران " لطفل في سني هو أنشودة فرح منتظر , كان بناء الفرح وأس السعادة لنفس تبنت لغة الأحزان منذ الصرخة الأولى , فكنت أنتظره حانقا على كل وجوب حرق المراحل لكي اتجاوز الايام الستة للفوز بنعمة طقوس اليوم السابع , ربما في العام السبعين من القرن المنصرم وما تلته من اعوام تشكل جل اصابع اليدين ولا تتجاوزها عددا , كانت الانطلاقات الاولى حيث تحملنا آلة المكان لخضرة المكان , فلا تمضي لحظات الوقت جامدة حبيسة الانتظار, بل يغزو التمتع شغاف الأنفس الطفولية بعدوى جماعية تنتقل بيني وبين اخوتي في متابعة المسافة من خلف نوافذ المركبة التي تقلنا ويرتفع الادرينالين معلنا نشوب الفرح , ولا يكاد شريط الجنة الأول بالظهور , إلا ونستشعر دخولنا في ملكوت صوفي هياب نتعرفه باتساع صدورنا في استقبال نسمات الهواء العليل , آآآه له من هواء, ننتثر في رقعة الحياة ونتلمس العشب النضر الندي , إنها مناطق دمر , والهامة , والربوة , وغوطة دمشق الغربية , نفترش الارض معلنين بداية العرض , ونهر بردى يكاد ينطق بردا وصفاءا , نتأمل نعمة وجلال الخلق في التفاف الطبيعة وكأنها تضمنا , تسكب خيراتها على كل عاشق لها ,
فيختلط صوت الكبار من الاباء والامهات و أصدقاء العائلة بثورة انطلاق الطفولة وتلمس التحرر في فسيح المكان , وتتلاقى روائح الشواء مع ما يطرب من قهقات اللذة ووقع صوت النرد فقرقرة النرجيلة وأصوات شتى كثيرة انطبعت كوشم لن يفارق مسامات الذكرى .....نعم
تحترق السنون بمراحلها , وتنسحب تلك الصور الى غرف بعيدة , وتهجم الحياة بقسوتها , فأنتقل لأمكنة عدة , واسافر مبتعد الجسد , متلازم الروح , وتتالى الشهور والسنون لتجعل من واقع قد مضى حلما ..تكر المآزق وتتلون الحوادث , وتلقي بي الظروف في بقاع شتى , وتكون من المحطات تلك التي وجدتني فيها , بلاد الجمال وعنوان كمال الطبيعة النسبية , فتحط بي رحالي في سويسرة , وتعود تلك الرئة للتشبع من النقاوة وتحار العين في أي صنوف من الجمال تترجم أولا ...فالخضرة صارخة وقحة بجنونها , ولغة الطبيعة كثورة متتالية الحلقات بترابط عزيز , فهاهي السفوح بغاباتها , وجبال الألب تعتمر قبعات البياض من ندف السماء , والبحيرات تشدك الى لهاث طويل وانفاس متلاحقة بتفسيرها قمم الفراديس المطلقة ...تشيع في النفس آمال جمة ...وتصبح تلك الصور حلقة من سلسلة طويلة من كتاب الذكرى ...وتمر أعوام وأعود...آآآه لها من عودة ....نعم
أهي دمشق تلك التي فارقتها مادة وجسدا , ولم تفارقني روحا ولا وجدانا..؟؟
أهي دمشق تلك التي أرى ؟؟ لا ..لا ..ما كذب الفؤاد ما رأى ...ما الذي جرى ؟؟
أهي مدينتي؟؟ كانت المركبات وعلى اتساع العاصمة لا تقطع خيط الرحمة في إيذاء مدينتي بتوالدها وتناسلها وتناسخها الذي أراه , كنت أرى الشاسع من القلب ودبيب تلك العربات لا تنفر العين لمرآها ..أما الآن..؟؟ مابالي وقد ولجت مكانا هو أقرب للورشة منه أن يكون أميرتي؟؟ مئات ومئات الآلاف منها تزمجر بأبواقها المقيتة ..وتقذف في شرايين المغتصبة عنوة لطهارة وبكرية وعذرية بيئتها كل أنواع السموم والسواد ...مابال الخضرة التي وعيت وقد طعنت بكل صنوف نصال الغباء والجهالة؟؟ كنت أمتاز بمدينتي وأنفس حظي لذلك الثوب الأخضر ..كل ثياب العرائيس بيض..سوى ثوب مدينتي كنت أراها ترتدي زيا اخضرا تكلله تيجان الياسمين وتفوح من افواه بنياتها طفولة الجوري ....تبا لك أيها الإسمنت يا قاتل الخيرات ...تبا لك من حضارة لم تسعدي سوى تجار من يساومون على عرض عروستهم , هاهي تغتصب وعلى الملأ بساتينها ...وما هذا؟؟ أهذا قاسيون وقد شق في صدره طريقا ؟؟ ...فلأنظر إذن كيف تبدو لغة القتل المتمدن ....ارتفقت جبلي وارتفقني باكيا شاكيا يقول ...سرح بصرك لابنتي وانظر فعالهم وحرابهم ...انظر..كما انظر شاهدا على جنون قتلهم في كل اشراقة شمس افتقدت قان حمرتها ...آآآه لها من آلام فتاكة هي التي اعتصرت حلقي وأنا انظر ... سحابة السواد وحمم السخام والقار وسلاح الجريمة ما يزال ممسك بحبيبتي ...وانتشر الغول قاتلا كل بساط لوني خبرته .....نعم
قارنت بين بلد الحضارة والتمدن الذي فاجأتني فيه سمة حقيقة الحضارة , وبين ما آلت اليه أميرتي من اعتقاد الحضارة الجهالة ...عندهم استبعد اغلبهم تلك السيارات بدراجات هوائية , ولم ينعت تصرفهم بالتخلف وعقم التحضر....عندهم بعض السيارات التي ترى تطفىء محركاتها عند الشارات الضوئية الحمراء كي يقللوا نسبة التلوث ما أمكن ..التلوث الذي , والله , لم أره في سمائهم ولا هوائهم ولا مائهم ...ومع هذا ...يرون أنه تلوث لو لم يفعلوا ذلك...قارنت بين الهدوء في الفعال من قيادة وتعامل , وبين استهتار القيمة الإنسانية في تهور التطبيق البهيمي من اطباق اكفهم على ابواق تلك المركبات , تلوث صوتي , تلوث مرئي , تلوث حسي كامل ....نعم
جلت في مدينتي بعض الأيام التي زرتها فيها مشتملا حزني وقهري , هاهي ام وابنتها تأكلان الذره , ثم تلقيان ما تخلف على أي حافة رصيف , مع قربهم من حاوية القمامة , ما اجحدهم لحاضنتهم وراعيتهم ؟؟ اوراق , مخلفات , ابنية اكتست كل انواع السخام جدرانها , شوارع تساوت ارصفتها باسفلتها الذي ابتلي بكل أنواع الجدري , فحفر في كل وجه شوارعه اخاديدا ووهادا وتلال واودية شكلت تضاريسا مستحدثة على عالم المرور لن تجد له موازيا في أي رقعة من العالم ..تلاشيت بخجلي..تسائلت في وجوههم ..لم ؟؟ لم ؟؟ لم ؟؟
كفوا ايديكم ..كفوا أيديكم ..ارجوكم ..كفوا أيديكم ....إنها أمكم التي تذبحون ..إنها اختكم الذي تغتصبون ...لا تصرخوا في وجهي ..لا تقولوا ما ابشع التشبيه....كأنكم تأكلون لحم اخيكم ميتا...أتذكرون كيف كرهتموه؟؟
فكيف لا اقارب التشبيه مقاربة سوء فظائعكم ..
كفوا ايديكم ...استحلفكم ببردى ..استحلفكم بقايا الذكرى ..استحلفكم الربوة
والغوطة وكل عصب غذى طفولتكم وطفولة ابنائكم ...أن ...تكفوا
***************************
جـريـمـة قـتـل طـويـلـة - الجـزء الثاني :
-------------------------------------------
قهوة النوفرة , سوق الحميدية , البزورية , المسكية , ساروجة , الميدان والصالحية , الشاغور والقنوات , السويقة وباب توما , كل الأبواب الشاهدة على دمعي, كل الحارات والأزقة التي تمثل ألمي ,
كل ظل ظليل يسبح في ملكوت البرد والسلام في تنفس صباحات الخير التي تتسلل برقة وتداعب بيوتات دمشق الخالدة , فتحاكي فكري ونفسي وروحي , كل تلك الإعجازات التي تصنف وجوديتي وتذوقي لسحر
المكان , كلها جميعا , نعم جميعا , هي الناظم لاستمراريتي في خضم تسونامي الجوهر والطالع يحاول قذفي لتشوهات المتواجدات والموجودات الأخرى التي آنف اقترابا لشطآنها , وارتعد بنوازع طفولية من أن تتلمس بكل شرورها نقاء تلك الصور الروحية , فانقيادي وراء تلك الحواري هو مرجعية الطهارة للضوء الأول الحي الباطني الذي أتعرفه بتعرف تواثق العرى التكوينية التي تصنع كل ردود أفعالي , لتشدو بحداء طويل حزين ومشوق حنيني لخزين الذكرى , فما ربط قاسيون وبردى هو أثر حي وحقلة في سلسلة طويلة لن تنتهي إلا بتوأمة البداية التي تزف كل عروس لمخدع الخلود الدمشقي الهياب , فترى عرسان وعرائس كم صنعوا من أمجاد شهور العسل ذات الثوب الديمومي السرمدي , قصائد السعادة التي تعنون كل حديث عن الشام , فأين هي إذن كل تلك الأنواء المكتسحة التي تحاول بعبثية أن تقتلع مني ألفت الإدلبي , وقتيبة الشهابي , ونزار الأسود , وكولييت خوري , وناديا خوست , في مدارس الياسمين التي يديرها نزار قباني..؟؟
خاب كل فأل فيما يراد لهم بإقحام الأماني ساحة الحجة والمنطق , فلن انسلخ عن أسباب الدوام , ولن أقارب جنون التلون بسمات الغباء الذي ينزلق لأوديته الآسنة من ظنوا حتمية التحضر والاستعلاء الأجوف في استعارة كل ما هو دخيل لخلق مسوخ مشوهة يجاهدون لتسفيرها بكل أحصنتهم الطروادية كي يمنوا خواء الجيوب امتلاءا بوجوه باسمة بسخرية تسخر من بلاهة المتلقف لها تصنعها سحنة واشنطن في لوحته الدولارية , ألا ما أبأس وأبخس الأثمان التي تحاولون فيها بيع كل مسجد وكنسية , ما أنتن عفونتها تلك الوريقات التي تلطم جباهكم وتركل ظهوركم وتمتطي بقايا كرامتكم كي تسجدوا لها مستجدين بخسة فتات ظنونكم بها فأرضيتم أن تكونوا بئس المركوب لبئس الراكب , وان درجتم بغباء لن تلوث تفاهة فعاله على
إيغالكم الشر , صورة الشام , ولا طهر الشام , ولا بكرية الشام , يا من استجلبتم انظار الزائرين لحلبات الروديو لتكونوا ثيران الفرجة لمن يستحلب قطرات العرق المسفوح على أعتاب الشامتين , فلا غدر الغادري ولا بشاعة الخيانة في نهاية بسام العدل , ولا كل نشاز تنثره سموم لعابكم على شاشات إعلامهم وصحفهم بقادرة على أن تحرك اعتقادية الاعصار فيها وريقة من زهرة ياسمين يستلهم استرضاع جبروته من تربة بيت دمشقي....خاب فألكم..خاب مسعاكم.
إن كان ما لقيصر لقيصر..وما للشعب للشعب.. وما للشرق للشرق..وما للغرب للغرب..فدمشق الشآم فوق كل قيصر وشرق وغرب , فهي التفرد والتماهي , هي الخلق الأوحد والحقيقة التي لا تقبل التغيير ..فهلا كففتم؟؟
أستحلفكم قبور الأجداد ..استحلفكم سحر الأمجاد ...استحلفكم كل سلسبيل في كل زقاق اهداكم قطرات الفيجة وأنتم تنهلون شذرات الذهب من بردها وثلجها بعد استراحتكم من لعب الطفولة الذي شهدت عليه المآخاة بين ضلوع البيوت الدمشقية التي تتفرع لتشكل رئة الحياة التي تحاولون استبدال نقاء الحارة فيها بقذارة
ريح الظن بتحضركم ....أعود واستحلفكم بكل إرث بنيت عليه حضارتهم ألا تقتلوا حضارتكم ..فأنتم منا وفينا واستحلف بقايا الحرارة فيما أظنه من دماء لا آمل نضوبها في شرارين عروبتكم ..أن تكفوا...أن تكفوا